منذ عام مضى حدد الامريكيون العرب جدول أعمال طموحا (لحملة 2000) فقد عقدنا العزم على ان ندفع بأنفسنا وبقضايانا الى قلب انتخابات الرئاسة الامريكية لهذا العام وأوضحت المؤشرات الاولى تحقيق بعض النجاح ولكن هناك مؤشرات خطيرة لابد من ان نلاحظها كذلك. عندما حددنا استراتيجيتنا بصورة أولية أرسيناها على اساس عدة افتراضات فهناك اولا وقبل كل شيء الحقيقة القائلة بأننا نعرف ان هذا السباق الانتخابي سيكون سباقا محتدما تتقلص المسافات فيه بين المتنافسين وستكون هناك اهمية لكل ناخب ولكل مجموعة من الناخبين. وثانيا كنا نعرف انه في انتخابات هذا العام وكما كانت الحال في الانتخابات الرئاسية الثلاث الماضية فإن الولايات المتحدة التي ستخاض فيها المنافسة بضراوة ستشمل ولايات الغرب الاوسط وفي مقدمتها إلينوي وميتشيجان وأوهايو وهي ولايات كان الامريكيون العرب فيها مكونا اساسيا من مكونات قاعدة الناخبين وفي الوقت نفسه كنا نعرف انه بسبب عملنا فإن الامريكيين العرب تم تسجيلهم وحشدهم وأصبح الكثيرون يعترفون بهم باعتبارهم مجموعة ناخبين تستحق الاهتمام. وأخيرا كنا نعرف ان القضايا التي تعد مهمة بالنسبة للأمريكيين العرب هي ايضا قضايا مهمة بالنسبة للسجال السياسي الوطني الامريكي. وقد أكدت الانشطة الاخيرة التي قامت بها الحملات الرئاسية الرئيسية وكذلك التغطية الاعلامية للأمريكيين العرب, أكدت اننا كنا محقين فيما ذهبنا اليه من افتراضات. وخلال الاسبوع الماضي نشرت مجلة ايكونوميست البارزة مقالا بعنوان (ميلاد اللوبي العربي الامريكي) وأشارت فيه الى كل من النزعة السياسية النشطة للامريكيين العرب في معرض الاستجابة للانتفاضة وركزت كذلك على جهود المعهد الامريكي العربي للاسهام في بناء صرح مجموعة انتخابية أمريكية عربية في ميتشيجان. وخلال العام الماضي كان هناك عدد من المقالات المماثلة تحمل عناوين مثل (المرشحون يخطبون ود الناخبين الامريكيين العرب). ويعد هذا كله انعكاسا واضحا للاهتمام الحقيقي الذي يحظى به الامريكيون العرب. وقد قام المرشح الرئاسي الجمهوري جورج بوش بدعوة الامريكيين العرب مرتين للقاء عقد في اوستن بولاية تكساس كما التقى مؤخرا مع الامريكيين العرب في ميتشيجان. ومن جانبه وجه نائب الرئيس الامريكي آل جور خطابا للامريكيين العرب في ميتشيجان وعقد اجتماعا مع قيادتهم في تلك الولاية كما عقد عددا من الاجتماعات مع الامريكيين العرب في واشنطن. وأمضت زوجته تيبر جور يوما مع الجالية الامريكية العربية في ميتشيجان وهو الامر نفسه الذي قام به السيناتور جوزيف ليبرمان المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس الامريكي. غير ان ما استقطب الانتباه بشدة للأمريكيين العرب كان اتيان جورج بوش على ذكر الجالية واهتماماتها وبصفة خاصة المعاملة المتعسفة لابنائها في المطارات وتقديم الادلة السرية على ادانتهم في القضايا المختلفة وذلك خلال المناظرة الرئاسية الثانية. وعلى الرغم من ان بوش خلط بين القضيتين