في الوقت الذي يغلي فيه مرجل الشرق الأوسط, يغلي أيضا مرجل أوروبا الغربية, مع فارق واحد ما بين المرجلين, الأول بسبب عنجهية القوة التي يمثلها الجيش الإسرائيلي بأسلحته المدعومة بلا حدود من جانب الولايات المتحدة, التي لا يزال البعض يعتقد أنها (الشريك المحايد), والمرجل الثاني يكمن في شعوب أوروبا الغربية التي بدأت تعي مدى المخاطر التي تواجه مستقبلها في ظل حكومات تحولت إلى رهينة في أيدي الشركات المتعددة الجنسيات التي ترفع راية (العولمة الاقتصادية) فوق رقاب الجميع. ربما كان من هنا التعاطف مع المقهورين في بعض دول العالم الثالث المتخلفة بثرائها البترولي, والتي لا تكاد تجد قوت شعوبها اليومي على الرغم مما تملك من مادة خام تعتبر المحرك الأساسي لرفاهية الغرب بشكل عام, والأوروبي بشكل خاص, وأيضا كان هذا سببا في ما تجده الانتفاضة الفلسطينية الجديدة من دعم شعبي على الرغم من محاولات وسائل الإعلام التي تملكها أو تديرها أو تؤثر فيها تلك الشركات المتعددة الجنسية, التي تحاول تصوير رفع أسعار مشتقات البترول على أنه بسبب (جشع) الدول المنتجة, بينما الحقيقة أن تلك الشركات أصابت التخمة حساباتها المصرفية عندما انخفض سعر هذا الخام الهام إلى أقل من عشرة دولارات قبل عام, وتزايد التضخم في الحسابات المصرفية لتلك الشركات بعد الزيادات الأخيرة في أسعار الخام والذي انتقل على الفور ليغرف من جيوب المواطنين المجبرين على استخدام مشتقات البترول. خلال تلك الأزمة, لم تنجح تلك الشركات, لأول مرة, في توجيه غضب المظاهرات التي عمت أوروبا خلال الشهر الماضي, والمتوقع أن تعود إلى الشارع الأوروبي من جديد نحو الدول المنتجة لخام البترول, ولم تفلح كذلك الحكومات في إبعاد شبح الأزمة الاقتصادية عن ميزانياتها المعلنة, وتعلق توقف استثماراتها الوطنية على شماعة (العقال العربي) الذي لا يزال يمثل (ثري البترودولارات) لدى الكثير من وسائل الإعلام, خاصة بعد أن شهدت الشعوب الأوروبية مؤتمر منظمة (الاوبك) الأخير الذي جرى عقده في العاصمة الفنزويلية (كاراكاس). خلال هذا المؤتمر نجح الزعيم الفنزويلي الجديد (هوجو تشابث) في تمرير رؤيته الخاصة لمراقبة أسعار البترول بين الجميع, بين (المنتج لخام البترول ومستهلكه), وكشف عن رفض شركات البترول المتعددة الجنسية لخفض مكاسبها الضخمة, وكشف كذلك عن عجز الحكومات الأوروبية في مواجهة تلك الشركات, وأثبت أن مواقف تلك الشركات وتلك الحكومات تعتبر الخطر الأكبر الذي يهدد الرفاهية التي ترفل فيها الشعوب الأوروبية والتي بات من الصعب الحفاظ عليها في ظل أسعار مشتقات البترول التي تصل للمستهلك النهائي محملة بأعباء مكسب الشركات وضرائب الحكومات. نجح أيضا الزعيم الفنزويلي لأول مرة في إبعاد الرؤية الكلاسيكية لمنتجي خام البترول العرب, ولهذا لم نعد نرى لا الجمل ولا الخيمة ولا العقال دليلا يشير على أن الخطر يأتي من (الشرق العربي) بعد أن تبين أيضا أن الغرب الفقير المتمثل في بعض دول أمريكا اللاتينية في حاجة إلى الاستفادة من مادته الخام التي لا يملك غيرها مصدرا للعملات الصعبة التي يحتاجها لإبعاد شبح الفقر عن مواطنيه. هذا الوضع الجديد جعل الكثير من صانعي الرأي العام في الغرب يطرحون سؤالا جديدا لم يعرفه الإعلام الغربي من قبل: ماذا لو كان خام البترول لدى الغرب؟, وهو سؤال له معان كثيرة, وتأثيره أقوى من أي حملة دعائية يمكن أن تقوم بها الدول المنتجة للبترول لنفي المسئولية عن نفسها. لهذا يمكن القول أن الزعيم الفنزويلي هوجو تشابث لم يكن سببا مباشرا في طرح هذا السؤال عبر وسائل الإعلام الغربية, ولكنه كان أحد الأسباب التي ساعدت على ذلك, لأن الاهتمام بتلك القمة لم يكن نابعا فقط مما أحاط بها من أهمية بسبب (أزمة الطاقة) التي واكبتها, بل كان التركيز الإعلامي على ما يمكن أن يقوله أو يفعله (هوجو تشابث) له تأثيره الفعال, لأن شخصيته كزعيم جديد يبرز على