يخطىء ايهود باراك رئيس الحكومة الاسرائيلية اذا توهم ان تمسك العرب بخيار السلام يعني انهم لا يملكون خيارا آخر, ويخطىء باراك ايضا اذا صدق نفسه واعتقد بأنه ليس أمام الفلسطينيين من سبيل سوى القبول بالمفهوم الاسرائيلي للتسوية القسرية بشأن القدس والاماكن المقدسة. باراك هذا الذي دفع ببطل المجازر والمذابح ارييل شارون الى القيام بالزيارة الاستفزازية المدروسة والمخطط لها برفقة ثلاثة آلاف جندي الى الحرم القدسي الشريف اعتقد مسبقا بأن هذه الزيارة ستجعل التسوية القسرية امرا واقعا على الطرف الفلسطيني الاعزل الضعيف لكنه فوجىء انه بهذا قد مس فعلا (عش الدبابير) اللاذعة, القارصة, الرامية الحجارة سجيل الشعب الفلسطيني في انتفاضته الباسلة التي عمت ارجاء فلسطين وترن صداها في العواصم والمدن العربية والاسلامية على ايقاع مقتل الطفل الفلسطيني محمد جمال الدرة. لقد أخطأ باراك حينما اعتقد انه بالرهان على الوقت ومواقفه المتشددة وضرب المقار الفلسطينية والمباني السكنية في غزة ورام الله وبيت لحم.. وتشكيل حكومة طوارىء مع اليمين المتطرف بزعامة الارهابي شارون والتهديد بإلغاء عملية السلام اعتقد انه بكل هذا سيجبر الفلسطينيين والعرب على التخلي عن القدس والمقدسات, باراك هذا الذي يقترب من حد الجنون يدرك ان مثل هذه السياسة الحمقاء تمثل اغتيالا لحلم اسرائيل منذ اعلانها بقبول عربي بوجودها وتعايش امن مع محيطها في ظل علاقات صحيحة ومتكافئة, وقبل هذا وذاك فإن انتفاضة الاقصى تحمل مظاهر الانبعاث والحيوية والديمومة والصحوة العربية والتضامن العربي بخلاف اوهام باراك الذي يعتقد ان الوضع العربي سيبقى على حاله الى ما لا نهاية ناسيا مخاطر القنابل الموقوتة داخل فلسطين وعلى امتداد البلدان العربية والاسلامية, وهي قنابل قابلة للانفجار في أي لحظة في وجه اسرائيل وكل ما يمت لها بصلة من تمثيل ووجود ونشاط معلن وغير معلن بعد ان حولت اسرائيل حربها ضد الفلسطينيين الى حرب دينية وعرقية وعنصرية تصديقا لمقولة صموئيل هنتجتون. لقد لجأت اسرائيل الى محاصرة المدن والبلدات والقرى الفلسطينية بالدبابات والمدرعات والجنود وقوات الامن والشرطة واعطت الضوء الاخضر للمنظمات الصهيونية السرية المسلحة للقيام بأعمال ارهابية وتنظيم عمليات الاغتيال وتفجير المقارات وتدمير الاماكن المقدسة وذلك في تكرار لما فعله الحكم العنصري للبيض ضد السود في جنوب افريقيا. فقبل اشهر وصف الحاخام اليهودي المتطرف عوباديا يوسييف الفلسطينيين بـ(الثعابين) ومن قبله وصفهم الجنرال رافائيل ايتان رئيس الاركان السابق بـ(الصراصير) والآن وبكلام مقلوب يقول باراك ان الفلسطينيين لا يريدون السلام لتبرير حربه ضدهم ويطلب من عرفات وقف الانتفاضة والتعامل مع مسلسل القتل الاسرائيلي بدم بارد, لا انفعال ولا غضب ولا مظاهرة ولا اشتباك مع الجنود المدججين بالسلاح الذين يطلقون النار على الفلسطينيين وكأنهم عصافير. لقد أكدت هذه العدوانية المشبعة بالحقد والكراهية والعنصرية ان ما حققته عملية السلام من اتفاقات وترتيبات امنية وسياسية بين الحكومة الاسرائيلية والسلطة الفلسطينية خلال السنوات الماضية ما زالت بعيدة عن تثبيت خيار السلام لمعالجة القضايا النهائية بل وانها غير قادرة على حماية ما تم التوصل اليه, فباراك نفسه هدد مرارا بأنه سيلغي العملية السلمية من اساسها ولجوئه الى تأسيس حكومة طوارىء, حكومة حرب مع الارهابي شارون والاحزاب الدينية المتطرفة دليل واضح على ان معركة القدس وبالتالي العملية السلمية وصلت الى مفترق الطرق, فإسرائيل بقصفها الجوي للمدن والبلدات