بينما تتواصل المقارعة الدامية بين الرصاص الاسرائيلي والحجر الفلسطيني فوجىء الاسرائيليون شعبا وحكومة بتطور غير منظور هو الاول من نوعه. فقد اصدرت الحكومة الفرنسية امرا رسميا بمنع ابرز سياسي اسرائيلي من زيارة فرنسا. هذه اللطمة الاوروبية الموجعة للدولة اليهودية تأتي بعد صدمة مماثلة اسيوية ووسط مناخ جديد يتبلور في أنحاء اوروبا الغربية. ففي الاسبوع الماضي منعت الحكومة الاندونيسية وفدا اسرائيليا من زيارة العاصمة جاكرتا لحضور مؤتمر برلماني ذي صفة عالمية. اما المناخ الجديد في اوروبا فانه يتمثل في تنامي ظاهرة عداء ضد اليهود تتفاعل في فرنسا.. ويتوقع ان تنتشر الى بريطانيا وغيرها. وتخوف السلطات الفرنسية الرسمية من تفاقم هذه الظاهرة واتخاذها منحى امنيا خطيرا هو الذي دفع بها في الحقيقة الى منع زعيم تكتل (الليكود) الاسرائيلي ارييل شارون من زيارة البلاد.. علما بان هذه الزيارة المزمعة جرى الترتيب لها بواسطة المنظمات اليهودية الفرنسية فأعدت لشارون برنامج لقاءات جماهيرية بهدف تحسين الصورة الاسرائيلية واليهودية. والشاهد في هذا السياق انه لا الخطوة الاوروبية ولا الخطوة الاندونيسية ــ وكلتاهما غير مسبوقتين ــ ما كان لاي منهما ان يحدث لولا الاصداء السياسية العالمية التي افرزتها الانتفاضة الفلسطينية العارمة. فقد حركت الانتفاضة بايقاعاتها القوية ذلك السكون الدبلوماسي في الساحة الدولية تجاه القضية الفلسطينية. ولاتزال الانتفاضة تسجل من يوم الى يوم فتوحات سياسية ودبلوماسية لم تكن حتى قابلة لمجرد التفكير لولا النقلة النوعية للعمل الوطني الفلسطيني من مجال التفاوض العقيم الى مجال الانجاز النضالي الملموس على الارض. باكورة الفتوحات الدبلوماسية جاءت من فرنسا ايضا. فقد اثار الرئيس الفرنسي جاك شيراك غضب اسرائيل خلال الاسبوع الاول للانتفاضة عندما حرض الرئيس ياسر عرفات على التمسك العنيد بمطالبته بتشكيل لجنة دولية للتحقيق في الاستفزازات الاسرائيلية التي دعت الشعب الفلسطيني الى اللجوء لاسلوب العنف الثوري. وتمسك عرفات بمطلب اللجنة الدولية مع تصاعد الفوران الشعبي الفلسطيني دفع بحكومات العالم العربي والعالم الاسلامي بدورها الى المطالبة بعقد اجتماع استثنائي للجنة حقوق الانسان الدولية التابعة للامم المتحدة لتنظر في ادانة اسرائيل. جرى هذا على خلفية صدور بيان ناجز من (منظمة العفو الدولية) يحمل ادانة صريحة لافراط القوات المسلحة الاسرائيلية في قمع المدنيين الفلسطينيين. في هذه الاثناء كان فوران الشارع في العالم خارج فلسطين ينتظم العواصم والمدن الكبرى من نيويورك الى كوالالمبور عبورا بنواكشوط والقاهرة. وعلى هذه الخلفية العريضة توالت تطورات عديدة: تخوفت الولايات المتحدة من استخدام الفيتو في مجلس الامن الدولي لاحباط مشروع قرار يشجب اسرائيل فاكتفت بالامتناع عن التصويت. بريطانيا, الحليف الاول لامريكا, تخلت عنها هذه المرة فصوتت لصالح مشروع القرار. سلطنة عمان اغلقت مكتب التمثيل الاسرائيلي في مسقط ومكتبها التمثيلي في تل ابيب. ثم جاء دور (حزب الله) اللبناني ليذهل العالم بأسره بأسر ثلاثة جنود اسرائيليين واعتقال عقيد استخبارات اسرائيلي معلنا في كلا الحالين ان الانجازين هدية الى جماهير الانتفاضة الفلسطينية. ومع انتقال الانتفاضة المتسارع من ذروة الى ذروة لن يتوقف مسلسل المفاجآت والفتوحات.