فجأة شعرت أن الأشياء الجميلة لا عمر لها, وأنها أصبحت سريعة العطب, عاجزة عن المقاومة, الكتب الملونة لا تقاوم, النجوم اللامعة على شاشة السينما لا تقاوم, الأصوات التي تعلمنا الحب لا تقاوم, التراث الفني الجميل الذي يمنحنا الحنين القديم لا يقاوم, كل ما تمنيت أن يقاوم, لا يقاوم حتى أصبحت أخشى أن نصبح مقبرة للأشياء الثمينة الجميلة المبدعة المتألقة. كان الغضب من الممارسات النازية الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية يجتاح مصر وشعبها وأرضها وترابها وعقلها وعروقها بينما كانت تجري عملية استيلاء كامل ومنظم ودؤوب على تراب الابداع الفني والثقافي في هذا الوطن الذي يعيش على الخبز والفول والفيلم والكتاب وصوت أم كلثوم. في الخفاء, ودون انذار مسبق بأي لون, تكونت ثلاث شركات توصف بأنها (عملاقة) راحت تبتلع كل ما يصادفها من أفلام سينمائية, ودور عرض, وشركات كاسيت, ودور نشر, كانت الأموال التي تعرضها تثير القلق وتفقد كل من تعرض عليه البيع ما لديه من مقاومة, وبدت حمى الشراء مثيرة للخوف ومنشطة للهواجس, وفي هذه الحالة ليس كل الظن إثما, فلو أن بعضه حرام, فإن البعض الآخر حلال, خاصة وأن الشركات الثلاث ستخضع لسيطرة وسطوة شركة قابضة وضعوا على رأسها زياد أحمد بهاء الدين الذي قال أن رأسمالها لن يقل عن 600 مليون جنيه وربما يزيد. اشترت الشركة حوالي 1000 فيلم من تاريخ السينما المصرية, ولو كان هناك صاحب شبكة تليفزيونية فضائية عربية قد اشترى من قبل 1200 فيلم, واذا كان هناك حوالي ألف فيلم ضائعة في طي الفقدان ولا أحد يعرف مصيرها هل حرقت أم ألقيت في البحر على حد قول الدكتور محمد القليوبي مدير المركز القومي للسينما فإن كل ما انتجته السينما المصرية على مدى 100 عام لم يبق منها في حوزة المصريين سوى 52 فيلما هي التي أنتجها القطاع العام وتمتلكها الدولة, وهو ما يجعلنا نتساءل عن مصير المبنى الفخم الذي تبنيه وزارة الثقافة للأرشيف القومي للسينما, ما جدواه, وما ضرورته, وهل سيؤجر في النهاية لمن يملكون هذه الأفلام؟ إن كل شيء جائز, خاصة وأن هناك من اشترى أفلاما وحرقها بعد أن تزوج بطلتها وأراد أن يشطب تاريخها وينفي صلتها بالفن السابع بكل ما فيه أحيانا من تجاوزات ساخنة مثيرة, وخاصة وأن هناك من يملك المال الوفير ويرى أن السينما رجس من عمل الشيطان, لو حرقنا الأفلام حرقنا الشيطان. وفي الوقت نفسه رفعت الشركة الجديدة أسعار نجوم التمثيل والغناء في مصر الى حد لم تعد معه شركات الانتاج الصغيرة قادرة على الصمود والمنافسة, فقررت اغلاق أبوابها بالضبة والمفتاح, وفي الوقت نفسه راحت الشركة تشتري دور العرض السينمائي للسيطرة ليس فقط على انتاج الأفلام وإنما للسيطرة على توزيعها أيضا, وهو ما يعني أن أي منتج سينمائي لا يخضع لسطوة الشركة وجبروتها لن يجد فرصة لعرض أفلامه إلا في المقاهي, أو على المصاطب, أو في غرفة نومه. وفي برنامج قدمته التليفزيونية اللامعة سلمى الشماع اعترف زياد أحمد بهاء الدين: أن قدرا من الغموض اكتنف هذه الشركة القابضة, وأعترف أن ملامح هذه الشركة ليست واضحة حتى الآن, ورأسمالها النهائي لم يتحدد بعد, وأضاف أن المستثمرين فيها شركات مالية وأفراد, وأن نسبة المصريين 60% ونسبة العرب 40%. ثم استطرد: أن الشركة تتمتع بمميزات الحجم الكبير الذي سيجعلها قادرة على التسويق الجيد, ومطاردة