تشير الإحصاءات الرسمية الى أن قانون التعليم الإلزامي يطبق على 98% من الأولاد في السن الملائمة للمرحلة الابتدائية ويحتوي منهاج تعليمهم على 14 موضوعاً إلزامياً على النحو التالي: الدين اليهودي, اللغة العبرية, الحساب والهندسة, الطبيعة, البيئة والزراعة, الوطن والمجتمع, الجغرافيا, التاريخ, المدنيات, اللغة الأجنبية (إنجليزية أو فرنسية) الأشغال اليدوية والتدبير المنزلي, الفنون, الموسيقى والرياضة, كما يحق للمدرسة إضافة موضوعات أخرى تختارها بنفسها. وبالنسبة للمنهاج المطبق في المرحلة الإعدادية, فإنه يضم عشرة موضوعات تعليمية: الدين اليهودي, اللغة العبرية, اللغة الأجنبية (إنجليزية أو فرنسية), الرياضيات, التاريخ والمدنيات, الجغرافيا العامة وجغرافية إسرائيل, العلوم الطبيعية, موضوعات مهنية مختلفة, فنون ورياضة. ويصنف التعليم الثانوي حسب نوع المدارس والفروع والمسارات فهناك تعليم مهني وتعليم نظري وكل منهما له فروع متعددة ويعتمد النظام التعليمي الثانوي على نظام الوحدات في منهاج التعليم, حيث تقدم المدارس الثانوية للتلاميذ موضوعاً دراسياً ويعتمد نظام الوحدات على أن كل موضوع دراسي يتألف من خمس وحدات وكل وحدة تشمل كمية من المواد يتم تدريسها في 90 حصة خلال ثلاث سنوات. ويستطيع التلميذ أن يختار عدد الوحدات التي يرغب في دراستها والتقدم للامتحان فيها بشرط أن تكون هناك مواد إلزامية. وما زال هذا المنهاج تحت التطور. يتكشف لنا من سياق النظام التعليمي الإسرائيلي حتى المرحلة الثانوية مبدأين مركزين, الأول مركزية الحكومة الإسرائيلية في مجال التوجيه والتخطيط والتمويل ومنهاج التعليم. رغم تعدد وتنوع الجهات الداخلة في العملية التعليمية. المبدأ الثاني تركيز وتكثيف دراسة الديانة اليهودية واللغة العبرية والجغرافيا الإسرائيلية والتاريخ اليهودي والوطن والمجتمع من الحضانات حتى المرحلة الثانوية ولعل ذلك يؤكد لنا أن التنشئة الاجتماعية التي تتم للأجيال الجديدة في إسرائيل تنشئة محكومة بأغراض قيام الدولة الإسرائيلية, تستند على مرتكزات ثلاثة أولها المرتكز التاريخي والمواكب لنشأة الديانة اليهودية وتطورها ومقولاتها الخاصة بوعد الرب "لإبراهيم" و"اسحق" و"يعقوب" بما يسمونه "أرض الميعاد" والذي انبثق منه وهم القومية اليهودية. ثانيها: مرتكز معاداة السامية وعقدة الهولوكوست والبحث عن مخرج للخلاص من الاضطهاد وربط ذلك بالأرض الموعودة من قبل الرب. ثالثها: الربط بين مصالح الغرب الرأسمالي ومصالح اليهود في منطقة الشرق الأوسط. و هكذا يساهم التعليم في اسرائيل في تنشئة الأجيال الجديدة على أسس اسطورية عنصرية تنظر للآخر نظرة استعلاء وتعتبر التفوق بمثابة بطاقة دخول العصر واللحظة المعاشة, وتعتبر جنسها جنساً سامياً متميزاً عن الآخرين يحق له الاستيطان والترحيل القسري لأهل الأرض الأصليين. وهكذا عبر التعليم يتم صناعة جزء كبير من الرأي العام الإسرائيلي. كما تقوم وسائل الإعلام الإسرائيلية بدور كبير في التنشئة الاجتماعية للأجيال الجديدة مساهمة بذلك في صناعة