بانعقاد القمة العربية الطارئة, تكتمل دائرة المشهد الراهن في الشرق الاوسط, الذي بدأ بقمة كامب ديفيد الثانية, وينتهي بالقمة العربية الطارئة, وبذلك اصبحنا امام قمتين تفصل بينهما قمتان ــ هما قمة باريس بين عرفات وباراك, وقمة شرم الشيخ ــ تنطبق عليها جميعا التسمية المتحذلقة التي اطلقها المجمع اللغوي على (الساندويتش) وهي شاطر ومشطور وبينهما طازج, أو امريكا واسرائيل وبينهما امة العرب!ولا احد يستطيع ان يستبعد أمريكا واسرائيل من اي مشهد من مشاهد الشرق الاوسط, فهما لاعبان رئيسيان, وأحيانا وحيدين في هذا المشهد, ولا أحد يستطيع ان ينكر حقيقة ان العرب محصورون بين المطرقة الاسرائيلية والسندان الامريكي, او ان يتصرف بعيدا عن هذه الحقيقة, فتلك هي طبيعة الوضع السياسي الراهن, وطبيعة خريطة القوى التي ساهمت في صنعها عوامل كثيرة, بعضها من صنع الامريكان وبعضها من صنع الاسرائيليين, وبعضها من أثر سقوط ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي وتوابعه, ومعظمها من صنع العرب انفسهم, مما لا داعي للتذكير به, لأنه المعروف الذي لا يعرف والمعلوم الذي لا يعلم, فضلا عن ان الله امر بالستر, اما المهم, فهو ان العرب اصبحوا ذلك الطازج الذي يستكين بين الشاطر والمشطور. انطلاقا من تلك الحقيقة, كان لابد وأن يفرز المشهد الراهن في الموقف العربي, (لعبة القمم) التي بدأت بـ (قمة كامب ديفيد الثانية) بين (كلينتون) و(باراك) و(عرفات) بهدف التوصل الى تسوية نهائية بين الاسرائيليين والفلسطينيين في اطار اتفاقيات اوسلو, وكان طبيعيا ان تنتهي القمة بالفشل, لأن هذه الاتفاقيات وقعت منذ البداية استنادا الى صيغ مراوغة, وغير محددة, اتاحت لكل طرف ان يفسرها كما يشاء, ومنها مثلا استخدام مصطلح (الاراضي المتنازع عليها) للاشارة الى الضفة الغربية وقطاع غزة, بدلا من (الاراضي المحتلة) وهو ما اعتبره الاسرائيليون قبولا من الفلسطينيين لتفسيرهم الشهير للقرار 242 الذي ينص ــ حسب هذا التفسير ــ على الانسحاب من (أراض) احتلت في عدوان ,1967 وليس من (الاراضي) التي احتلت في هذا العدوان, واقرارا من عرفات على ان لهم حقا في هذه الاراضي المتنازع عليها سوف تحدده المفاوضات, بينما اصر الطرف الفلسطيني على ان الاراضي المتنازع عليها هي نفسها الاراضي المحتلة, وأن على اسرائيل ان تجلو عنها جميعا طبقا لنص القرار 242. وكان لابد وأن يأتي ــ بعد سبع سنوات من توقيع اتفاقيات اوسلو ــ الوقت الذي تتصادم فيه هذه التفسيرات, التي ظلت معلقة في انتظار ــ المرحلة النهائية من المفاوضات, التي انيط بها فض هذا الاشتباك, وهو ما حدث بالفعل: اختلف الطرفان حول السيادة على القدس, وحول حق العودة, وحول المستوطنات, واثبت عرفات ــ لخصومه قبل حلفائه ــ انه كان صادقا حين اعلن مئات المرات انه لن يتخلى عن حقه في كل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام ,1967 وعن اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. لكن عرفات كان قد فقد خلال تلك السنوات, جانبا كبيرا من قوته التفاوضية, فقد ادركت اسرائيل, منذ عرض (نتانياهو) ان اتفاقيات اوسلو لو طبقت كما هي سوف تنتهي بأن يذهب عرفات الى مفاوضات الحل النهائي وهو يسيطر على 90% من ارض الضفة والقطاع, مما يعطيه أوراق قوة تفاوضية, وستدفعه بالقطع الى التشدد, فسعت الى تعديلها باتفاقيات تكميلية ادت في النهاية الى اضعاف هذا الموقف, والهبوط بالقوة التفاوضية للفلسطينيين الى الحد الادنى. وربما كانت افدح اخطاء المفاوض