خلال الملاحظات التي ادلى بها في المناظرة, إلا ان الامريكيين العرب ابتهجوا لأن قضاياهم تعرض على مستوى الامة على هذا النحو ورد جور بسرعة بالاعلان عن وجهات نظره حيال هاتين القضيتين في تجمع انتخابي حاشد في ميتشيجان. وأشار جور في ملاحظاته في هذا الصدد الى معارضته القوية للمعاملة المتعسفة التي يلقاها أبناء الجالية في المطارات وأعرب عن تأييده لاصدار قانون يتبنى مشروعه الآن عضو مجلس النواب ديفيد بونيور وكذلك زميله جون كونيرز وهو المشروع الذي ينص على وضع نهاية لاستخدام الادلة السرية في الجلسات التي تسبق ترحيل الامريكيين العرب من الولايات المتحدة. وقد سعى كل من المرشحين بصورة نشطة الى استقطاب تأييد الامريكيين العرب وحتى الآن قامت جماعتان تتخذان من ميتشيجان مقرا لهما بتأييد بوش وحظيت كل منهما بتغطية اعلامية واسعة النطاق على المستوى الوطني. وبدوره سعى جور بجدية بالغة لاكتساب مثل هذا التأييد وفي الاسبوع المقبل وحده سيبعث باثنين من الوزراء من بينهما الوزيرة دونا شلالة وهي من اصل امريكي عربي لاكتساب تأييد الجالية وسوف يعود في وقت لاحق من الاسبوع المقبل لتلقي تأييد مجموعة من قادة الجالية. كل هذا بالطبع يعد شيئا مختلفا تماما عن الحملات الانتخابية السابعة التي كان تأييد الامريكيين العرب يقابل فيها بالرفض او على نحو ما كانت الحال في عام 1996 عندما رفض المرشح الجمهوري بوب دول عقد لقاء مع مؤيديه الامريكيين العرب. ومع انطلاق هذه الانتخابات على خلفية من تداعي عملية السلام في الشرق الاوسط فإن المخاطر التي يتعرض لها الامريكيون العرب والولايات المتحدة ككل تعد مخاطر جمة. وقد نظم الامريكيون العرب مظاهرات في أربعين مدينة كبرى على الاقل شارك في بعضها عشرات الآلاف من المتظاهرين ونشروا اعلانات بارزة في كبرى الصحف الامريكية وطالبوا المرشحين بالتحدث بشكل اكثر توازنا حول القضايا المختلفة. فعلى سبيل المثال, وبعد أن استخدم كل من بوش وجور اسلوبين شبه متطابقين في إلقاء اللوم على الفلسطينيين عن العنف المندلع في فلسطين خلال المناظرة الرئاسية الثانية, التقى جور بمؤيدين من الامريكيين العرب الذين اهابوا به ان يستخدم اسلوبا اكثر تدقيقا يتسم بالحساسية حيال معاناة الفلسطينيين. وقد بادر جور في لقاءات متكررة اعقبت ذلك الى القيام بهذا فعلا. وقد يكون من قبيل الافراط في المبالغة ان نتوقع تحولا تاما في الخطاب الوطني الامريكي فيما يتعلق بقضايا الشرق الاوسط في انتخابات واحدة. ولكن الحقيقة تظل قائمة وهي ان مشاعر الناخبين الامريكيين العرب قد اعتبرت في انتخابات هذا العام جديرة بالمراعاة. ولم يتم فقط السعي لاستقطاب اهتمام الامريكيين العرب هذا العام ومخاطبة قضاياهم وحملها على محمل الجد وإنما هم يشاركون في الحملة الانتخابية على نحو لم يحدث من قبل قط. وبينما ادرج جورج بوش امريكيين عربا في قائمة العاملين في حملته فإن آل جور يعتز بوجود ستة من الامريكيين العرب ضمن كبار العاملين في حملته