الرأي العام الإسرائيلي. كان الإعلام الإسرائيلي والصهيوني بنداً رئيسياً من بنود التخطيط العام للحركة الصهيونية ومن بعدها للدولة الإسرائيلية وقد تميز الإعلام الصهيوني, قبل قيام الدولة وبعدها بارتباطه العضوي بأهداف استراتيجية الحركة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في بال بسويسرا عام 1897 من أجل العمل على قيام الوطن القومي اليهودي في فلسطين, حيث أكد البند الثالث على أهمية الإعلام والتثقيف في تنفيذ ذلك الهدف عبر العمل على نشر الروح القومية والوعي القومي بين يهود العالم. وهكذا استمر الإعلام الصهيوني في تثقيف اليهود حيثما وجدوا, عملاً بالبند الثالث من برنامج مؤتمر بال وكان من نتائج العمل الإعلامي الصهيوني أن أصبحت قضية فلسطين لدى الرأي العام الأوروبي والأمريكي وكأنها قضية الشعب اليهودي "المضطهد" الذي يناضل من أجل الاستقلال. وبعد قيام الدولة الإسرائيلية كان لابد من تطوير السياسات الإعلامية في الخارج والداخل للحث على استمرار الهجرة اليهودية الى فلسطين وتوسيع الحدود بحيث يطابق ما أمكن حدود الاسطورة والعمل على تطوير الدولة اقتصادياً وعسكرياً حتى تكون الأقوى في المنطقة وهي أهداف استيطانية عدوانية كان لابد من رسم ملامح للسياسة الخارجية وبالتالي الإعلامية المخادعة حيث تأسست على نظرية الدفاع الاستباقي عن النفس, وهنا تناول الإعلام الحديث عن الدولة الصغيرة الناشئة والمحاطة بدول معادية تعمل من أجل القضاء عليها, من هنا وجب على الدول المحبة للحرية مساعدتها على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والعلمية والتسجيلية فلا سبيل إليها إلا الكيف في مواجهة الكم. وانطلاقاً من تلك النظرية الدفاعية الاستباقية عمل الإعلام الإسرائيلي على خلق الإحساس لدى الرأي العام العالمي في كل مكان بأن سلام العالم وأمنه يرتبط الى حد كبير ببقاء إسرائيل والمحافظة عليها والدفاع عن تصرفاتها. وفي سبيل الوصول الى ذلك كانت استراتيجية كسب الأنصار عبر نشر الأهداف الصهيونية بين يهود العالم, وإعدادهم نفسياً للهجرة الى فلسطين تحقيقاً للنبوءة الدينية اليهودية بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين وإنقاذاً لهم من لعنة اللاسامية التي سوف تلاحقهم في الخارج بعيداً عن الوطن الموعود. وأضافت إسرائيل بعد نشأتها هدف محاربة الاندماج الى سياستها الإعلامية وقد عمل الإعلام الإسرائيلي ولا يزال سعياً وراء تحقيق هذه الأهداف من خلال شعارين ابتدعهما بن جوريون هما: (1) التأكيد على أن يهودية اليهودي لا تكتمل إلا بالهجرة الى إسرائيل. (2) التأكيد على أن الحليف المخلص الوحيد "لدولة إسرائيل هو اليهود". بعد ذلك استطاع خبراء الإعلام الإسرائيليون أن يبحثوا عن مداخل صالحة للأوطان والبلدان المتوجهين إليها كما أنه من المعروف أن الإعلام الإسرائيلي المشارك بقوة في التنشئة الاجتماعية للأجيال الجديدة في إسرائيل يتكون من الإذاعة والتليفزيون وهما جهازان حكوميان, ولكن تتولى الإشراف عليهما سلطة مستقلة لها شخصية اعتبارية