السؤال بعد قمة شرم الشيخ الاخيرة ماذا سيكون دور القمة العربية في القاهرة؟! هل ستبارك شرم الشيخ وتعتبرها فتحا مبينا, أم تراها تتمسك بسقوفها الخاصة التي بدا منها, حسب ما تم تسريبه من مسودة بيانها الختامي, أنها إلزام الكيان الصهيوني باحترام (مبدأ مبادلة الارض بالسلام؟!), وهو مبدأ يعطي السلام والارض للكيان الصهيوني ولا يحقق للعرب شيئا مما كان اساس نضالهم منذ نصف قرن ونيف. يداخلني شك في ان ما كنا نخشاه من قمة شرم الشيخ قد تحقق, فشروط باراك ان تقوم سلطة عرفات بوقف ما يسميه (وقف اطلاق النار) وكأن السلطة تملك وسائل اطلاق نار وجبهة نارية ينبغي ان تتوقف عن العمل, وأن يتم القبض على عناصر حماس والجهاد الاسلامي الذين اطلق سراحهم منذ ايام ويعادوا الى السجون, وأن يستأنف التنسيق الامني برعاية وكالة المخابرات الامريكية وتوجيهها بين الجهات الصهيونية وشرطة السلطة الفلسطينية!! أي عودة كل شيء الى ما كان عليه قبل انتفاضة الاقصى المبارك, واخماد نارها, والمقايضة على شهدائها بإمكان العودة الى مفاوضات كامب ديفيد الثانية وما نتج عنها وبني عليها. ونحن ندرك بؤس كامب ديفيد الثانية ونعرف انها لم تبق من القدس لمن يتعلق بالقدس من العرب: مسلمين ومسيحيين, وللمسلمين كافة, إلا فضاء محاصرا حول المساجد والكنائس, يشرف عليه الصهاينة من جدار البراق, ومسكونة ارضه في العمق بالدهاليز والكنس والقوات الصهيونية, وبكل ما يدبر لزلزلة المسجد الاقصى وقبة الصخرة في يوم من الايام. ان الاتفاق, الذي نظر اليه البعض على انه انجاز كبير لانه اوقف العنف او يمكن ان يوقفه, سوف يسعى على قدمين قويتين في اروقة القمة القاهرية لكي تعتبره سقفا لها, ونتوقع ان يحدث ذلك شرخا جديدا في كل ما طالبت الجماهير العربية بإقامته من لحمة بين الانظمة العربية لكي يكون لها من بعد موقف ورأي وقرار فيما يتعلق بدعم الانتفاضة ماديا ومعنويا, جعلها تستمر, والتفكير بالمقاومة بديل لكل الاتفاقيات منذ كامب ديفيد الاولى حتى وادي عربة, ولكل مسارات التفاوض التي لن تسفر الا عن بؤس اشد وخيبات اكثر. ان الطريق التي اختطها المناضلون الفلسطينيون في ارض فلسطين كلها انطلاقا من انتفاضة الاقصى المبارك مهددة بالاغلاق, وكل مقاوم مهدد بالملاحقة, اذا ما باركت قمة القاهرة نتائج قمة شرم الشيخ, ولا اظن الا انها ستفعل ذلك. اما اذا لم تفعل, فلا اظن انها ستتبنى بدائل منها المقاومة ودعم الانتفاضة, بل ستصاب بشروخ تعيد العرب الى حالة من التدابر والتقاتل, فنكون قد خسرنا الانتفاضة والامل بمصالحة عربية ــ عربية على أرضية مبدئية نضالية قومية ذات افق وأمل واسعين. واذا كان هذا ما قد ينتظرنا وننتظره خلال الاسبوع الراهن في القاهر, فهل الى تغييره من سبيل؟! انني ارد السؤال الى وقائع الاحداث والاوضاع الجديدة التي فرضت على الملوك والرؤساء العرب ان يعقدوا قمة عاجلة في شهر اكتوبر 2000 لموضوع عاجل هو ما يجري في فلسطين, وهي وقائع وأوضاع تشير الى ان الصحوة الجماهيرية العربية لن تتوقف, ولن تقبل بعد اليوم بقرارت ومواقف رسمية