في الحديث عن الانطباع العام الشائع الذي تغذيه أوساط فلسطينية لا يروق لها اعادة توحيد منظمة التحرير لأنها تحمل مشروعاً آخر لبناء منظمة بديلة منذ عام 1983 وما زالت تراوح عند شعاراتها المعروفة, تشير هذه الأوساط بخصوص الحوار الوطني إلى أنه في نهاية المطاف, كان هناك مشروع اوسلو, وكان هناك مشروع المعارضة المقابل, وأن مشروع المعارضة يعاني صعوبات وبقي مشروع أوسلو, وجزء من المعرضة يسعى للالتحاق بمشروع اوسلو. ان الأمور ليست بمبدأ التسطيح الساذج, فمشروع اوسلو ايضا فشل في الفتح الملموس على حق تقرير المصير والدولة المستقلة بحدود 4 يونيو 67 عاصمتها القدس وعودة اللاجئين/ والنازحين عملاً بقراري الشرعية الدولية رقمي ,194 ,237 فقد أعلنت السلطة أن 90% من الارض المحتلة ستكون بيدها في ختام المساحة الزمنية والقانونية لاوسلو (4/5/1999) وتنهض سنغافورة وهونج كونج اخرى على مساحة انتقالية اوسلو والان نلمس الحصاد البائس لادعاء الجنة الموعودة, فقد انخفض منسوب مستوى المعيشة بعد سبع سنوات على اوسلو بنسبة 40 % عما كان عليه قبل اوسلو عام 1993 حسب تقرير صندوق النقد الدولي, وتأتي ميزانية السلطة الفلسطينية ( 26/1/2000) تفضح الادعاء فقط بلغت العام 200 مليارا وثلاثمائة مليون دولار لثلاثة ملايين من البشر, منها 14.35% للشرطة واجهزة الامن, 36.18% للتعليم, 5% للصحة, 5.5% للشئون الاجتماعية, 1.6% لمكتب عرفات وبالمقابل ميزانية اسرائيل للعام 2000 بلغت 59 مليار دولار على ستة ملايين من السكان. فشل وعود وأوهام اهل اوسلو اوقع السلطة الفلسطينية في مأزق جعلها تفتش, عن اعماق اخرى للحوار, وتتجاوب أولياً مع الدعوة الى بناء ائتلاف وطني حقيقي. رغم ان بعض اوساط السلطة الفلسطينية ترى ان مشروعها لم يفشل, وانها ليست واقعة في ازمة, وعليه تضع العصي في دواليب الحوار والنضال لتعطيل اية خطوات عملية على سكة اعادة بناء وحدة الشعب وائتلاف قواه الوطنية ببرنامج القواسم المشترك الجديد. جراح المشهد الفلسطيني عندما نتابع تصريحات هذه الاطراف من السلطة, ونراقب مجرى المفاوضات المستمرة حول استكمال المرحلة الانتقالية وقضايا الحل الدائم, لا تقر بأن مشروعها في عنق الزجاجة, أو انها تعتقد نفسها في أزمة كبيرة, وترى أنه من المفيد جداً لها بالنسبة للمفاوضات, وبالنسبة لوضعها وامام الطرف الاسرائيلي والامريكي, ان تستدرج عناصر من المعارضة الفلسطينية الى صفها لتقول ان غالبية الشعب الفلسطيني في نهاية المطاف تؤيدني. وللإجابة عن كل ذلك نضع اليد على جراح المشهد الفلسطيني, بعد سبع سنوات على أوسلو, فاللوحة هي التالية: على الأرض, سيصبح بيد السلطة بعد ان ينفذ اتفاق واي رقم ,2 أي مذكرة شرم الشيخ, في المربع (أ) 18% من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة (بدون القدس الكبرى), وسيصبح جزئياً اداريا, بيدها 22% في المربع (ب) بينما يبقى بقبضة الاحتلال 60% احتلالا كاملا في المربع ج+ 22% احتلالا عسكريا وامنيا في المربع (ب), + القدس الكبرى + الكتل الاستيطانية في الضفة + كتلة (غوش قطيف) جنوب قطاع غزة, وكل الارض متنازع عليها. وتحت مظلة السنوات السبع الاوسلوية صادرت حكومة رابين ـ بيريز 350 الف