56 عاماً, هي السنوات الغائرة في زمن العروبة الصعب والفاصلة بين أول قمة عربية دعا اليها فاروق ملك مصر عام 1946 وعقدت في زهراء انشاص, وبين قمة القمم اليوم والتي تعقد في القاهرة ايضاً بدعوة من الرئيس مبارك وبحضور كافة الدول العربية بما فيها العراق.. مع حضور عالي المستوى والتوهج والضغط ــ كما لم يحدث من قبل ـ للشارع العربي والاسلامي بكافة اطيافه وانتماءاته وجغرافيته. نحن فقط بانتظار البيان الختامي يدنا على قلوبنا, واصابعنا على جهاز التحكم بالقنوات الفضائىة.. والحقيقة ان قلوبنا وعيوننا على بقعة محددة من الجغرافيا العربية, بينما ذاكرتنا تسترجع التاريخ بحذر خوفا من المقولة الازلية: ان التاريخ يعيد نفسه. نحن بانتظار البيان الختامي برغم كل ما قيل حوله وعنه, فالسيف اصدق انباء من الكتب.. فهل يكون البيان الختامي غداً واضحاً وحاداً وقاطعا كالسيف الاصدق من كل الأنباء؟ نحلم بهذا البيان ونتمنى الا ينكسر حلمنا الاخير كما تكسرت كل الاحلام الكبيرة والصغيرة على صخور جبل صهيون. في القمة العربية الاولى عام 1946, يقول تاريخ القمم: ان المرحوم (عبدالرحمن عزام) الأمين العام للجامعة العربية وقتها قام بتسجيل المحضر الرسمي للمناقشات في صورة (البيان الختامي), بعد الموافقة عليه من قبل الرؤساء والملوك وفكر في ان يخلد هذا البيان بطريقة غريبة!! لقد اقترح ان تتم كتابته بماء الذهب باعتباره وثيقة تاريخية!! وقد كان له ما أراد, عندما امر الملك فاروق احد خطاطي الديوان الملكي بتنفيذ اقتراح الامين العام. لقد نص البيان الختامي الاول على (رغبة الدول العربية المجتمعة في السلام الدائم بينها وبين جميع دول العالم, وان فلسطين قضية عربية يتوجب على العرب جميعاً انظمة وشعوباً صيانة عروبتها وعدم السماح لمزيد من الهجرة اليهودية اليها.. الخ). وما بين قمة (بيان الذهب) وواقع اليوم الرديء جبال من السنين والحروب والاحداث والمؤامرات والخيانات والضحايا, والثورات, والحقوق التي ضاعت, والاباطيل التي ترسخت في قلب الواقع, وقوافل من الشهداء وسنوات ضاعت في خلافات وانشقاقات وصراعات لا اول لها ولا آخر.. لكن لها معنى واحد.. هو أننا اضعنا التاريخ فسرقت منا الجغرافيا بسهولة! القمة اليوم تنعقد وسط آمال تحركت في النفوس لما اسفرت عنه الاجتماعات التحضيرية لوزراء الخارجية العرب بالامس خاصة ذلك التوجه الجاد فيما يتعلق بالتطبيع وقطع العلاقات مع اسرائيل. وان كان هذا التوجه ليس نهاية المطاف بالنسبة للمطالب العربية المشروعة لكننا نطرح السؤال: بماذا سيكتب بيان القمة الختامي غداً, بماء الذهب ام بماء الماء؟ لا نريد ديواناً ملكيا يصدر أمراً لخطاط رسمي, نحن سنخطه ببقية دماء الشهداء اذا كان يستحق نقطة دم من دماء هؤلاء الشباب الاطهار الذين يرحلون يوميا صاهلين في فيافي الكرامة وفضاءات الحرية, بينما وقار موتهم الصارخ ينادي: إن الاقصى يناديني فتسمعه شراييني. فما عنا يا ترى, بأي جزء فينا نسمع نداء الأقصى؟ نحن لا نسمعه مثل هؤلاء الشهداء بالتأكيد لكننا نستطيع على الاقل ان نحفظ قداسة دمائهم بنجدة الاقصى الذي ماتوا من أجله.