المزورين, ومن ثم رفع قيمة المنتج الفني والثقافي المهدرة, وهي بالقطع أهداف سامية ستنفرد الشركة وحدها بالاستفادة منها, وراح زياد بهاء الدين يتحدث عن أنهم فعلوا ما فعلوا قبل أن يفعلها غيرهم من الأجانب الذين يمكنهم في ظل عولمة الاقتصاد والسوق الحر القدرة على الابتلاع والهضم, والمقصود أننا يجب أن نحمد الله ونشكره لأن الذي يبتعلنا ويهضمنا واحد منا وليس غريبا علينا, فشكرا لهم لأنهم سيبتلعوننا برفق ودون ألم. ولست أتصور أن الشركات الكبيرة المنسوبة لفصيلة الحيتان وأسماك القرش يمكن أن تضيف شيئا غير الأرباح لأصحابها في مجالات الابداع الفنية والثقافية, فالمنتج الفرد هو الذي قامت على أكتافه صناعة الفيلم والكتاب والكاسيت, وكثير من النجوم ينهون تحويشة العمر بانتاج أفلام تبقيهم على قيد الحياة الفنية, ولو كانت الدنيا قد تغيرت فإن هذا التغير جاء الينا بوجهه القبيح ولم نر منه خيرا, فهذه عادتنا ولن نشتريها, نستورد أفضل الأفكار وبموهبة نادرة نفسدها, وعندي الدليل على ذلك. منذ حوالي 4 سنوات قررت الحكومة أن تدخل عصر العولمة والسوق الكونية المفتوحة فوافقت على اعفاء الشركات الفنية التي لا يقل رأسمالها عن 200 مليون جنيه من الضرائب, تشجيعا لها على الانتاج الفني وانقاذ السينما المصرية من أزمتها, ولم تسمح الحكومة بالاعفاء نفسه للمنتج الصغير الذي يستحق قبل غيره التشجيع, فكان أن تكونت شركتان فقط في ظل هذا القانون, واحدة برأسمال مصري ليبي مشترك قامت بانتاج عدد من الأفلام لم تحقق نجاحا تجاريا وإن حققت تميزا في الانتاج السينمائي وهو ما أدى الى توقفها عن الانتاج لجمع الأشلاء ومراجعة الحسابات, وخرجت من الملعب لتجلس على الخط تتأمل وتتفرج. أما الشركة الثانية فلم تدفع سوى 50 مليون جنيه من رأسمالها المعلن, أي الربع, وراحت تبني دور عرض دون أن تقترب من الانتاج السينمائي التي حصلت بسببه على الاعفاءات الضريبية, فكانت في الحقيقة مجرد مقاول استفاد من هذه الاعفاءات, وبصيغة أخرى هو في الحقيقة تهرب من الضرائب المفروضة على أعمال التشييد والبناء, وقبل أن تنتهي فترة الاعفاءات الضريبية كان أصحاب الشركة قد تخلصوا منها. وفي أغلب الأحوال كانت دور العرض الجديدة التي بنيت تدعم الفيلم الأمريكي لا الفيلم المصري, فقد نجح موزعو الأفلام الأمريكية بطريقة أو أخرى في الحصول على موافقة غرفة صناعة السينما لطبع 16 نسخة بدلا من 8 نسخ من كل فيلم أمريكي, وهو ما يعني مضاعفة فرصة عرض الفيلم الأمريكي في مصر, وقيام الشركة التي أعفيناها من الضرائب بدعمه ومساندته, ثم كان أن قررت هذه الشركة بعد أن حققت ما حققت من أرباح أن تندمج بكل ما فيها في الشركة الجديدة, والنتيجة أننا كنا أمام شركة مقاولات لا شركة فنية, شركة حققت أرباحا دون ضرائب مثلها مثل أي مقاول آخر, وهذا هو ما أخذناه من الشركات العملاقة التي يتحمس لها زياد بهاء الدين. وهكذا, فإن كثيرا من الأفكار الجيدة يمكن مع سوء الترجمة الى الواقع أن تصبح كارثة لا يستفيد منها سوى قلة من البشر لا ترى من الدنيا سوى الربح, وليذهب الفن والتاريخ والابداع وحق الناس في التمتع الى الجحيم, ولو كانت شركة دفعت 50 مليون جنيه حصلت عليها أضعافا مضاعفة في أقل من أربع سنوات دون اضافة فيلم أو لقطة أو حتى مشهد سينمائي فإن شركة ستدفع ما يزيد عن 600 مليون جنيه لابد وأن تفعل المستحيل لتكسب المليارات بالذوق أو بالعافية, بالتهديد أو بالترغيب, ففي البداية والنهاية ليس هناك ما يحمي هذا الوطن من كل من يحوله الى صفقة أو قضمة أو شمة, فالأمور في هذه الصناعة التي قام عليها الانتشار الفني والثقافي المصري سداح مداح. إن مصر هي أهم منتج فني وثقافي في العالم العربي, ورصيدها من المثقفين والمبدعين والفنانين هو ثروتها القومية الحقيقية فهل من السهل التفريط في هذه الثروة؟