دونم, واكمل نتانياهو بمصادرة 200 الف دونم من الضفة الفلسطينية مع بدء توسع جزئي حول مستوطنات (غوش قطيف) في منطقة المواصي من خانيونس الى رفح, وباراك يعلن فور انتخابه لاءاته الخمسة الكبيرة وفي 1/11/1999 اضاف لها (لا سادسة) بأن القرار 242 لا ينطبق على الضفة كما ينطبق على سيناء والجولان والاردن, مع استمرار تسمين المستوطنات في الضفة الفلسطينية بحجة التكاثر الطبيعي, ومع اجازة 30 من اصل 42 نواة من المستوطنات التي تسمى (مستوطنات التلال) التي دعا لها شارون, مع إكمال مشروع تهويد القدس واقفال الدائرة حولها بمستوطنة جبل أبو غنيم (مدينة وفق قرار وزير الاسكان الاسرائيلي وما يترتب عليه من موازنة المدينة), وقرار بارك توسيع مستوطنة (إيتمار) عشرة اضعاف مساحتها بجوار نابلس (7/11/1999) قبل 24 ساعة من عقد جلسة مفاوضات الوضع الدائم في رام الله 8/11/1999. هذا كله يجري على الارض, والسلطة الفلسطينية لاتستطيع ان تفعل شيئاً تجاهه بمواصلة سياسية الخطوة خطوة, فميزان القوى مختل اختلالا هائلا لصالح العدو, وبيده زمام المبادرة في كل هذه الخطوات, وباراك ــ تلميذ رابين ــ يأخذ بما قاله رابين في خطابه في الكنيست في 31/8/1991 بأن المرجعية لاتفاق اوسلو ولسياسة الخطوة خطوة هي اسرائيل, وزمام المبادرة بيد اسرائيل, ومن هنا جاء قوله: لا مواعيد مقدسة وفرضه خارطة اعادة الانتشار من 5% على الرغم من اعتراض عرفات خمسين يوماً ثم عاد ووقع عليها وتكرر هذا مع خارطة النبضة الثالثة والاخيرة من 1.6% بالضفة وفق شرم الشيخ. وعليه نؤكد سيبقى الوضع كذلك مادامت المفاوضات تجري في اطار سياسة الخطوة خطوة الاوسلوية ومحصورة بجناح اليمين ويمين الوسط الذي يتفرد وينفرد بالمفاوضات منذ مدريد/ اوسلو حتى يومنا ويقرر لوحده من وراء ظهر الشعب ومؤسسات منظمة التحرير الائتلافية مصائر الارض والوطن والشعب, وليس في اطار الشرعية الدولية وتحت اشراف وادارة هيئة ائتلافية وطنية مشتركة ووفود ائتلافية لكل قنوات ومحاور المفاوضات. ان سياسة الخطوة خطوة كفر بها حتى مخترعها هنري كيسنجر الذي بدأ فيها بخطوة فك الاشتباك على الجبهتين المصرية والسورية بعد حرب اكتوبر 73 وقد مرّ عليها وعلى الانفراد الأمريكي بهذه السياسة اكثر من 26 عاما ولم يأت بالسلام الشامل المتوازن رغم لغط الادارة الامريكية عن (السلام الشامل والعادل) اي بما هو اعمق وأبعد من (المتوازن) كما مرّ الآن سبع سنوات على أوسلو وهذا حصاده الفقير, وعليه دعا كيسنجر اياه الى (انهاء سياسة الفترات الانتقالية ممثلة بسياسة الخطوة خطوة الأوسلوية والانتقال الى المفاوضات الشاملة), ودعوته خلاصة تجربة الادارة الامريكية على الجبهات المصرية والسورية وأخيراً لا آخر الفلسطينية. هذه اللعينة أوسلو اضف الى ذلك ان الحاق الاقتصاد الفلسطيني بالمتروبول الاسرائيلي قاد أيضاً الى سلسلة كوارث اقتصادية, وتطايرت كل محاولات زرع اوهام فردوس هونج كونج وسنغافورة التي اتخمت بها السلطة آذان الناس, ولا يمكن ان تحدث تنمية اقتصادية مادام اتفاق باريس الاقتصادي قائماً, وهذا ما دفع, مثلا, احمد قريع, أحد ثلاثة مهندسي اتفاق اوسلو, لأن يقول في المجلس المركزي في ابريل ,1999 أن (علينا أن