الفلسطيني, هو انه قبل فكرة دمج المراحل وحرق الجانب الاكبر من المرحلة الثانية من مراحل اوسلو, ودمجها او تأجيلها ــ الى المرحلة النهائية, وهي فكرة كان اول من طرحها هو (نتانياهو) وتبناها بعده (باراك), وكان من نتيجتها ان ذهب (عرفات) الى كامب ديفيد الثانية, لكي يتفاوض على المرحلتين معا, وهو لا يملك من اوراق القوة سوى اقل من نصف ما كان يفترض ان يكون تحت سيطرته من ارض محاطا بطرق التفافية تجعلها جميعا تحت مرمى النيران الاسرائيلية وتتيح لقوات الاحتلال ان تحاصرها من دون حاجة الى مواجهة مباشرة بين جيش الاحتلال وبين الشعب الفلسطيني. وكانت زيارة شارون للحرم القدسي في حراسة الجيش الاسرائيلي هي اول تعليق من اليمين الصهيوني على اصرار عرفات ــ في مفاوضات كامب ديفيد الثانية ــ على عدم التنازل عن السيادة الكاملة عليها. وقد أراد منها ان يؤكد لانصاره تمسك اسرائيل بهذه السيادة, ولم تكن مظاهرات الفلسطينيين احتجاجا على الزيارة, وما تبع ذلك من اشتباكات بينهم وبين المستوطنين وقوات الجيش الاسرائيلي, فيما بات يعرف الآن بانتفاضة الاقصى, سوى تعليق مضاد. باختصار ــ انعقدت المفاوضات من منتجع (كامب ديفيد) الى الشارع الفلسطيني ثم الشارع العربي والاسلامي, وبدلا من تبادل المناقشات استنادا الى بنود الاتفاقيات ونصوص قرارات مجلس الامن, ومواد ميثاق الامم المتحدة, تبادلا المناقشات بالطوب والحجارة وزجاجات المولوتوف والرصاص المطاطي والرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع. وارتفعت الهتافات بالحياة والسقوط, وعادت اللاءات العربية التي صكت في مؤتمر القمة العربي في الخرطوم في اعقاب هزيمة 1967. لا صلح لا اعتراف لا تفاوض, للبروز من جديد بعد ان كانت قد دفنت في مؤتمر فاس عام 1982. وكان محكما ان تنعقد قمة باريس بين (باراك) و(عرفات) بحضور (أولبرايت) وبمباركة (شيراك) لمحاولة دفع الاطراف للتفاوض في اي منتجع, ففي المنتجعات, يسهل التوصل ــ عادة ــ الى اتفاق, وحتى اذا تعسر او تعثر, فإن جولة اخرى من المفاوضات المنتجعة, كفيلة بالتوصل الى حلول عبقرية من نوع تقسيم السيادة على الاماكن المقدسة الى سيادة فوق الارض, وسيادة تحت الارض, وسيادة بين تلافيف السحاب وسيادة قرب عين الشمس, اما التفاوض في الشارع, فلن تكون له نتيجة سوى انهاء اللعبة التفاوضية, من كامب ديفيد واحد الى كامب ديفيد ,2 ومن (أوسلو واحد) الى اوسلو اثنين, ليعود العرب الى لاءاتهم الشهيرة, ويعود الاسرائيليون الى احتلال الاراضي العربية, لينتشر التوتر في المنطقة وتنطلق قوى التطرف الديني والقومي لتبرطع فيها, وهو خطر داهم يحرص الجميع بما في ذلك النظم العربية, على توقيعه. وجاء اصرار (عرفات) في قمة باريس على ضرورة تشكيل لجنة دولية تحدد المسئولية عن بدء وتواصل اعمال العنف, ليكون بمثابة تمرد فلسطيني رسمي على صيغة اوسلو وعلى معادلة الشاطر ــ الذي هو كلينتون ــ والمشطور ــ الذي هو تابعه باراك ــ وبينهما طازج الذي هو عرفات, اذ لم يكن للاقتراح معنى, الا انه خطوة في طريق قد ينتهي بتدويل المفاوضات, اي بافتقادها من رعاية سيدنا الذي في البيت الابيض, والكومبارس الروسي الذي يشاركه ــ نظريا ــ هذه الرعاية, الى الامم المتحدة, او الى رعاية تضم فرقاء اخرين, قد تكون من بينهم المجموعة الاوروبية واليابان والصين, وهو ما يعيد القضية برمتها, الى ما كانت عليه في عام ,1977 قبل ان يقوم الرئيس الراحل انور السادات بزيارته الى القدس المحتلة. وكان منطقيا ان يرفض (باراك) اي كلام حول