يؤكد العربي في فلسطين أنه حالة قصوى في مفاهيم الدفاع عن ذاته والتضحية بها صونا لكرامة الأمة. فمنذ التاريخ في عهد هيرودس (37 ق.م) في فلسطين حيث بُقرت بطون الأطفال في أحضان أمهاتهم وحتى استغاثات الشهيد الطفل محمد الدرة, التي بَقرَت بطنه رصاصة الاحتلال الإسرائيلي وهو بحضن أبيه في 30 سبتمبر الماضي, يثبت الفلسطيني بأنه كثافة التاريخ بما يحتويه من عذابات وآلام وعبث الظروف في كثير من الأحيان. ويؤكد مرارا وتكرارا أنه ليس حالة ثورية نموذجية يجدر محاكاتها دفاعا عن أي حق إنساني فحسب وإنما نموذج يخضب تأكيده بالدماء على انه حارس هذا الحلم العربي الذي بدأ يتململ من ذبوله. بل أثبت العربي في فلسطين أنه خير من استفز حالات الكمون العربية التي أجهضت استعادة الكرامة العربية المغيّبة على مدى قرن من الزمان. ها هم الدّرر العربية براحاتهم الندية والغضة يستريحون عن رسم حلمهم العربي بشكله التقليدي, بريشتهم وألوانهم المائية لينهضوا من جديد بدمهم وحجرهم المقدس ليرسموا حقيقة الحلم المقاوم في وجه الغاصب الذي استمرأ شهوة القتل العمد. وهو الآن يعيد اكتشاف كيمياء الحجر من جديد, ليلقي نصب أعيننا حقيقة طالما كانت غائبة, وهي أن ثمة قوة كامنة في الزهرة الغضة الندية يمكن بها أن تقاوم جفاف الظهيرة وآلات (الحصاد) الآدمية العبثية. استطاعت هذه الزهرة الندية أن تنثر بذورها على الأرض المباركة في فلسطين لتستنبت ألف زهرة وزهرة. وإن كان الحجر طريا حانيا ناطقا في اليد العربية بفلسطين, فإنه بالمقابل صلب صارخ لا يفج رأس الأعداء فحسب, بل مقلق لأحلامهم في نومهم ومزلزل لأمنهم اليومي ونمطهم المعيشي, فغدوا بذلك كمن يأكل (الآيس كريم) البوظة وهو على صفيح ساخن. وهكذا قدر الفلسطيني أن يولد وبيده حجر وبفمه تاج المناجاة بـ (الله أكبر), ومفترق طريقه إلى القدس جندي مغتصب مثقل بالعتاد والقلق. قدره أن يولد قابضا على حجره في راحته كما الجمر, بينما ثمة راحات مبسوطة المدى تصالح الأعداء. وهذا هو حادي الروح العربية يستأنف رحلته ثانية محملا بالحق والخير والجمال ... الحق الأرض, والخير الحياة والجمال في استعادة الكرامة العربية. ولن يتوقف العربي عن رحلته التي بدأها, وسيبقى بكل حالاته مهاجرا نحو هويته وأمنه وبيده حجر يستنطقه بالحق والخير والجمال ... وقد نطق الحجر دفاعا عن الأمة, فهل ينطق الآخرون بما نطق به الحجر؟! hani@albayan.co.ae