عربية مما بدا ان القمة تتجه اليه. كما انها تشير الى ان الانظمة العربية لن تبقى بمأمن من غضب الجماهير ان هي تنكرت لمطالبها, وأصمت السمع عن صوتها المدوي من مشرق الوطن العربي الى مغربه. وهذا يجعلنا امام احتمالات مقبلة في ضوء ما ستسفر عنه القمة العربية في القاهرة من مواقف وقرارات. فإذا كانت النتائج والقرارات مع الانتفاضة والمقاومة وحماية الشعب الفلسطيني والمقدسات الاسلامية والمسيحية والاستجابة للغضب العربي العارم, الذي يجتاح العواصم العربية, فإنها لحظة ولادة لحالة مضادة لكل ما يعج به التوجه الرسمي العربي, وما يفرضه (المعلم) الامريكي على بعض العرب, وما يبدو انه الاتجاه العام السائد رسميا: عربيا ودوليا, ولحظة ولادة حالة مثل هذه ليست سهلة على الاطلاق وربما غير محتملة على الاطلاق. اما اذا كانت النتائج تصب في دائرة مباركة قمة شرم الشيخ وما نتج عنها, والاستمرار في منحى التوجهات والمسارات السائدة منذ مؤتمر مدريد وحتى الآن, فإن الاحتمالات القائمة عربيا تتجلى في: 1ــ تصاعد حدة الغضب الجماهيري في بعض الاقطار العربية, ومن ثم ابتداء مرحلة مواجهة, ولو في حدود تلك البلدان, او تتصيد في مائها, ان لم تكن معارضة مرتبطة اصلا باختيارات مبدئية لموضوع التحرير ونوع المواجهة مع العدو الصهيوني. 2ــ تصاعد عمليات المقاومة النوعية ضد العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة وخارجها, مع تصاعد عمليات القمع والملاحقة للتنظيمات التي تقوم بالمقاومة لا سيما حماس والجهاد الاسلامي وحزب الله, وعودة نغمة (الارهاب) ومقاومته وملاحقة عناصره, وتجفيف مصادر تغذيته وينابيع تفجره. 3ــ عودة القوة لنغمة الحصار الجزئي المباشر او غير المباشر, لأقطار عربية واسلامية تتهم بإيواء (الارهابيين) ودعمهم وتأييدهم, ومن ثم اعادة تصعيد التهديد المعادي, وخلق بؤر توتر جديدة او احياء بؤر توتر خامدة او ساكنة تحت الرماد. 4ــ تصاعد نغمة التشدد في الكيان الصهيوني ضد سوريا ولبنان وايران, وضد المنظمات الفلسطينية المعارضة لأوسلو, وضد حزب الله. 5ــ تنامي حدة العجرفة والغطرسة الصهيونيتين وانتشارهما ابتداء من رجال الدين امثال عوباديا يوسيف ومن هم على شاكلته ــ وكلهم على شاكلته ــ وانتهاء بإرهابيين سياسيين من اقصى اليسار الى اقصى اليمين في الكيان الصهيوني. وكلهم في نهاية المطاف, مهما كانت انتماءاتهم الفكرية والتنظيمية, عندما يتعلق الامر بحق الفلسطينيين والعرب في ارضهم ومقدساتهم وتقرير مصيرهم, كلهم من عتاة المحتلين العنصريين التوسعيين, الذين ينبتون في كبد الحقد الصهيوني ويغذونه. 6ــ عودة فريق الغربان الثقافية, في اوساط عربية, لإلقاء اناشيد (السلام) الصهيوــ أمريكية على مسامع العالم, ضمن جوقات التطبيع من غرناطة الى جماعات السلام الآن, مرورا بكوبنهاجن ومؤسسيها الميامين من مسئولي الموساد والـ ء.