(أيها القتلة.. لقد أخذتم الشعب الفلسطيني رهينة)! قد تبدو هذه العبارة النارية وكأنها صادرة عن زعيم ثوري يخاطب عبر موجات الاثير جماهير الشارع الاسرائيلي.. لكنها في الحقيقة صادرة عن دبلوماسي فلسطيني يخاطب رصفاء أجانب من صناع القرار الدبلوماسي.. داخل اجتماع من المفروض ان يكون دبلوماسيا. صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين كان يخاطب على الجانب الآخر من المائدة اثناء اجتماعات قمة شرم الشيخ. كلا من مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة وشلومو بن عامي وزير خارجية اسرائيل بالاضافة الى ممثل للأمين العام للأمم المتحدة. وهكذا تتغير الآن لغة قادة السلطة الفلسطينية وهم يجاهدون في التقافز المستمر للحاق بالايقاع المتسارع للشارع الفلسطيني. ما نشهده الآن ربما يكون ايذانا بمغيب شمس السلطة الفلسطينية كقيادة تقليدية سبق ان نبذت نهج العنف تجاه اسرائيل. فقد انتزع الشارع زمام المبادرة ولا يبدو انه عازم على التفريط فيها. لكن مغيب شمس السلطة لا يعني بالضرورة زوال قياداتها من المشهد نهائيا.. وإنما الارجح أنهم ربما قرروا ــ بعد قراءة دقيقة للمشهد المتحرك سريعا ــ ركوب الموجة الجماهيرية. وبعد, فإنهم في الاصل ثوريون تحرريون قبل انتمائهم الاختياري الى البيروقراطية السلطوية. مع ذلك فإن ركوب الموجة الجماهيرية ربما جاء متأخرا. فالشارع الفلسطيني الفائر تقوده الآن قيادات من طراز جديد. وفي هذا السياق علينا ان نستحضر ذهنيا على الدوام اسم (مروان البرغوثي).. ذلك الاسم الواعد الذي تؤكد كل الشواهد الراهنة انه سيكون (شي جيفارا) الشعب الفلسطيني. في خضم تلاحق الاحداث في الشارع الفلسطيني هذه الايام وزخم عواصفها الاعلامية ربما لم ينتبه الكثيرون الى اسم (الهيئة العليا الوطنية والاسلامية). انها الكيان التمثيلي الذي يقود الانتفاضة وحركة الشارع معيدا الى الاذهان (القيادة الموحدة) التي كانت تشرف على تسيير انتفاضة الثمانينيات. وربما يتبادر الى الذهن ان التيار الاسلامي ــ (حماس) و(الجهاد) ــ المعارض لزعامة عرفات هو القوة الرئيسية التي تقف وراء تكوين هذه الهيئة القيادية الجديدة. لكن الامر غير ذلك. فمبادرة انشاء الهيئة جاءت من نفس الفصيل التنظيمي الذي يعتمد عليه عرفات ويفترض ان يكون تحت امرته ــ تنظيم (فتح) الذي انسلخ الآن عن القيادة العرفاتية منطلقا صوب تكوين جبهة فلسطينية عريضة من الفصائل قاطبة بما في ذلك (حماس) و(الجهاد). صاحب هذا الانقلاب التاريخي هو مروان البرغوثي. بالاضافة الى فارق السن والرؤية, فإن هناك تناقضا اساسيا بين نهج عرفات ونهج البرغوثي. فبينما يرى الاول في الانتفاضة مجرد أداة مرحلية (تكتيكية) يمكن التخلي عنها في أي وقت او كبحها من اجل اعتبارات التعامل السياسي مع اسرائيل وامريكا فإن الثاني يرى ان الانتفاضة يجب ان تكون اسلوب حياة يومية للشعب الفلسطيني.. وأنها الخيار العملي الاوحد لتحقيق الاهداف المصيرية الفلسطينية. لكن يبقى سؤال: هل يعني ركوب عرفات الموجة الجماهيرية الراهنة انه اعتنق ذلك الخيار الثوري نهائيا أم ان الزعيم المخضرم تتأرجح خياراته كالعادة؟