ننتهي الآن وليس غدا من هذه اللعينة أوسلو, التي لا تفتح على حق تقرير المصير, واقامة دولة مستقلة, ولا تفتح على تنمية اقتصادية), مضيفاً انه صاحب اتفاق باريس الاقتصادي, (ومع ذلك يقول الان بضرورة الخلاص منه). وهذا ما لاحظه أيضاً صندوق النقد الدولي بالنسبة لمستوى المعيشة في الاراضي المحتلة, الذي انخفض بنسبة 40% عما كان عليه قبل أوسلو, وإذا أخذنا نسب البطالة نجد أنه تصل في غزة الى ما يتجاوز 50%, وفي الضفة 30 %, وفي الاغلاق العام ترتفع الى ارقام فلكية. وهذا ولد أزمة متفاقمة في العلاقة بين الطبقات والقطعات الاجتماعية الواسعة وبين السلطة نفسها وليس بيد السلطة حلول ضمن سياسة الخطوة خطوة. كما ان العلاقة السياسية بين السلطة والشعب مأزومة أيضاً, لان قدرتها على إقناع القطاعات الاوسع من شعبنا في الأرض المحتلة بالسياسة الأوسلوية أضعف مما كانت, حيث قدمت وعوداً عريضة في السنوات الأولى لأوسلو, منها أن الاتفاقية ستضع في نهاية مايو 1999 في يد الشعب الفلسطيني والسلطة 90% من مجموع مساحة الضفة وقطاع غزة. والآن الشعب يرى الخارطة كما هي, ويرى أن الأوهام التي تم البناء عليها انهارت, واصبحت الأرض الموجودة تحت صلاحية السلطة الفلسطينية مشطّرة بمربعات منفصلة عن بعضها, وكل مربع مطوق بقوات الاحتلال والاستيطان الذي لا يتوقف, وانهار أيضاً كل ما سمي بوحدة الولاية الجغرافية في الضفة والقطاع وهذه مسألة مرئية يوميا, ولهذا تجد الصراع الأكبر للشعب في الضفة الفلسطينية هو ضد نهب الارض, وهدم المنازل, والمستوطنات والتهويد والتطهير العرقي في القدس. وفي غزة الصراع الأكبر يتمحور حول قضية اللاجئين, لأن 72% من سكان قطاع غزة لاجئين. ويتقاطع مع هذا كله, الازمة مع المحتلين والاستيطان, والازمة الاقتصادية, مع الازمة السياسية والاجتماعية المتفاقمة الناجمة عن اساليب وطريقة السلطة في الحكم وتركيبه التوتاليتاري (الشمولي) وأذرعه الامنية والشرطوية التي بلغت حتى الان ثلاثة عشر جهازا تمد اخطبوطها في مسام المجتمع من كل زواياه وتبتلع اكثر من ثلث موازنة 2000. وهكذا تجد السلطة نفسها امام جدول اعمال آخر يفرض عليها ضرورة الانتهاء من المرحلة الانتقالية, التي كان حصادها فقيرا + تداعيات واشترطات كبرى, وتجد أن عليها أن تلجأ الى قرارات الشرعية الدولية, ومحاولة ادارة المفاوضات على أساسها. وهذا ما اعنية بمأزق السلطة. عربياً, نلاحظ أن اكثر من عاصمة عربية باتت ترى أن دورها امام شعبها, والاهم دورها الاقليمي, مرهون بنقل الحالة الفلسطينية الى صيغة تفاوضية جديدة تقوم على قرارات الشرعية الدولية. فمصر, مثلا, التي قدمت المظلة لسياسة الخطوة خطوة الأوسلوية, تجد الآن ان الاستمرار في هذه السياسة والاحجام عن الانتقال للمفاوضات الشاملة على اساس قرارات الشرعية الدولية ستقود الى كوارث أكبر, لأن المشروع التوسعي الاسرائيلي الصهيوني تجاه الضفة الفلسطينية التي تصر الدولة العبرية على أنها (يهودا والسامرة), أي مشروع ارض اسرائيل الكبرى, محسوم بالنسبة للقيادة الاسرائيلية اكبر مساحة من الضفة وكتل المستوطنات وضمها لاسرائيل كما القدس على الرغم من قرارات الامم المتحدة. مافيش حسنات فالآمال التي كانت معلقة على