تدويل المفاوضات, وان ترفضه كذلك اولبرايت, وان يصر الطرفان على ان يتم التحقيق عبر اللجنة الامنية التي يرأسها ممثل للمخابرات الامريكية وتضم ممثلا للأمن الفلسطيني والامن الاسرائيلي, والتي اتفق على تشكيلها في مفاوضات (واي ريفر), اذ كان معنى قبول الاسرائيليين بالاقتراح, هو ان (عرفات) قد ضحك عليهم, وانه حصل من خلال توقيعه على اتفاقيات اوسلو, على ما حصل عليه من ارض فلما نازعوه فيما تبقى منها, قرر ان يحتفظ بما حصل عليه ويحاول استرداد الباقي من خلال التفاوض تحت مظلة دولية, لا تلتزم بما الزمت به الادارة الامريكية نفسها منذ العام 1974 وهو الا تقبل الا ما يوافق عليه الاسرائيليون. في تلك الاثناء دخلت الدعوة الاولى لقمة شرم الشيخ, والدعوة الاولى للقمة العربية في وقت واحد الى ساحة المواجهة, جاءت الدعوة لقمة شرم الشيخ من الرئيس الامريكي كمحاولة لانجاح قمة باريس الذي كان واضحا انها فشلت, وبعد ان ازعجه استمرار المفاوضات في الشارع, فتأكد انه لن يغادر البيت الابيض وهو يحيط جبهته بأكليل غار من اغصان الزيتون, ولكنه سيغادره وقد انهارت عملية السلام, فلا يجد ما يحيط به جبهته سوى قطعة من ذيل فستان مونيكا الازرق.. لكنها اصطدمت باصرار عرفات على مطلبه بتشكيل لجنة التحقيق الدولية, ورفع الحصار عن اراضي السلطة الوطنية الفلسطينية وباصرار باراك على ان يفاوض في الشارع, وبالمجنزرات والدبابات وطائرات الاباتشي, والتهديد بدعوة شارون لكي يشترك معه في الحكم وبذلك يقبل العرب ما تكرم عليهم به, مما يسمونه (تنازلات) انطلاقا من قاعدة (نار باراك ولا جنة نتانياهو وخليفته)! وهكذا فشلت الدعوة الاولى الى قمة شرم الشيخ وانعقدت من دون ان يشهدها باراك فكان طبيعيا الا تسفر عن شيء! وجاءت الدعوة الاولى لعقد القمة العربية من الرئيسين مبارك والاسد, وكان واضحا انها ورقة ضغط في المواجهة فمنذ عام 1967 واسرائيل تصر على ان تكون المفاوضات بينها وبين العرب, مفاوضات مباشرة وثنائية مع كل طرف عربي على حدة, وقد بدأت مسيرة التسوية الراهنة في مؤتمر مدريد, وفي اعقاب التشرذم العربي الذي ترتب على كارثة ام المعارك وعاصفة الصحراء, بل وكان هذا التشرذم احد مبررات السير في هذه التسوية كما كان احد اهم دوافع عقد اتفاقيات اوسلو وتوابعها, بحيث استقر في ذهن الامريكيين والاسرائيليين, ان اي تفكير في عقد قمة عربية تتناول هذه التسوية, هو بمثابة تدخل في الشئون الداخلية لها, لا يجوز لهم التطرق اليه.. وقبل بعض العرب, لاسباب تخص علاقاتهم المتدهورة بغيرهم من العرب, او تتعلق بحرص بعضهم الآخر على عدم اغضاب سيدنا الذي في البيت الابيض, هذا المنطق, وتصرفوا على اساسه, بحيث اصبح ثابتا ان القمة العربية من الاسلحة المحظور استخدامها في التأثير على المفاوضات! من هنا جاءت الدعوة لعقد القمة العربية, مناورة في اطار لعبة القمم كان واضحا ان الهدف من الاعلان عنها, هو استخدامها كفزاعة للضغط على باراك, الذي كان لا يزال يفاوض عرفات في باريس, وللضغط على الرئيس الامريكي لكي يضغط عليه, حتى يستجيب لمطالب عرفات, وبهذا تحدد موعدها في يناير من العام المقبل أما وقد رفض باراك هذه المطالب بل ورفض ان يستجيب للدعوة الاولى لقمة شرم الشيخ فقد تكرر تفعيل سلاح القمة وتقديم موعدها الى الموعد الذي انعقدت فيه بالفعل. في تلك الاثناء كان باراك مشغولا بإنهاء قضية التفاوض في الشارع باحكام الحصار حول المدن الفلسطينية وتكثيف استخدام الاسلحة في مواجهة الاستبسال الفلسطيني وحرمان جمهورية عرفات من