لا غنى للشخصية الانسانية عن البعد الروحي او البعد الديني. الشخصية الانسانية ليس لها بعد مادي فقط. تلك الشخصية التي لا تشمل الا على البعد المادي شخصية ناقصة ومعتلة ومفتقرة الى التوازن. الانسان الذي يفتقر الى البعد الروحي يكون انسانا مصابا بانسانيته. لا تنشأ انسانية المخلوق البشري دون البعد الروحي. فالبعد الروحي هو العامل الذي يجذب الانسان الى اعلى, الى المثال الاعلى, الى السمو الروحي والاخلاقي. وما قلناه عن اهمية البعد الروحي للفرد يقال عن اهميته للمجموع وللمجتمع. وبسبب ضعف البعد الروحي في الغرب, وهو الضعف الذي يوازنه اشتداد قوة العامل المادي, اضمحل البعد الانساني, وتفككت الاسر والمجتمعات, واستفحلت المغالاة في النزعة المادية, وانتشرت النظرة التهكمية, وأصبحت العلاقات البشرية تؤثر فيها تأثيرا كبيرا النزعة الى اللجوء الى الوسيلة القانونية لتسوية المنازعات, وأصبح اللجوء الى تقديم الدعاوى القانونية وسيلة للحصول على المال, وقلت قيمة الجانب الانساني للفرد, هذه الملاحظات تستند الى مصادر مكتوبة كثيرة والى مشاهدتي الشخصية للحياة في الولايات المتحدة الامريكية طيلة ما ينيف عن ثلاثة عقود. وبلغ امر التهكم من رموز المسيحية حدا عنده لم اعد انا المسلم اطيق هذا التهكم والاستهزاء. ونتيجة عن المغالاة في النزعة المادية وضعف البعد الروحي او اضمحلاله في الحياة الغربية اصبحت الاغلبية الساحقة من الناس تنغمس في اشباع الملذات الحسية والجسدية. انهم في اغلبيتهم الساحقة يعيشون يومهم وساعتهم, او حاضرهم هو بؤرة تفكيرهم. ويترتب على ذلك اضعاف البعد الروحي في الحياة. ومما له صلة بشخصية الفرد خصائص المجتمع, اذ يقوم دوما تفاعل بين خصائص المجتمع وشخصية الفرد. لكل شعب من شعوب الارض قاطبة ولكل مجتمع من المجتمعات نواقصه ومحاسنه من المنظور الموضوعي ومنظور المجتمع. ولا يوجد مخلوق كامل. الكمال لله تعالى وحده. ومن المستحيل او من الصعوبة البالغة على كاتب او باحث او مفكر ان يطلع على جميع الجوانب الايجابية والسلبية لحياة شعب وسلوكه واخلاقه. وذلك من المستحيل او من بالغ الصعوبة ان يأتي تناول ذلك الكاتب المحلل لحالة من الحالات متوازنا. فلابد من ان يكون ذلك المحلل اشد نقدا او اكثر تركيزا على المحاسن او اقل تأكيدا على العيوب, او اكثر ابرازا لجوانب معينة واقل ابرازا لجوانب اخرى. وبالتالي لا ينبغي للقارىء او الشخص او الشعب المعني ان يظن ان تأكيد كاتب لعيوب معينة لدى شعب يعني عدم وجود محاسن لدى ذلك الشعب. ويكون الافتقار الى التوازن اقوى في حالة جهل الكاتب بجوانب المسألة التي يكتب عنها او في حالة وقوعه في براثن التحيز العرقي او الديني او العقيدي او المذهبي. ومما يقوي هذا الافتقار ايضا طبيعة شعور الكاتب. فالكاتب الذي لديه شعور بالتفوق والاستعلاء على الشعب او الفرد الذي يكتب عنه تتسم كتاباته بقدر اكبر من الاختلال في الطرح والتناول. وحتى يكون الطرح على قدر اكبر من التوازن والموضوعية ينبغي للكاتب ان يتخلق بخلق التواضع حيال الشعب او المجتمع او الامة التي يكتب عنها. فالاستعلاء يفسد على الكاتب الشرط الضروري لأن يكون مؤهلا موضوعيا لدراسة موضوع من المواضيع. وساد الشعور بالاستعلاء كثيرا من الغربيين الذين كتبوا عن الشعوب النامية وثقافاتها, ومنها الشعب العربي والثقافة الاسلامية. هذا الشعور بالاستعلاء, فضلا عن صفات اخرى اتصفوا بها وتقترن بالشعور بالاستعلاء, من قبيل التحيز والجهل والتركيز الاوروبي والامريكي العرقي, افضى الى عدم التوازن في طرحهم وتحليلهم واستنتاجاتهم, وفي الحقيقة جردهم من الشرط الذي يجب ان يتوفر لدى العالم او الباحث وهو شرط توفر قدر اكبر من الحياد والموضوعية والتجرد. وفي الحقيقة ان تحقيق قدر كبير من الحياد والموضوعية والتجرد صعب. ففي العقل البشري طبقات من الافكار المنمطة والتصورات الدوغمائية الجامدة. وينال هذا العقل من الحياد والموضوعية والتجرد, ويحول دون الانفتاح الفكري, ودون الانفتاح على عوالم فكرية اخرى ودون الانطلاق الفكري. وللتخلص من الجمود الفكري ولتحقيق الانفتاح الفكري تجب ازالة الافكار والتصورات الخاطئة. ومن الوسائل التي من شأنها تحقيق ذلك رفع المستوى الفكري والتحصيل العلمي وايجاد الملكة النقدية لدى الناس, وعلى وجه الخصوص الناشئة في المدارس والجامعات. وعن طريق رفع المستوى الفكري والتحصيل العلمي وتعزيز الحس النقدي تضعف النزعة الى تنميط الفكر وقولبته وتقل الدوغمائية لدى الناس وتتعزز لديهم النزعة الى التمعن في الاشياء والى التحليل والتعليل والى ايجاد الاسباب بين الظواهر, والى التحفظ عن التعميم, ويقل عند الناس الاعتقاد بأنهم يعرفون الحقيقة كاملة, وينشأ لديهم الشعور بالحاجة الى معرفة ما يقوله الغير والى الاستفادة من الحوار الفكري.