لو أن هناك مغزى واحدا فقط استخلصه قادة الانتفاضة الفلسطينية المتصاعدة خلال الاسابيع الثلاثة الاخيرة منذ اندلاع الاشتباكات الدموية المتلاحقة مع قوة النيران الاسرائيلية فهو انه سقطت مرحلة لتبدأ مرحلة جديدة تماما.. سقطت مرحلة المناشدة التفاوضية مفسحة المجال لمرحلة القوة القتالية. ولذا صار لزاما على القيادة الفلسطينية استنباط توجهات سياسية جديدة داخليا وخارجيا مما تتطلبه هذه النقلة التاريخية. ان المعادلة المطروحة امام القيادة الفلسطينية بسيطة: رفض رئيس الحكومة الاسرائيلية في آخر جولة تفاوضية مع الجانب الفلسطيني قبل نحو شهرين قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية فيه من التعنت ما يكفي الفلسطينيين لاعتزال طريق التفاوض السلمي.. فما بالك أن المعارضة الاسرائيلية الرئيسية المتمثلة في تكتل الليكود والاحزاب الدينية تعتبر باراك (متساهلا) مع الفلسطينيين؟ ازاء هذا الاجماع الاسرائيلي العنيد الذي ينتظم كل ألوان الطيف تبقى عملية التفاوض السلمي بالنسبة الى الطرف الفلسطيني اليوم وغدا بلا اي معنى حتى لو نبذوا العنف وعادوا الى الخيار التفاوضي. خيار القوة إذن يفرض نفسه على الفلسطينيين لأن بدونه, وفي مواجهة, خصم غير مستعد لأي تنازل, سوف تبقى الارض المحتلة محتلة. والآن وقد اتخذت القيادات الشعبية الفلسطينية خيار المواجهة العنيفة كاستراتيجية جديدة فيما يبدو فإن هذا التحول التاريخي في المسار النضالي الفلسطيني يتطلب مراجعة شاملة لتوجهات السياسات المعتمدة داخليا وخارجيا.. وبالتالي تبنى توجهات جديدة تتلاءم وتتكامل مع خيار المواجهة الميدانية على الارض. اول هذه التوجهات هو التحرر من الاعتماد المنهجي على النظام الرسمي العربي. فغالبية الحكومات العربية تتعامل تقليديا مع القضية الفلسطينية بحسابات علاقات هذه الحكومات مع الولايات المتحدة او اسرائيل أو كليهما مما يجعلها على الدوام حريصة على كبح التحرك الوطني الفلسطيني بحيث لا يحدث ما يمكن ان يغضب واشنطن.. وبالتالي يغضب اسرائيل. لكن لن يكون ممكنا تحقيق تحرر فلسطين من النظام الرسمي العربي ما لم يسبقه اولا تغيير جذري وشامل في هيكل السلطة الوطنية الفلسطينية. ان المطلوب في هذا السياق بإيجاز هو ان يتحول جهاز السلطة الفلسطينية الى مرآة لتركيبة القيادة الشعبية للانتفاضة على صعيد الشارع. مطلوب اذن تشكيل وزاري جديد يضم ممثلين لكافة القوى الفلسطينية الفاعلة دون استثناء بما في ذلك (حماس) و(الجهاد). ومطلوب ايضا ان يمتد هذا التغيير الجذري والشامل الى الهيكل القيادي لاجهزة الامن الفلسطينية بذلك.. وبذلك وحده.. يصبح من الممكن خلق تناغم صحي بين انتفاضة الشارع ومؤسسة السلطة. مثل هذا التغيير الهيكلي سوف ينعكس حتما على توجهات السياسة الخارجية الفلسطينية ليبرز توجها رئيسيا جديدا قوامه ابعاد الولايات المتحدة او على الاقل تحجيم دورها كقوة خارجية متحيزة الى العدو بقناع وسيط. ولاستكمال هذا التوجه الرئيسي تنقل قضية الصراع العربي الاسرائيلي الى الأمم المتحدة حيث يمكن ان تواجه القوة الامريكية الدبلوماسية بقوى مناوئة في اطار صراع المصالح الدولية. ويبقى سؤال: هل يتقبل عرفات هذا التحول السياسي الثوري؟