, إن هناك متاعبا تتعرض لها الزراعة والصناعة في تصدير منتجاتهما الى الخارج, وفي ظل رفع الحواجز الجمركية وسيادة التجارة الحرة ليس لصناعة مصرية ميزة نسبية ولو في محيط منطقة الشرق الأوسط سوى صناعة الفنون, فهل نفرط بهذه السهولة في هذه الصناعة, وهل نتركها تضيع من أيدينا وتذهب لمن لا علاقه له بها, مجموعة تجار ورجال مال لا هم لهم سوى الربح, وبعضهم لا يعرف الفرق بين عمرو دياب وبشارة واكيم, ولا بين فاتن حمامة ونعيمة عاكف, ولا بين استوديو التصوير واستاد الكرة, فهي بالنسبة لهم مثل البطاطس والألمونيوم وحديد التسليح مجرد سلعة تباع وتشترى, ثم أنهم بحكم ما يملكون من مال وفرصة للمعيشة على النمط العربي لا يهمهم عادل امام بقدر ما يهمهم كيفين كوستنر, وهم على استعداد أن يبيعوا كل نجمات السينما المصرية مقابل نظرة واحدة من عيون جوليا روبرتس. ولا أتصور أنهم يدركون قيمة الرسالة الحضارية التي حملتها السينما والأغنية والكلمة المطبوعة المصرية الى العالم العربي, وهذه على كل حال ليست مشكلتهم, فما دمنا قلنا لهم أن كل شئ مباح فلماذا نغضب؟, وما دمنا قلنا أن كل شئ للبيع فلماذا نحتج؟ على أن مصر لن تعدم أبدا الأصوات القوية القادرة على أن تقف وتكشف وتصد وتقول ما عندها ورزقها على الله, في مصر أصوات تجوع ولا تأكل ما يلقى لها, ولا تفعل ما فعله المخرج المتواضع القيمة, الذي قال علنا على الهواء مباشرة: إننا لا نعمل إلا لمصالحنا, لو كانت مصالحنا مع الشركة الجديدة كرمناها, ولو كانت ضدها هاجمناها, وكلامه لا يحتاج الى تعليق سوى أنه يتحدث عن مصلحته الشخصية, وان وضعها في صيغة الجمع, فالمبالغ المدفوعة له بالجملة, وليست بالقطاعي. وقد كانت الضجة عالية والموجة مرتفعة في مناقشة هذه القضية الخطيرة, فصناعة الفنون في مصر هي الصناعة الشعبية التي تنافس صناعة الرغيف البلدي, فالناس يهربون من قسوة واقعها بالخيال والأوهام الملونة والمسجلة على أجهزة استريو, والناس تتابعون أخبار النجوم والفنانين ويقلدونهم حتى في حلاقة رؤوسهم, والصحافة تعيش أيضا على هذه الأخبار, وفي النهاية فإن صناعة الفنون ترتبط بصناعة الاعلام وكلاهما يلعبان في ملاعب الضوء والنيون, وهذا يبرر الاهتمام الكبير الذي اكتسحنا جميعا. وقد شارك في هذا الاهتمام كل من يعشق السينما ويهوى العمل في بلاطها, محمد القليوبي سمير فريد, كمال رمزي, يسري نصر الله, محمد هاني, وسلمى الشماع التي قامت في برنامجها المتميز والمثير للانتباه (اسهر معانا) حلقة استمرت أكثر من 3 ساعات ناقشت فيها القضية مع أصحابها وأطرافها المختلفة, وكانت نموذجا يستحق التقدير للبرنامج التليفزيوني الذي يعرف الأصول ويمشي كما يقولون على القواعد المحددة في الكتب, وقد شاركت في النقاش وشارك فيه أيضا الدكتور أحمد الغندور, وانتهى الجميع الى عدة تخوفات لم يستطع زياد أحمد بهاء الدين واسعاد يونس وهما يمثلان الشركة أن يخففا