لا أذكر متى استمعت الى أغنية عبدالحليم حافظ (يا جمال يا حبيب الملايين). كل ما أذكره أنني حين استمعت اليها للمرة الأولى انفعلت بها.وظللت أنفعل بها كلما سمعتها, ولم أكتف بذلك بل ظللت أشدو بكلماتها في أعماقي لسنوات طويلة, فقد كنت أؤمن بما تشير اليه, وأتعاطف مع مغنيها الذي وجد في ثورة عبدالناصر نبعا لا يغيض من الالهام, ووجدت فيه الثورة رمزا من رموزها الابداعية المؤثرة, وكان ما يشدني في الأغنية صدق صوت عبدالحليم في الاداء, وبساطة الكلمات المعبرة عن حركة التاريخ العربي الصاعد في ذلك الوقت, وتجسيدها مشاعر الملايين التي جعلت من عبدالناصر رمزا لكل آمالها وأحلامها ورغباتها. وكان كل ما حولي يدفعني الى تصديق كلمات الأغنية, وتصديق معنى الرابطة السحرية التي وصلت عبدالناصر بالملايين ووصلتها به. وكان ما انحفر في ذهني من مشاهد هذه الرابطة يؤكد المعاني والدلالات العديدة التي تولدها عبارة: حبيب الملايين, خصوصا حين كنت أشاهد الآلاف المؤلفة من هذه الملايين, وهي تهدر بالهتاف الطالع من الأعماق, وتتدافع كالسيول لتقترب من سيارة عبدالناصر, وتحييه, وتظهر له مدى حبها له, وإيمانها به, والتفافها حوله, وكان ذلك, على وجه التحديد, منذ أن خرج منتصرا من حرب السويس, وأصبح زعيم الأمة العربية كلها ومناط آمالها وأشواقها القومية. وكانت صور هذه الملايين تحفر ما قصدت اليه كلمات الأغنية في أعماقي, فأغدو واحدا من الجموع الهادرة التي كنت أراها في (جريدة مصر الناطقة) وعلى شاشات أجهزة التلفاز, بل الجموع التي كنت أذوب فيها مع كل احتفال قومي حضرته أو شاركت فيه, كي أصبح واحدا من هذه الملايين التي أحبت عبدالناصر لأنه أحبها, ومنحها حياته, وضحى بأغلى ما عنده ليحقق لها مطالبها, فوجدت فيه بشارة الحرية والعدالة الاجتماعية التي انتظرتها طويلا, وارتبطت به كما لم ترتبط بأحد قبله أو بعده طوال تاريخنا العربي الحديث والمعاصر. وكان هو في سلوكه وأفعاله ومواقفه عند حسن ظن هذه الجماهير, فقد عاش بسيطا, متقشفا, لا يملك شيئا, زاهدا في متاع الدنيا, لم يجد حتى أعدى أعدائه مطعنا في نزاهته أو إخلاصه الكامل لكل ما نذر نفسه لتحقيقه, ولم يتردد أو يدخر وسعا في العمل على تنفيذ مطالب الملايين التي أحاطت به من المحيط الى الخليج. وكانت هذه الملايين تشبهه كما كان يشبهها, خصوصا في اانطواء على حلم المستقبل, ورغبة الانتقال من وهاد الضرورة الى ذرى الحرية, والعبور من مهاوي التخلف الى آفاق التقدم. ولذلك كان وعيه ممتلئا بهذه الملايين التي كانت ضميره كما كان هو ضميرها, وكانت فقيرة مثلما كان هو فقيرا, وكانت صادقة مثلما كان هو صادقا, فأصبح هو إياها في الامتلاء بقضايا الفقراء البسطاء التي وضعها على رأس أولوياته, كما أصبح هو إياها في اتحاد الرمز بالمرموز اليه في العلاقات التي ينطق فيها المفرد بصيغة الجمع. ولن ينسى أبناء جيلي اتحاد الرمز بالمرموز اليه عندما أعلن عبدالناصر تأميم قناة السويس في يوليو 1956 , في مدينة الاسكندرية, مستهلا عهدا جديدا من عودة الثروة العربية الى أبنائها, ولن ينسى أحد من أبناء هذا الجيل ذهاب عبدالناصر الى الجامع الأزهر ليخطب في الجماهير التي ضاق بها المسجد في ذروة العدوان الثلاثي على مصر, ولن ينسى عربي قومي أمواج البشر اللانهائية التي اندفعت لتحية عبدالناصر عندما ذهب الى سوريا أيام الوحدة, وحملت سيارته حملا, كما لو كانت تريد رفعها على الأعناق. وكانت الحماسة الهادرة هي هي في استقبال الجماهير العربية له في اليمن والمغرب ومالي والجزائر والسودان وتونس وغيرها من أقطار الأمة العربية, كأن كل هذه الأقطار صارت قطرا عربيا واحدا في وعود المستقبل التي بدت قريبة المنال في سنوات الحلم التي رادها عبدالناصر. أحيانا, كنت أقول لنفسي, إن الجماهير العربية, خارج مصر, تلتف حوله أكثر من الجماهير المصرية, ولكنني كنت أعود فأراجع نفسي وأدرك أن محبة عبدالناصر كالإيمان به تيار سار من المحيط الى الخليج, وانه خارج مصر وداخلها يظل حبيب الملايين التي نطق باسمها في كل مكان ذهب اليه, وفي كل نشاط دولي أسهم فيه بما رفع من قدر الحضور العربي على نحو غير مسبوق, حدث ذلك في شهر مارس سنة 1955 عندما حضر مؤتمر باندونج, أول مؤتمر لحركة عدم