يا أهل القمة .. يا أملا ترجوه شعوب تاقت للنور وطال بها ليل, والفجر على أبواب مدائنها. الفتية دقت أبوابا للشمس وها هم يخترقون ستار الليل فتفتح بوابات تطرقها أيد حمراء, وعلى كل الأسوار ترفرف رايتهم, وفوق القبة أنوار للفرح الآتي. ها أنتم تجتمعون اليوم وفي أرض الإسراء دماء غالية سفحتها أيد لا تعرف للعهد سبيلا. كانت أوهاما تلك الآمال بأن يحفظ أعداء الله لنا عهدا. والصحوة كانت صرخة ذاك الطفل وكانت طوفانا. ومضى تيار الصحوة ينعى ذاك الوهم ويعلن للفجر الآتي ميلادا. لن نفتح كتب التاريخ فقد ملّت أعيننا تلك القصة, فلنسدل أستار الماضي ولنشرع للقادم من غدنا بابا. ها أنتم تجتمعون اليوم .. تحفّ بمجمعكم صورة طفل ينكفئ على وجهه في حضن والده المصدوم العاجز عن حمايته الباحث عن حمايتكم .. ومنظر أم ثكلى تودع كل صباح ابناً من أبنائها وتجلس واضعة يدها على قلبها لا تعلم إن كان سيعود إليها في آخر النهار على قدميه أو محمولاً على نعش, ومياه النهر الأحمر تجري غامرة كل الأنحاء في أرض الإسراء .. وحكاية طفل عربي تحرقه الدمعة, تخنقه العبرة, تأكله الحسرة وهو يشاهد إخوته في الأرض المحتلة تحصدهم أسلحة الغدر, يطاردهم شذاذ الآفاق, يدفعه العجز العربي لأن يحمل سكيناً ويغادر منزله, وبعيداً يذهب .. يبحث عن دور .. عن حجر يقذفه كي يحمي صدراً مكشوفاً يتصدى لعدو لا يرحم .. ويغطي ظهراً مكشوفاً الله ــ وأنتم بالطبع ــ به أعلم. يا أهل القمة .. يتساقط عشرات الشهداء .. ويئن مئات الجرحى .. فينام العالم ملء جفونه .. شاشات التلفاز على استحياء تعرض تلك اللقطة .. يتثاءب ذاك العالم ثم يعود لرقدته .. وثلاثة أنجاس مغتصبين تأسرهم قوات الحق .. فيهبّ العالم مذعورا .. يسهر سيد ذاك البيت فلا يعرف للنوم مذاقاً .. وعجوز شمطاء تتألم .. تتورم عيناها من حزن فتدمدم .. يتطاير شرر من تلك الألحاظ .. تتشدق بمئات الألفاظ .. وبأقسى الألفاظ .. تشتم من تنعتهم بالغوغاء .. وتحلق طائرة .. طائرتان .. ثلاث .. بل مئة .. تحمل كل الوزراء وكل الأمناء ليكونوا وسطاء .. لتخلِّص أنجاساً من قبضة شرفاء .. أما الشرفاء ففي نظر أولئك ليسوا أكثر من غوغاء!! فهل أكثر من ذلك يا أهل القمة سخف وهراء؟!! يا أهل القمة .. يا من قد جئتم تحملكم أقدار الأمة .. تسبقكم آلام الأمة .. تتبعكم آمال الأمة. يا أهل الحل وأهل العقد .. يا من في يدكم أوراق اللعبة. قد آل إليكم كلّ الأمر ففي يدكم أفراح الأمة .. في يدكم أتراح الأمة .. وعلى الجدران مسطرةٌ نكبات الأمة .. تاريخ الأرض وجغرافيتها .. ودروس التربية الوطنية. هل قلت دروس التربية الوطنية؟ بالفعل .. لقد قلت دروس التربية الوطنية. فلنفتح أبواب الفصل وكرّاس (التربية الوطنية) .. ولنبحث في الدرس الأول عن معنى (الوطنية) .. ولنبحث في الدرس الثاني عن وصف (الوطنية) .. ولنبحث في الدرس الثالث عن شرط (الوطنية) .. ولنبحث في الدرس الرابع عن فعل (الوطنية). في الدرس الأول والثاني والثالث وفي الدرس الألف سنعرف أن الأوطان هي الأرواح, وأن هواها عطر فوّاح, وسماها نور قد لاح, وثراها كون وبراح .. وأنّ الأوطان هي النسمة تنعشنا, وأن الأوطان هي النغمة تطربنا, وأن الأوطان هي البسمة تفرحنا, وأن الأوطان هي العز يكللنا, وأن الأوطان هي التربة تؤوينا. فلعل دروس التربية الوطنية تسعفنا, وتداوي جرحاً يقتلنا, وتفرّج همّاً يطوينا. يا أهل القمة .. يا جمعاً يتداعى لنداء الأقصى .. وبقاع القدس وما تلقى .. المسجد تدعوكم قبته .. ودم الشهداء وساحته .. وعهود صانت عهدته .. لتسجل ملحمة كبرى. يا أهل القمة .. قد كبرت آلام الأمة, فانتفضت لتزيل الغمة .. والغضب تدفق شلالا .. ليغطي سهلاً وتلالاً .. وجبال الخوف قد انهدّت .. فالظالم لا يردعه الصمت .. ودون الأوطان حياض الموت. يا أهل القمة .. القدس تعيش زماناً مختلفاً .. ويكلل هامتها تاج العلياء. القدس عروس موكبها فوج الشهداء .. زينتها أثواب سوداء .. ودماء المحتل هي الحناء. هل ثمة عرس من غير غناء؟! القدس تغني فتغيظ أغانيها الأعداء .. تنهمر عليها زخاتٌ هوجاء .. ويزمجر صوت لرصاص الجبناء .. فتنادي فتيتها من كل الأنحاء .. وتزف مزيداً في فوج الشرفاء. يا أهل القمة .. القدسُ حديثٌ متصلٌ وضميرُ الحاضرِ والغائبْ وحروفٌ صِيْغَتْ من ذهبٍ حُفِرتْ في القلبِ كما القالبْ وقصيدةُ حبٍ نُنْشِدُها فنبثُّ بها الشوقَ الغالبْ وسماءٌ حُجِبَت زرقتُها بسحابٍ صيفيٍ كاذبْْ وحقولٌ ترفضُ تربتُها أن تُنْبِتَ لعدوّ غاصبْ يا أهلَ القمةِ نسألُكم باللهِ المنّانِ الواهبْ لا تئدوا حلماً وردياً عشناه مع الضوءِ الغاربْ يتبدّى في ليلِ هوانٍ فيلوحُ كما النجمِ الثاقبْ يا أهلَ القمةِ لا تبنوا سداً في وجهِ التيارِ لا تلقوا حجراً في بئرٍ يقصدها كلُّ الأحرارِ فيموتُ بحسرتهِ كمداً حرٌّ لا يعبأُ بالنارِ يا أهلَ القمةِ قد شخصت للقمةِ كلُّ الأبصارِ فأعيدوا نهجاً قد درست منه مناراتُ الآثارِ ساحاتُ القدسِ تناشدنا صوناً لدماءِ الثوّارِ أنْ نطلبَ مجداً يرفعُنا أو نلقى الموتَ بلا عارِ