ساحة العالم الثالث في وقت تكاد تكون انتهت فيه الزعامات التقليدية كان له سحره. من هذا الجانب لم يخيب الرئيس الفنزويلي ظن وسائل الإعلام التي تابعته منذ وصوله إلى السلطة بأغلبية (يائسة) من الشعب الفنزويلي الذي كان ينام ويصحو على ثراء كالسراب يسمع عنه ولا يراه, ثراء كان يتقاسمه الحزبان التقليديان اللذان اقتسما السلطة والثروة خلال أكثر من أربعة عقود, فتكونت طبقة محدودة من الأثرياء على حساب طبقة ضخمة من الفقراء. وأيضا لم يخيب الرئيس الفنزويلي ظن وسائل الإعلام الغربية خلال إعداده لتلك القمة, فقد انطلق قبل القمة البترولية في كسر عدد من (المحرمات السياسية) التي فرضتها الولايات المتحدة على العالم كله, فقد بدأ بزيارة ليبيا التي لا تزال ترفض الولايات المتحدة رفع الحصار عنها على الرغم من القرارات الدولية الصادرة في هذا الشأن. ثم كانت زيارته للعراق كسرا لحصار آخر ترفض الولايات المتحدة التنازل عنه على الرغم من الطائرات التي تتوافد من الشرق والغرب إلى مطار بغداد متحدية الرفض الأمريكي لمناقشة الأوضاع هناك التي وصلت إلى حالة مأساوية أقل ما يمكن أن توصف به أنها (عملية تصفية جسدية للشعب العراقي). هذا اهتمام بما يفعله (رجل أمريكا اللاتينية الجديد) لفت الأنظار أيضا إلى الأوضاع الداخلية التي تعيشها فنزويلا كدولة منتجة للبترول, ورابع دولة في حجم تصدير هذا الخام, أي دولة ثرية حسب المنطق لو أنها كانت تستفيد مما تملك من هذا الخام الثمين, ولكن الواقع يؤكد أن أكثر من 70 في المائة من شعبها يعيش في حالة من الفقر المدقع. هذه الحالة التي يكتشفها رجل الشارع الأوروبي لأول مرة كانت الجديد خلال هذه القمة, وإن لم تكن المرة الأولى التي يطلع فيها رجل الشارع الأوروبي على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية التي يعيشها الفنزويليون, بل الجديد أن رجل الشارع الأوروبي لم يكن يعرف أن فنزويلا واحدة من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للبترول, ومن هنا كانت الدهشة الحقيقية, وهنا كان الاكتشاف, وما كان لهذا الاكتشاف أن يتم لو لم تركز وسائل الإعلام الغربية, المغرمة بالتعامل مع المتناقضات, على شخصية الرئيس الفنزويلي الذي لا تزال تتعامل معه وسائل الإعلام الغربية بشك, لأنها ترى فيه عدوا جديدا يضاف إلى قائمة الأعداء لدى الأنظمة الغربية التي تبحث دائما عن (عفريت) تثير به الرعب في قلوب مواطنيها. لكن خلال التركيز على أقوال وأفعال الرئيس الفنزويلي قبل وأثناء وبعد قمة الدول المنتجة للبترول في كاراكاس, ومن خلال محاولات بعض وسائل الإعلام الغربية لتشويه شخصيته كمتشدد بالنسبة للمحافظة على أسعار البترول مرتفعة, كشفت أيضا, وربما دون أن تقصد, مدى عدالة مطالبه, ومدى عدالة أن يحاول الاستفادة من خام البترول في بلاده لصالح شعبه. ساعد على هذا الاكتشاف التناقض الواضح بين شخصية الزعيم الفنزويلي الذي يحاول الحصول على أعلى سعر لخام البترول الذي تنتجه بلاده لتمويل مشروعات اقتصادية واجتماعية تخفف حدة معاناة الغالبية العظمى من المحرومين في بلاده, وبين شخصيات رؤساء الحكومات الأوروبية التي تركت (الحبل على الغارب) لشركات البترول لتتضخم مكاسبها على حساب المستهلك من مواطنيها, بل تحاول أن تحرم مواطنيها من الرفاهية التي يتمتع بها من خلال مضاعفة أسعار مشتقات البترول بمزيد من الضرائب. منذ أن بدأت أزمة الطاقة الحالية, وخلال متابعة قمة الدول المصدرة للبترول في كاراكاس, بدا واضحا عدالة المطالبة بأسعار لا تهدد رفاهية الغرب على حساب الدول المنتجة, ولو عملت الدول المنتجة والمصدرة لخام البترول على تغذية هذا التوجه لدى الشعوب الأوروبية يمكنها أن تكسب معركة إعلامية تجبر الدول المستهلكة على الجلوس إلى مائدة المفاوضات للتوصل إلى (نظام سعري) لخام البترول يضمن استقرار الأوضاع الاقتصادية بين جميع الأطراف. كاتب مصري مقيم في اسبانيا