أخطر النكبات المتعاقبة التي لحقت قضية فلسطين, بعد نكبة 1948, هي نكبة ضياع المرجعيات. وهذه النكبة ذات جذور غائرة في تاريخ قرن كامل من المقاومة والمؤامرة ومن الاحتلال والنضال ومن الهزات والهجرات. نحن اليوم على أبواب قمة عربية متباطئة خجولة بعد ان فشلت (قميمة) شرم الشيخ وقضيتنا تفتقد الى مرجعياتها المؤسسة. فلا يمكن ان نؤمن بقضية ونلتف حول قيم ونحارب في خندق ما لم تكن المرجعيات واضحة جلية, متجذرة في أعماقنا وهو ما يضمن النصر ويشحذ العزائم ويشد الهمم. ولكن بالمقابل فإن أروع المكاسب التي حققتها ثورة القدس منذ اندلاع غضبة الخريف هي استعادة المرجعيات الضائعة. أولى هذه المرجعيات قطعا هي مرجعية الاسلام وحضارته. فعادت القدس كما كانت قلب الاسلام النابض المهدد بالتهويد والزوال. والقدس محفوظة في القرآن الكريم بارك الله حولها ووعد حديث نبوي صحيح بأن الرجال الصامدين سيكونون من بيت المقدس واكناف بيت المقدس. فلا يمكن ان يكتمل اسلام المسلمين الا بالدفاع عن رمز العقيدة وانقاذها من الهمجية والتدليس والعنصرية فبيت المقدس يقع في قلوب المؤمنين وهو علامة ساطعة من علامات حضارتهم. وقد تهافت المحتل الصهيوني واسياده على طمس المرجعية الدينية الاسلامية... لا بعلمنة القضية بل بإعلان مرجعية دينية يهودية تعتمد على الخرافات والاساطير. ومضت تلك الخطة الجهنمية تبز الحق بالباطل وتحل المرجعية الصهيونية المتطرفة محل المرجعية الاسلامية السمحاء وكادت تضيع علاماتنا المضيئة في غمرة المؤامرات والخذلان والوهن لتتقلص القضية الى مجرد (أمن اسرائيل) هذا الامن البهتان الذي يقوم على دماء أطفالنا وعلى شتات خمسة ملايين لاجىء فلسطيني... ولتتضاءل حرب التحرير المقدسة لتتحول الى مجرد اتفاق يوقع في مدريد او اوسلو او كمب ديفيد او شرم الشيخ. اما المرجعية الثانية وهي اساسية فهي المرجعية الاممية او مرجعية القانون الدولي فإسرائيل ذاتها وليدة قرار أممي صدر يوم 29/11/1947 وقامت عصابات الصهيونية باغتيال الكونت برنادوت يوم 18/9/1948 وهو مبعوث منظمة الامم المتحدة الى فلسطين... وبعد حروب مريرة أقرت منظمة الامم المتحدة في قرار 242 بخاصة بأن كل ما احتلته الدولة العبرية بالقوة في حرب 1967 هي أراض محتلة بما فيها القدس ويقر ميثاق منظمة الامم المتحدة بأن الشعوب المولى عليها من حقها اعلان المقاومة بكل ما يتاح لها من وسائل بل اقر الميثاق واجب كل الدول المنضوية تحت لواء الامم المتحدة اعانة تلك الشعوب والوقوف الى جانبها. ان اسرائيل اذن خارجة عن القانون الدولي وتمارس العدوان ليس فقط على شعب فلسطين الاعزل بل وكذلك على قوانين العالم. والعالم بالطبع اصم أخرس... منذ خمسين عاما. فقد تحركت قوات الحلف الاطلسي ودكت صربيا بالقنابل من اجل مئة ألف لاجىء في كوسوفو... فلماذا لا يتحرك العالم من اجل خمسة ملايين لا يزال جلهم تحت الخيام وتحت رحمة (الاونروا) التي اطمئنت لها ضمائر الحكام لتوزع حليبا ووثائق هوية منذ عام 1948 على شعب اصيل تم اجتثاثه من وطنه وتشريده ليحل محله شعب لقطاء من بروكلين وبوسطن ويهود العراق والمغرب والفلاشا.. اما المرجعية الثالثة فهي المرجعية الوطنية اي اعتبار القضية في استراتيجيتها قضية تحرير وتحقيق استقلال. فإسرائيل واقع استعماري تماما كالجزائر الفرنسية قبل 1962 وتماما كفيتنام البطل قبل 1974, لم تتحرر هذه الشعوب الا بالنضال والتضحية وبذل الارواح ومراوحة الكفاح المسلح بالجنوح الى التفاوض لكن بلا إلغاء لخيار الحرب التحريرية تحت دعاوى السلام. فالسلام الحق العادل لا يأتي ونحن قاعدون انه يغتصب بالقوة من دعاة القوة. انه ثمرة الصبر والجهاد والبصيرة والتخطيط اما المرجعية الاخيرة التي كانت ضائعة واستعدناها فهي المرجعية القومية العربية ثورة القدس وحدت العرب وجعلت كلمة الشوارع الهادرة كلمة سواء. ولا يمكن اسقاط هذا المد القوي تحت اي شعار زائف فقد حدثت نقلة نوعية في الكفاح بدأت ترجح كفة الموازين وتعدل من وعي الجماهير ووعي الرأي العام العالمي.. وتغير من خارطة العرب نحو المصير الافضل مع مطلع هذا القرن الجديد.