ة. والمتعاونين معهم. 7ــ عودة الحياة الى سماسرة التطبيع, وعناصر احداث الاختراقات الثقافية والسياسية والتجارية والسياحية في كل مجال.. اولئك الذين ماتوا او كادوا يموتون, خلال الاسبوعين الماضيين من انتفاضة شعبنا الفلسطيني في الاقصى وهبة الجماهير العربية في كل مكان. ومناخ هذه الاحتمالات جميعا يخلق فضاء ليس جديدا, انه يعيدنا الى فضاء يتجدد هو الانطلاق من المبدئي في ادارة الصراع مع العدو الصهيوني, والاستناد الى الحقائق الثابتة, والاستفادة من الدروس المستقاة من كل ما مضى, وهي كلها تشير الى ان الصراع هو صراع وجود وليس نزاعا على حدود بيننا وبين الصهاينة المحتلين لوطننا أيا كان انتماؤهم التنظيمي, واعتقادهم المذهبي. وان هذا الصراع لا تحسمه الا القوة, وأن كل الاوهام التي تدور في فلك اقامة تعايش من اي نوع بين الضحية والجلاد, بين المحتل والمقهور في ارضه او المشرد من ارضه بسبب الاحتلال, غير ممكن على الاطلاق, وأنه لا يمكن ان يقوم سلام او استقرار من اي نوع في المنطقة مع وجود سيادة صهيونية في فلسطين او اي ارض عربية محتلة, ووجود شعب عربي خارج ارضه او تحت نير الاحتلال. ان الحقائق الصارخة الممتزجة بالدم العربي الطري, دم الاطفال والابرياء العزل المجبول بتراب فلسطين, تشير بوضوح وبما لا يقبل الشك او التشكيك, الى ان المشروع الاستيطاني الصهيوني مناقض تماما ومضاد كليا لأي مشروع نهضوي او تضامني او حدودي عربي, فكل قوة يلمسها العدو في الصف العربي, سواء أكانت ناتجة عن التضامن ام التكتل الاقتصادي, ام الاتحاد, ام التقدم نحو شعارات الوحدة, سوف يعاديها ويضربها ويستنفر حلفاءه لضربها, بوصفها قوة تهدده او تضعه في مواجهة تهديد محتمل, لأنها سوف تقود العرب الى القوة ومن ثم الى حلم التحرير. وعلى ذلك فإن المواجهة مستمرة بين المشروعين والحلمين والوجودين. ولا يوجد سلام عادل, وسلام غير عادل بين قوة محتلة وشعب يقاوم الاحتلال: فإما حرية وتحرير ينيران القلوب بنور البصيرة والارض بعدل الحق, وإما ظلام استعمار واحتلال يستوجب اشعال شموع الشهادة بالمقاومة لإنارة طريق الشعب الى الحرية والكرامة والوجود الآمن. لا يوجد سلام شامل مع العدو الصهيوني المحتل ذي المشروع الاستعماري الذي ينفذه على مراحل, ويريد ان يتوج هذه المرحلة من مراحله بالاعتراف به عربيا وتطبيع العلاقات معه. لأن عودة الجولان كاملا ومزارع شبعا, وحتى عودة العدو الى الحدود التي يقررها القرار 242 في فلسطين ذاتها والقدس, لا يعني انتهاء الاحتلال للأرض وانتهاء التهديد للأمة العربية ولأقطارها ونهضتها. كما انه من جهة اخرى لا يعني بالنسبة للعدو الصهيوني ومتطرفيه وحلفائه من الامريكيين المتصهينين تحديدا, انكسار الحلم الصهيوني التوسعي نهائيا والانتهاء من مشروع: (من النيل الى الفرات). ربما يتوقف مد الموجة الصهيونية الاستيطانية ــ التوسعية على الجغرافية مؤقتا, ولكنه سينتقل الى امتداد في مجالات الهيمنة والنفوذ: اقتصاديا وأمنيا وسياسيا, تمهيدا لمرحلة توسع جغرافي لاحقة, او لمرحلة جعل كتل اللحم البشري العربي المتناثرة بشرا, في خدمة المستثمر والمستوطن والمستعمر والمرابي والصناعي والاقتصادي الصهيوني ــ او الغربي. ومن ثم يبقى الامر في دائرة الصراع بين حركة استعمار وحركة