الفلسطينية واستخدام النار بشكل كثيف ضد المواطنين الفلسطينيين والتهديدات الحربية ضد لبنان وسوريا بددت أجواء السلام السطحية واعادت الاجواء الى ما كانت عليه قبل مؤتمر مدريد للسلام, وكل هذا انعكاس لرؤية قاصرة تقوم على استخدام القوة والاعتماد عليها في بطش الاخرين وذلك في جهل لدروس التاريخ التي تؤكد ان القوة الغاشمة تهزم في النهاية امام ارادة الشعوب وحقوقها المشروعة والتراكم التاريخي للوعي والارادة والفعل. لقد اعتقد باراك انه بزيارة شارون المخطط لها الى الحرم القدسي الشريف وتفجير معركة القدس والاستخدام المفرط للقوة ضد الفلسطينيين سيتمكن من حسم مسألة السيادة الاسرائيلية على القدس, حيث اكد مرارا (انه لن تكون هناك سيادة فلسطينية او اسلامية على المسجد الاقصى) ولكن الانتفاضة الفلسطينية خيبت اماله هذه ووضعت سياسته على المحك, فالدم الفلسطيني اعاد الألق للشرعية التاريخية والدينية والشعبية للسيادة الفلسطينية على القدس والحرم القدسي الشريف وكشف في الوقت نفسه حقيقة الاحتلال الاسرائيلي للمدينة, وبدأ الدم يشق طريقه الى طاولة المفاوضات الى سقف التسوية وقضايا الوضع النهائي, ومع انتفاضة الاقصى فوجىء باراك بعمق الترابط العربي والاسلامي, باستعداد الامة للوقوف مع قضاياه وثوابتها والدفاع عنها, فالمسيرات والاحتجاجات الغاضبة التي اجتاحت العواصم والمدن العربية والاسلامية احتجاجا على العدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني والمطالبة الشعبية الواسعة بتحرك عملي وفعلي ضد اسرائيل فضلا عن أن الجهود الرسمية العربية التي هدفت الى موقف عربي يستجيب للتحديات وتحمل المسئوليات وقيام بعض الدول العربية باغلاق مكاتبها في اسرائيل واغلاق المكاتب الاسرائيلية لديها وغيرها من الاجراءات كل ذلك أكد لباراك خطأ اعتقاده بأن العرب سيبقون على حالهم الى ما لا نهاية تجاه الوضع الفلسطيني, لقد اكتشف باراك وغيره ان التفاعلات التي خلقتها الانتفاضة على الصعيد العربي والدولي اعادت للوضع الفلسطيني عمقه العربي والاسلامي والدولي وانها عززت مكانة القيادة الفلسطينية باعتبارها مدافعة عن قضايا شعبها وحقوقه الوطنية وان القضية الفلسطينية ما زالت محور الصراع في المنطقة وان لا أمن ولا سلام ولا استقرار دون حل عادل لهذه القضية. لقد وجد باراك ان الانتفاضة الفلسطينية التي تحولت الى عمل يومي في جدول نشاطات الدول العظمى والمؤسسات والهيئات والمنظمات العربية والاقليمية والدولية حفاظا على عملية السلام وجد باراك ان ثقافته السياسية ليست ضعيفة فقط انما هو نفسه ما زال محض جنرال عسكري يفتقر الى خبرة رجل دولة تبحث عن الاستقرار في محيط متناقض حضاريا وسياسيا واجتماعيا مع كيانه الحالم بالاندماج في هذا المحيط وبيئته ودورته الاقتصادية. اذا كان باراك يعتقد انه بهذا السيناريو الدموي اعاد الاجماع في الداخل على حكومته ووحد الصفوف خلف مواقف عقائدية وسياسية من شأنها تدعيم موقفه بخصوص القدس والاماكن المقدسة وحسم السيادة الاسرائيلية عليهما فإنه يخطىء مرة اخرى لان ذلك لن يزيد الشعب الفلسطيني سوى وحدة واصرارا على حقوقه والدفاع عنها حتى النهاية, كما انه سيزيد التدهور في علاقات اسرائيل الاقليمية والدولية, وبما يؤدي الى اجهاض عملية السلام ودفع المنطقة نحو المجهول, وفي كل ذلك خسارة استراتيجية لاسرائيل التي تسعى الى اعتراف دول المنطقة بها, فهل يدرك باراك ان القوة لا تصنع السلام؟ وان السلام لا يمكن ان يكون على حساب الطرف العربي؟ وان القدس والاماكن المقدسة هي خطوط حمر لا يمكن لاحد التنازل عنها؟ كاتب سوري