أثبتت انتفاضة الاقصى لجميع المتابعين ان الشعور العربي من المحيط الى الخليج شعور واحد لم تبدله المسافات ولا الخلافات او الحدود, وأن الجسد العربي لحمة واحدة اذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمى. ورغم الوهن السياسي الذي يخلف كثيرا من الامور, ورغم التردي الذي يطاردنا شرقا وغربا ما زال هناك حس خفي يردنا الى جادة الصواب كلما اخذت الرياح مراكبنا واتجهت الى حيث ما تريد, وليس ابلغ وأصدق من ذلك ما يحدث اليوم في ارجاء الوطن العربي من الماء الى الماء, حيث المشاعر الملتهبة بالحماس, المتدفقة بالعطاء, المتواصلة بالصدق, المتلاحمة بالحب والوفاء والعزيمة. لقد حركت احداث الاقصى الجميع ولم تستثن احدا... صغارا وكبارا, شيوخا ونساء, جميعهم كانوا قلبا واحدا, وفكرا واحدا, وأسرة واحدة.. ومثلما كان للحجر حضوره في تلك الاحداث, كان للشعر رسالته وللشعراء قافيتهم التي تكبر وتتواصل في الشعور, فالشاعر لا يستطيع في اي حال من الاحوال ان يكون في معزل عن قضيته الصادقة, فقد كان وما زال متفاعلا ومؤثرا, ولعل الساحة الشعرية في الامارات تثبت بالدليل القاطع تلك الرسالة المقدسة التي يحملها الشعراء, فقد تواصل الشعر مع انتفاضة الاقصى, تواصل ثائرا على ما يحدث من قتل وسفك للدماء البريئة.. تواصل بشقيه الفصيح والنبطي. ولعل رائعة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خير مثال على ذلك, وها هو اليوم يوجه رسالته الشعرية الثانية معلنا ان الشعر لابد ان يجسد رسالته, وان الشاعر لابد ان يقول كلمته بصدق وأمانة. ومثلما تدفقت المشاعر صادقة من قصيدة سمو الشيخ محمد بن راشد تواصلت اخرى تحمل نفس المشاعر جادت بها قرائح الشاعرين محمد بن حاضر وسالم الزمر وغيرهما, وهذا دليل واضح على أن الشعر لا يموت والشعراء لا يخفتون, فالشعر كان ولا يزال ديوان العرب يرصد أحداثهم, ويلهب حماستهم ويتواصل مع صغارهم وكبارهم. وحتى لا أقف عند نقطة بعينها أعود بالذاكرة للثمانينيات حيث انطلاقة شرارة الانتفاضة في الاراضي الفلسطينية المحتلة, تلك الانتفاضة التي دخلت كمفردة ومعنى في قواميس اللغات الاخرى, واتذكر الزخم الاعلامي وتحرك الشارع العربي في رسم صورة عربية مشرقة للتوحد شعرا وفنا واقتصادا وذاكرة. لقد ظل الشعر يلملم جراحات السياسة وما زال يداويها بمفرداته الساحرة, الهادئة أحيانا والثائرة احيانا اخرى, في محاولة صادقة لقول كلمة حق في زمن تحترق زواياه وأركانه ببخور الكذب والسيطرة والنفاق. وستظل الملاحم الشعرية تتواصل, وسيقول الشعر كلمته عندما يصمت الجميع خوفا وستجلجل الكلمات مثلما علت سابقا بصوت الشاعر محمود حسن اسماعيل: سيظل ينهش في عروقي ثارها حتى تكبر للصباح ديارها حتى يداهمها الضحى بيمينه وبها يفك من القيود اسارها حتى يهلل فرحة شهداؤها للنور يحمل فجره أحرارها حتى تزمجر بالفيالق حومة عربية لا يستريح اوارها حتى يبيد الغاصبون بأرضها وتبيد فوق رفاتهم أوزارها ان قضيتنا مع أولئك المغتصبين قضية قديمة وأزلية سواء كانت في فلسطين او مصر او لبنان, فهم شوكة مغروسة في جسد الامة العربية الواحدة, فنحن تاريخ واحد وألم واحد وهم واحد, وكما قال الشاعر: ما نحن إلا إخوة من اسرة كرمت أرومتها وطاب المحتد الملة السمحاء آصرة لنا فوق الاواصر والعروبة مولد وبعيدا عما تشهده الساحة العربية من اقصاها الى اقصاها اليوم من حماسة وتوحد كانت كذلك في أزماتها دائما, فدعونا نسمع الصوت الشعري العربي في احداث عربية اخرى, فها هو صلاح عبدالصبور الشاعر المصري الراحل يحيي أول جندي رفع على سيناء العلم المصري منشدا: تمليناك حين أهل فوق الشاشة البيضاء وجهك يلثم العلما وترفعه يداك لكي يحلق في مدار الشمس حر الخفق مقتحما وكان الوجه مبتسما ولكن كان هذا الوجه يظهر ثم يستخفى ولم ألمح سوى بسمتك الزهراء والعينين ولم تعلن لنا الشاشة نعتا لك او اسما ولكن كيف كان اسم هنالك يحتويك وانت في لحظتك العظمى لقد رسم الشعر ورصد جميع المواقف الصادقة التي احس بها الشارع العربي في جميع الاوقات, ولعل حادثة محمد الدرة التي شهدها العالم بالصوت والصورة خير دليل على ذلك فقد فاض الألم وزادت الغصة, وأقف هنا فأختتم ببيتين للشابي: سيثأر للعز المحطم تاجه رجال اذا جاش الردى فهم هم رجال يرون الذل عارا وسبة ولا يرهبون الموت والموت مقدم