تحرير وتحرر من الاستعمار سواء اكان الاستعمار مباشرا ام غير مباشر, ويبقى الامر في دائرة صراع ايضا بين ظلم وقهر واستغلال وهيمنة من جهة ومحاولة تصدي لكل اشكال الظلم والاستغلال والقهر والتبعية والسيطرة من جهة اخرى. ان الصراع بين الصهيونية والعروبة سوف يستمر, ولن تحسمه الا القوة, ولن يكون على المدى البعيد الا محسوما لمصلحة الامة العربية. وكل اطالة لأمد الوجود الصهيوني آمنا مستقرا يبنى في ظل الاعتراف والسلام والاستقرار هو اطالة لأمد المعاناة العربية واعاقة للصحوة والنهضة, وتأخير لبدء المعركة التي لابد ان تقوم من اجل التحرير الشامل في يوم من الايام. الزمن قد يكون في صالحنا من جوانب, ولكنه في صالح العدو من جوانب اخرى. واذا كان لابد من اخذ الوقت اللازم لاعادة ترتيب البيت العربي بما يحقق توجها نحو مشروع عربي متماسك, فإن الوقت اللازم لذلك, في ظل التراخي والاتكال والتسليم بوجود سلام, وفي ظل الاستناد الى مرجعية مدريد التي تنافسها او تلغيها مرجعية اوسلو, والسعي الى سلام عادل ودائم وشامل تمزقه الصواريخ الاسرائيلية عندما تريد والسعي الى مبادلة الارض بالسلام.. كل ذلك لن يقرب وقت الخطو على طريق التحرير وامتلاك القوة اللازمة له , بل يبعده ويسوغ دعاوى الرافضين لذلك الاختيار كليا. ان صحوة عارمة كتلك التي اكتسحت الشارع العربي منذ انتفاضة الاقصى المبارك حتى اليوم هي التي تجعل الرسميين العرب قبل سواهم يسارعون الى ترتيب البيت العربي, او يستشعرون الحاجة الى ترتيبه بما يؤهله لامتلاك احتياجات الدفاع عن البشر والارض والمقدسات والحقوق والمبادىء والحريات, وبما يؤهله لامتلاك كل القوى والادوات والاسلحة التي تمكن من ذلك. ان الجماهير العربية مطالبة باستمرار الضغط باتجاه الصحوة واستمرار الانتفاضة, وانتفاضة المقاومة.وان المثقفين العرب الذين يؤثرون في تحريك الجماهير مطالبون قبل سواهم بحسم اختياراتهم من جهة, وبالقيام بعمل منظم ومستمر لدفع الجماهير والانظمة نحو حركة التغيير باتجاه امتلاك مقومات القوة علميا ومعرفيا وتقنيا وعمليا, لصنع التحرير. فهل نعجز عن ذلك ونرى في خطاب شرم الشيخ ونتائجه, وفي استناد القمة العربية المنتظرة الى ذلك الخطاب, نهاية لكابوس!؟ أم نرى في ذلك بداية لاشراق حلم وامل نعمل من اجلهما ونجسدهما في كل مجالات الاداء؟! انه سؤال يلقيه الدم على ضمائرنا قبل ان يلقيه علينا الواقع او العقل او قوة دفع من نوع ما. انه السؤال الذي ينبغي ان نواجهه ونضع الخطط لاستمرار العمل في الاتجاه الذي تقودنا اليه اجوبة شافية عليه لكي نتخلص من الانفعالات الآنية ونعد برنامجا مستمرا وواضحا في كل الظروف ونعمل عليه فلا نكون مجرد نهب للانفعالات والافتعالات واصوات تخرجها الازمات والمناسبات من صمتها ثم يعيدها هدوء تلك الازمات ومضي تلك المناسبات الى كهوف مظلمة والى حالة من الركود والجمود حتى لا نقول الاسى والموت. فهل نحن فاعلون بما تلقيه الاحداث على ضمائرنا من اثقال وبما يليق بدورنا التاريخي ومسئوليتنا التاريخية؟! رئيس اتحاد الادباء والكتاب العرب