منها. إن هناك شبهات واضحة للاحتكار, فما تفعله الشركة قد أخرج من سوق الانتاج رؤوس الأموال العريقة والتي لم تستطع المنافسة أمام الأموال الهادرة كالطوفان التي تغرق الجميع, وليست مشكلة الاحتكار هي مشكلة أصحاب الشركة وإنما هي مشكلة الدولة التي عليها أن تسارع بسن قانون يمنع الاحتكار كما هو الحال في أعتى الدول الرأسمالية, فلا رأسمالية بدون هذا القانون, لأن الرأسمالية بدون هذا القانون غابة من الحيوانات المفترسة التي تتسلى بالأرانب والثعالب الصغيرة, وطبقا لهذا القانون لا يجوز لشركة واحدة بأكثر من نسبة ما في السوق, بحيث تكون هناك منافسة لصالح المستهلك, ولا تقضي على المنتج الصغير, ونحن نتذكر ما جرى لشركة مايكروسوفت التي أجبرتها المحكمة حتى لا يكون هناك احتكار على أن تنقسم الى شركتين. وكذلك فإن هناك تخوفا من أن تقوم الشركة القابضة الجديدة بتجميع كل الأصول الفنية تحت ضروسها ثم تبيعها في البورصة, ولأن البورصة مفتوحة على البحري فإنه لا مانع على الاطلاق من أن تشتري هذه الشركة أية مجموعة مستثمرين أجانب, ولا مانع أن يكون هؤلاء المستثمرون خاضعين بصورة أو بأخرى لاسرائيل, للموساد, وفي هذه الحالة نكون قد حرثنا الأرض لهم وزرعناها وتدخلوا هم في الوقت المناسب للجني والحصاد, والمعروف أن المثقفين والمبدعين والفنانين هم الذين يقودون حركات مقاومة التطبيع مع اسرائيل, فما المانع أن تشتري اسرائيل أسهم هذه الشركة لو نزلت البورصة بصورة مباشرة أو غير مباشرة, لا مانع على الاطلاق, ومن ثم سيكون كل أعداء التطبيع في حجر المصرين عليه. أعرف أن هناك من سيبادر بالقول: ما هذه الخرافات؟, أما كفانا احساسا بالمؤامرة؟, أما كفانا تفسيرا للأشياء بهذا المنظور الضيق الأسود؟, وأعرف أن هناك من سيصر على القول: أننا أصبحنا مرضى بالهلاوس الاسرائيلية, وأن علينا بدلا من أن نذهب الى البورصة أن نذهب الى مستشفى الأمراض النفسية, لكن أعرف أيضا أن هناك من سيقول: أن اسرائيل نجحت في اختراق الضمائر العربية, ونجحت في تحقيق مشروعها الاستعماري, وأن كل ما نعانيه منها الآن كان في يوم من الأيام هلاوس صهيونية, وبمرور الوقت تحولت الهلاوس الى أمر واقع وغطرسة وسيطرة نراها صباحا ومساء على كافة الشاشات التليفزيونية. لا مانع من أن نفكر في كل السيناريوهات, فكل الاحتمالات مفتوحة, وهذه هي بالتحديد وظيفة الفكر, أن يسبق الواقع ويحذره من الخطر القادم عليه, وفي هذه الحالة على الدولة أن تتدخل بالتشريع والقانون لحماية هذه الصناعة من الاختراق الاسرائيلي, ومن الاحتكار الداخلي, ومن ضياع حقوق المنتجين الصغار والمستهلكين, وأبسط هذه الحقوق أن نحتفظ بذاكرة السينما المصرية في أيدي مصرية, فحقوق الملكية المادية لا تحرم المجتمع من حقوق الملكية الفنية, وكذلك لابد من قانون بأثر رجعي يحمي المنتج الثقافي والفني المصري من أي مجنون أو متهور أو متطرف أو كاره لهذا الوطن أن يحرق تراثه الفني والثقافي, ثم هناك حق آخر هو أن نضمن بالقانون أن يصل الفيلم المصري الى المصريين, وأن لا نراه عبر شاشات أخرى غير شاشات التليفزيون المصري. وبالقطع هناك أفكار وهواجس أخرى, وهو ما يؤكد أننا أمام قضية خطيرة, تحتاج لمزيد من الاهتمام والحوار والتدخل الرسمي والتشريعي, وهذه الخطورة هي التي جعلتني لا أكتب هذه المرة عما يجري في فلسطين, فما يجري في مصر لا يقل عنه خطورة.