بالأمس حلمت به, صافحني وجهه الوضاء وبراءة الطفولة في عينيه, ورياح الجنة تسبقه, وحكمة الشيب والكهولة في صوته الغض, وكأنه أحد جنود صلاح الدين, وتضاءلت أمامه, وتلفحت بالخجل, فضلاً عن العجز والشعور بالخيبة, وتساءلت ماذا فعلنا نحن أمام مشهده البطولي وهو يتلقى رصاصات الغدر الصهيوني بجسارة, جعلته يغالب ألمه ويدوس على حلمه الطفولي, ويخلع ثوب عمره الصغير, ويقضي لحظات حياته الأخيرة, يضمد جراح والده, ويطمئنه, ويشد من أزره, ليموت, بل ليستشهد, دون انحناء أو اذعان, وهو يعلم ان الموت والاستشهاد اشرف من حياة الذل والانبطاح امام سطوة المحتل. سألته ماذا يفرحك, وماذا تخفي وراء نظراتك هذه يا شهيد الأقصى؟ بادرني بقوله: يفرحني مشهد خروج زملائي اطفال الحجارة بصدورهم العارية, وهم قابضون على جمر المقاومة يتسابقون للاستشهاد, تروي دماؤهم ارض فلسطين العطشى للحرية, واتفاخر بأنني منهم, ولم تجردنا دبابات اسرائيل وطائراتها من ايماننا بأن النصر قادم في النهاية, فالاقصى والقدس, وبيارات البرتقال تبقى منذ آلاف السنين, ويذهب الغزاة ويجيئون وفي النهاية يرحلون, ووراءهم اذيال الخزي والعار, هذا ما علمني اياه كتاب التاريخ العربي, وحكايات جدتي, وأمي, وما سمعته من خطيب الاقصى في صلوات الجمع, قبل أن يتحقق طلب الصهاينة بتغيير مناهج التاريخ لتروي أكاذيبهم, وتحذف حقائق تاريخنا الذي تحفظه جدران القدس العتيقة. إذن فماذا يكدر عليك فرحك؟ قال لي الطفل الشهيد: ألا ترى كيف تمضي وتسير محاولات التزييف جهارا نهارا, وباسم العدل والسلام تسدل أستار النسيان على دماء أكثر من مئة شهيد فلسطيني, وتقوم قيامة الدنيا وتقعد من أجل جنديين اسرائيليين قتلا قبل أن ينفذا مؤامرة لاغتيال قادة الانتفاضة, وإذا كان هذا مقبولا من الاسرائيليين, فهو غير مقبول من أي مسئول عربي ينسى أو يتسامح في طلب الثأر لنا.. فالدم العربي ليس رخيصا. ويحزنني أن رئيس فرنسا صمم على احراج الارهابي رئيس حكومة اسرائيل وذكره وعنفه على ضرب الجنود الاسرائيليين للشهيد الطفل الدرة بالرصاص وهو في حضن والده وأخشى أن يذكر التاريخ لأحفادكم ان أحدا منكم لم يفعلها. وبمفردات الطفولة, سألني, إذا كان أطفال الحجارة بصدورهم العارية لا يخشون الرصاص الاسرائيلي, فماذا يخيفنا؟ وهل السلام معناه القتل لكل عربي يرفع رأسه ويطالب بحقوقه؟ هل مطلوب منا أن نمارس الخنوع حتى نصبح صناع سلام؟ أتذكر ان الشهيد الدرة لم يكن بيده حجر عندما اخترقت الرصاصات قلبه الأخضر.. أرجوك بلغ آبائي عندما يلتقون صباح اليوم ألا ينسوا دم الشهيد, وان الغدر الاسرائيلي لن يفرق بين من بيده الحجر ومن بيده غصن الزيتون.