الانحياز التي سطع فيها حضوره الى جانب حضور سوكارنو (أندونيسيا) وشوين لاي (الصين) وتيتو (يوغسلافيا) ونهرو (الهند) وحدث ذلك في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1960 , حين ظهر تأثير مجموعة عدم الانحياز التي استقطبت رؤساء الدول الآسيوية والافريقية المتحررة, وحدث ذلك في مؤتمر القمة الافريقي الأول في أديس أبابا (الحبشة) سنة ,1963 وفي مؤتمر القمة الافريقي الثاني الذي انعقد في القاهرة في العام التالي مباشرة, وهو العام الذي انعقد فيه مؤتمر عدم الانحياز الثاني, وتلك أمثلة فحسب على الحضور الدولي الذي ارتفع فيه الصوت القومي لعبد الناصر داعيا الى تحقيق احلام معذبي الأرض العربية, جنبا الى جنب معذبي الأرض في كل مكان. ولذلك ارتبط عبدالناصر بحركات التحرر الوطني في كل مكان على امتداد الكرة الأرضية التي نهضت شعوبها المقهورة, مستعيدة حريتها من براثن الاستعمار القديم الذي ظل مهيمنا عليها. وأصبحت صور عبدالناصر في كل مكان, حاضرة مع قيادات التحرر الوطني التي عرفته واستلهمت أفكاره, ومضت في خطى طريقه الواعدة بالحرية الوطنية والعدالة الاجتماعية, وأضاف هو اليها بعد أن أصبح رمزا كبيرا من رموز التحرر الوطني. ولا تزال ذاكرة أبناء جيلي تحتفظ بصور عبدالناصر مع صديقه نهرو وصديقه تيتو, جنبا الى جنب مع صوره مع سوكارنو وأنديرا غاندي وباندرانيكة وسيكوتوري ونيريري وجومو كينياتا وكاسترو والأسقف مكاريوس وغيرهم من قادة التحرر الوطني وزعماء العالم الثالث الذي عمل معهم عبدالناصر على تأسيس سياسة عدم الانحياز في سياقات الاستقطاب العالمي والحرب الباردة.. ولقد ظل عبدالناصر في القلب من حركة عدم الانحياز بما ظل منطويا عليه من علاقة غير مسبوقة بالجماهير التي أحبته ومنحته ثقتها في كل مكان. أذكر أن عامي الجامعي الأول بكلية الآداب في جامعة القاهرة لم يمض قبل أن يحفر في قرارة عقلي المزيد من حضور دلالات الرمز الذي تحول اليه عبدالناصر الذي صار حبيب الملايين بالفعل. كنت داخلا الى الكلية في صباح أحد أيام الشهر الأول أو الثاني من العام الدراسي, لم أعد أذكر على وجه التحديد, فلاحظت تجمعا من بعض الطلاب يهتفون هتافات قومية, فجذبني التجمع الذي توجهت اليه بدل الدخول الى الكلية. وشيئا فشيئا, أخذ التجمع يتزايد وتعلو هتافاته, وسرت مع السائرين في اتجاه مدخل قاعة احتفالات جامعة القاهرة. وصعد قادة المظاهرة على أعلى سلالم المدخل ليخطبوا في بقية الطلاب الذين احتشدوا أمام درجات سلم المدخل, ودفعتني الحماسة الى الصعود والوقوف الى جانب المتحدثين الذين كان أغلبهم من غير المصريين. واستغرقني الموقف فلم أنتبه إلا الى حركة غير عادية حولي. وفجأة, وجدت جمال عبدالناصر بشخصه وجسمه, يبرز من داخل قاعة الاحتفالات, ويقف بيننا, باسما, حانيا, وفزعت من الدهشة, وأحسبني أصبت برجفة لم أعهدها, فقد كانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أجد نفسي فيها قريبا من عبدالناصر الذي لاحظ فزعي, فربت على كتفي بحنو الأب الباسم. ولم يستغرق الأمر سوى ثوان خاطفة, تصدر بعدها المتحدثون. ولا أعرف من أين أتوا له بميكروفون من تلك الميكروفونات التي كان يستخدمها رجال المرور. وأخذ عبدالناصر يخطب, ويحدثنا عن الهموم القومية التي كنا نهتف مطالبين بتحقيق أحلامها, وظل يتحدث ونحن نستمع اليه كأن على رؤوسنا الطير, ولم أنتبه إلا والتجمع الطلابي يغدو حشدا حاشدا في دقائق. وامتلأت الساحة الواسعة المواجهة لقاعة الاحتفالات بالطلاب الذين ضاقت عن استيعابهم رغم اتساعها الكبير, وظل الحشد الحاشد يتزايد بمجموعات جاءت من كل اتجاه, وأخذت الأتوبيسات المارة أمام الجامعة تتوقف بمجرد أن عرف الركاب أن عبدالناصر يخطب في ساحة جامعة القاهرة, وكدت أختنق من وطأة الزحام في موضعي الذي حاولت التشبث به. وظللت أصارع كي أبقى قريبا من هذا الزعيم, ولكنني لم أفلح إلا في البقاء على أعلى سلالم مدخل قاعة الاحتفالات, حيث لمحت عيني الأمواج البشرية الممتدة من داخل الحرم الجامعي الى خارجه في الطريق الذي لا ينتهي مع كوبري الجامعة. ولم أعد أسمع سوى صوت الآلاف العديدة من الجماهير التي صارت كلها جسدا واحدا, تحولت, بدوري, الى خلية من خلاياه المتطلعة نحو: حبيب الملايين.