أوسلو انهارت, والسلطة الفلسطينية ادركت ان نهج اوسلو اوقعها في مأزق كبير من دون اعلان ذلك للشعب والعرب والعالم على الرغم من انها تفصح عن هذا في الغرف والحوارات المغلقة كما جرى في دورة المجلس المركزي لمنظمة التحرير ابريل 1999) وبتعبير رئيس السلطة الفلسطينية (اوسلو ما فيهاش حسنات.. كلها سيئات). وفي دورة فبراير 2000 يتكرر المشهد وباعلان عرفات امام المجلس (اذا كان لكم اعتراض على اوسلو فأنا لي مئة اعتراض عليه وكذلك الاخ ابو علاء (احمد قريع), بينما دافع ابو مازن محمود عباس في مداخلته عن اوسلو), لم يكن بالامكان ابدع مما كان), ومن هنا فانها تشعر الآن انها يجب ان تلجأ الى نهج أخر في التفاوض, بمعنى ان تتخلى عن سياسة الخطوة خطوة التي تم فرضها, وان تتمسك بما يسمي بالثواتب الفلسطينية: القدس, الاستيطان, اللاجئون, حق العودة, الخ. وفي الحال علي ان اسأل, من قبيل توضيح الامور, هل السلطة بكليتها لديها هذه الرؤية أو النظرة, لان المسألة ليست في ان تتفق السلطة الفلسطينية والمعارضة الفلسطينية على الثوابت الفلسطينية, وإنما المسألة هي ان هناك عملية تفاوضية مع الخصم, مع اسرائيل, تجري في اطار موازين قوى معينة ويدير المفاوضات من الجانب الفلسطيني اشخاص محددون بيدهم القرار, لا يتجاوزون اصابع اليد الواحدة وعبر قنوات سرية خلفية محددة ومحدودة وقنوات (الخط الساخن), لهم نفوذ كبير داخل السلطة, اما اعمال طاولة المفاوضات فهي تدور في حلقة مفرغة باعتراف المتفاوضين من الجانبين, ومن المهم ان نعرف ان كان طرأ تغير على نظرتهم للأمور ام مازالت نظرتهم كما هي؟ عندما بدأت هذه السلطة المفاوضات من اجل الحل السلمي, لا شك في انها كانت تتمنى لو انها تستطيع تحقيق المطالب الفلسطينية, لكن بحجة ان موازين القوى مختلة بشكل كبير لصالح اسرائيل واجتهادا منها أن سياسة الخطوة خطوة, التي فرضت عليها بمكوك سياسة بيكر وجولاته الثمانية قبل مدريد (بين فريق فتح في رام الله برئاسة فيصل الحسيني, وفريق تونس برئاسة ياسر عرفات وبدون قرار فلسطيني ومن وراء ظهر كل مؤسسات منظمة التحرير, ومن موقع بحث عدد نافذ من مركزية فتح للتقاطع مع سياسة الخطوة خطوة بعد حرب اكتوبر 73 وخطوة فك الاشتباك الاول على الجبهتين المصرية والسورية عام ,73 مشروع ريجان 1982 واتفاق عمان 1985), قد تقود الى انجازات حقيقية, اقدمت على تنازلات كثيرة, ربما كان اخطرها, تجاهل موضوع القدس ووقف الاستيطان, لانه يأكل الارض الفلسطينية. هناك آخرون لهم وزنهم وتأثيرهم في عملية اتخاذ القرار, ونعرف من بواطن الامور انه لم يطرأ أي تغير جذري على نظرتهم الاساسية للامور, ولا على نظرتهم لما يمكن الحصول عليه في هذه المرحلة من تاريخ الشعب الفلسطيني, وما لا يمكن الحصول عليه, وبعض مالا يمكن الحصول عليه بالتأكيد يمس الثوابت الفلسطينية. ما هي الضمانات التي نسعى ونجهد اليها في الحوار كي لا تتكرر التجربة السابقة, وكي لا يستمر مسلسل التنازلات بناء على نفس الحجة اياها ـ موازين القوى, التي يعرف الجميع انها لم تتغير؟ نكون حمقى اذا اعتقدنا أن اسرائيل سوف تقدم تنازلات فيما يتعلق بالثوابت الفلسطينية. اما ان يقدم عليها الطرف الفلسطيني أو لا يحدث حل.