الكهرباء والماء والغذاء والدواء وهو ما دفع (عرفات) لان يطلب من الرئيس (مبارك) تجديد الدعوة لعقد قمة (شرم الشيخ) ودفع الجميع للتحمس لحضورها بعد ان اتسع الغضب في الشارع العربي والاسلامي الى ذروته, وبعد ان نجح حزب الله في اسر ثلاثة جنود اسرائيليين وأحد ضباط المخابرات الاسرائيلية, وتجددت عمليات العنف ضد الاهداف العسكرية الامريكية في منطقة الخليج بالعملية التي تمت ضد الباخرة النووية الامريكية في ميناء عدن. من التبسيط المخل اذن ان ينظر احد الى لعبة القمم باعتبار كل قمة منفصلة عن سابقاتها او لاحقاتها ومن التبسيط المخل كذلك, ان نربط بينها ربطا تعسفيا أو ان نستخلص من تتابعها نتائج غير حقيقية, تستند الى اوهام او اماني . فالذين يقولون ان الهدف من قمة شرم الشيخ كان اجهاض نتائج اجتماع القمة العربية, وانه نجح في ذلك, يتجاهلون حقيقة انها انعقدت بطلب من عرفات, وبهدف وقف عمليات قصف متواصلة يتعرض لها شعبه, ووقف تصاعد الخسائر البشرية في صفوف الشعب الفلسطيني, وفي سياق تهديد باراك بأن يقوض الاركان المادية لوجود السلطة الوطنية الفلسطينية. والحقيقة ان هؤلاء انطلقوا من اوهام كانوا يعلقونها على القمة العربية, فحتى لو لم تنعقد قمة شرم الشيخ, لنصل الى ما يمكن اعتباره (هدنة) بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال, فما الذي كان يتوقعه هؤلاء لو ان القمة انعقدت والدماء تسيل والقذائف تتوالى والحصار مستمر؟. هل كان ذلك سيدفع القمة العربية لاعلان الحرب على اسرائيل؟ او لاتخاذ قرار بان تدخل قواتها المسلحة ارض فلسطين لتحريرها من العصابات الصهيونية؟. لو ان شيئا من ذلك كان واردا, فما الذي حال بين اصحابه وبين اتخاذ قرار بشأنه من دون حاجة الى قمة.. هل هناك شيء يحول بين دول عربية, اقامت علاقات تجارية وسياسية مع اسرائيل دون ان تلزمها بذلك اية اتفاقيات او معاهدات, وبين وقف هذه العلاقات كما فعلت (عُمان) على سبيل المثال, وهل ان شيئا من ذلك يتطلب قمة لكي تقرره وهو في يد الدول صاحبة العلاقة التي طبعت العلاقات مع اسرائيل من دون ان تأخذ ثمنا لذلك, او تأخذه الاطراف العربية الاخرى, كان باستطاعتها لو انها رغبت في ذلك ان تبادر بقطع العلاقات. وهل ان الذين يعجزون عن اتخاذ قرار بقطع علاقات لا يوجد ما يلزمهم بالحفاظ عليها, خاصة وانهم اقبلوا عليها بدعوى تشجيع اسرائيل على السير بخطى حثيثه في مسيرة السلام, وهو ما ثبت انه غير صحيح, يمكن ان يتوقع منهم ان يعلنوا الحرب على اسرائيل؟! وليس معنى هذا بالطبع ان لعبة القمم, كانت منفصلة تماما عن بعضها البعض, فهي جزء من مشهد واحد تتالى تفاصيله. والشيء المؤكد هو ان كل هذه القمم قد استهدفت شيئا واحدا, هو اعادة نقل المفاوضات من الشوارع الى المنتجعات, ومحاولة انقاذ مسيرة السلام من ان تصل الى طريق مسدود, وكان ذلك هو الكابوس الذي انعقدت في ظله كل تلك القمم, والذي شكل ضغطا على كل اطرافها, بما في ذلك الاطراف العربية, التي شاركت فيها, منذ قمة كامب ديفيد الثانية الى القمة العربية الشاملة, فكان دافعا لاجتماعها وسببا في فشل بعضها, وعاملا مؤثرا في قراراتها جميعا! والشوارع لا تصلح للمفاوضات, ان القمم وحدها هي المؤهلة لذلك, والمهم, هو ان تظل الشوارع حاضرة تلقي بظلها دائما على كل الجالسين حول موائد القمة, حتى تضمن الا يختل الميزان في ايديهم.. فيفرطوا في الحقوق او يتنازلوا عنها! وذلك هو الاستخلاص المهم في المشهد العربي الراهن, الذي هو بداية سيناريو لا يستطيع أحد ان يتكهن بنهايته!