ومستشاريه وهو اكبر رقم من نوعه في اي حملة انتخابية في تاريخ الولايات المتحدة. وهذا التنافس الحزبي على استقطاب تأييد الامريكيين العرب لا ينتهي عند العاملين في الحملات الانتخابية ولا عند القضايا فخلال الاسابيع الاربعة المقبلة ستتلقى مئات الآلاف من البيوت الامريكية العربية رسائل بريدية واتصالات هاتفية معدة خصيصا لهم من ناخبين يسعون للحصول على اصواتهم. وعلى سبيل المثال فإن الرسالة التي سيبعث بها جور وهي مصاغة بالعربية والانجليزية ستشير الى الاسباب التي ينبغي ان تدفع الامريكيين العرب الى تأييد جور وتشدد على احترامه للجالية وموافقته فيما يتعلق بقضاياها والتزامه باستيعابهم في انشطة حملته ولا شك في ان بوش سيقوم في الامر نفسه. لقد برهن هذا الاهتمام على الرغم من جدته على انه مثير لمشاعر الامريكيين العرب فهم لم يعتادوا على ان يخطب احد ودهم على هذا النحو وهم يجدون انفسهم الآن بؤرة للمناقشات في أجهزة الاعلام على المستوى الوطني وهنا يكمن خطر محدد. فذات مرة قال لي جيسي جاكسون: (عندما تصل الى قلب الساحة إلزم الحذر لأن كل ما تقوله وكل ما تفعله سوف يسجل). ولم يتعلم بعض الامريكيين العرب هذا الدرس بعد, فقد ادلى عدد منهم ببعض التعليقات على ديانة جون ليبرمان لم تسفر الا عن إلحاق الضرر بصورة الجالية. وتحدث بعضهم بشكل مفارق للحكمة كذلك. إن الاهتمام يعطى الآن للجالية ولكن من المهم ألا يدفعنا ذلك للغرور فنحن نظل معرضين للمخاطر وحاجتنا ماسة الى التزام الحذر حتى لا نبالغ في الاقتراب من حلفائنا أو نبعدهم عنا بينما نحن بحاجة الى ان يتزايد عددهم. وقد اوضح استطلاع للرأي اجري مؤخرا انه في الوقت الراهن يؤيد 40% من الامريكيين العرب جورج بوش ويقف 28% منهم الى جوار آل جور ويؤيد 16% منهم رالف نادر مرشح حزب الخضر وهو امريكي عربي. ولا يزال 15% منهم لم يحسموا رأيهم بعد. وفي ضوء دقة موقف نادر فإن هذا يعني ان 25% من الامريكيين العرب لا يزالون في مرحلة يمكن معها ان يغيروا اتجاههم حول من سيعطونه اصواتهم خلال الاسبوعين المقبلين. ان هذا يعني ان الامريكيين العرب سوف تتوالى جهود استقطابهم وستظل قضاياهم ذات اهمية في هذه الانتخابات. ويظل الشرق الاوسط متوترا ويبقى نقطة مشتعلة يمكن ان تنفجر في اي وقت ولا تزال الحقوق المدنية للأمريكيين العرب تحتل موضعا متقدما في جدول اعمال الجالية وسوف يواصل الامريكيون العرب اصرارهم على ان تحظى هذه القضايا بالاهتمام في الاسابيع الاخيرة من الانتخابات. ونحن نقوم بهذا في العام الحالي ببعض الثقة في ان هناك مرشحين يصغون لما نقول ويستجيبون لنا. وما زلت اذكر ان الامريكيين العرب في الثمانينيات كان يجري استبعادهم وبعضهم كانت تعاد له تبرعاته المالية والبعض الآخر يقابل تأييده بالرفض اما هذا العام فالوضع مختلف تماما. وكما سبق لي القول مرات عديدة هذا العام (لقد جرى استبعادنا والآن يتم السعي لاستقطابنا والوضع الاخير افضل كثيرا. رئيس المعهد الأمريكي العربي