كهيئة قانونية أنشئت عام 1965 وقد حدد البند (3) من قانون الإذاعة والتلفزيون الذي وافق عليه الكنيست في مارس 1965 وتم تعديله في ,1968 حدد وظيفة الإذاعة والتلفزيون في التالي: بث البرامج التعليمية والتسلية والمعلومات في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والفنية يكون هدفها إبراز طابع الكيان الصهيوني ونضاله وإبداعه وإنجازاته, تنمية وتطوير المواطنة الصالحة, تنمية الصلة بالتقاليد اليهودية وتعميق هويتها, إبراز نمط حياة وثقافة الجماعات اليهودية في العالم, إبراز نمط حياة اليهود في الشتات, خدمة الأهداف التعليمية كما جاءت في قانون التعليم الرسمي, خدمة الإبداع العبري والصهيوني, بث برامج موجهة ليهود الشتات, بث برامج خارج فلسطين. بعد الإذاعة والتلفزيون يأتي دور أجهزة الإعلام في وزارة الخارجية, حيث تعتبر وزارة الخارجية الإسرائيلية بكاملها جهازاً إعلامياً موجهاً للعالم عبر الدول المعترفة بإسرائيل والمنظمات التي تشارك فيها إسرائيل, وتعمل جميع أجهزة وزارة الخارجية كجهاز إعلام يروج للدعوة لعودة اليهود الى وطنهم الأم والى دولتهم إسرائيل! و يروج لتقدم إسرائيل ويقدمها على أنها جزء من حياة الغرب الحر وأنها مستهدفة بشكل دائم من جيرانها العرب ويتم ذلك عبر مركزية تخطيط دائرة الإعلام في الخارجية الإسرائيلية ودائرة التعاون الدولي, ودائرة العلاقات الثقافية والعلمية والمكتب الصحافي بوزارة الخارجية وقسم رعاية الوفود الرسمية. بعد ذلك يأتي دور مركز الإعلام في وزارة التربية ومن ثم أجهزة الإعلام في وزارة الدفاع وأجهزة الإعلام في مكتب رئاسة الوزراء والنشاطات الإعلامية لوزارة السياحة وأجهزة المخابرات والاستخبارات (الحرب النفسية) وأخيراً معاهد الرأي العام (معهد بوري ــ معهد موديعين ازراحي ــ معهد سميث ــ معهد جالوب ــ معهد داحف ــ معهد الاتصالات التابع لجامعة تل أبيب ــ النادي الشرقي المعهد الإسرائيلي لأبحاث المجتمع المعاصر ــ معهد الأبحاث الاجتماعية التابع للجامعة العبرية ــ معهد الأبحاث التابع لمكتب التحقيقات المدنية في إسرائيل) وهكذا عبر شبكة من الأدوات والوسائل الإعلامية وعبر استراتيجية كاملة التفاصيل يمارس الإعلام الصهيوني تنشئة الأجيال الجديدة عبر تلقينهم المبادئ الصهيونية والأساس الذي تعتمده هذه الوسائل في تنشئة الأجيال الجديدة هو تنمية عقدتي الخوف والتفوق, والخوف من العرب والتشكيك في نواياهم داخل فلسطين وخارجها وتواصل الطرق على الخوف من الأغيار وما نتج عن ذلك من معاداة السامية في أوروبا والعالم ووقع نتائجه على اليهود في الهوكولوست النازي والتفوق التكنولوجي والقيمي على العرب, امتدادا لنظرة وقيمة التميز العرقي وبالتالي فلابد أن يكون التفوق طبيعياً عند هذا الشعب! ويؤدي تكريس قيمتي الخوف والتفوق الى نتيجة مفادها أن العقلية العربية عقلية متخلفة لا تعرف سوى لغة القوة وأنه لا يمكن مواجهة خطر التدمير الهمجي للعرب سوى باستخدام لغة القوة والتفوق المادي والحضاري, والهيمنة على كافة الأصعدة حتى تستطيع إسرائيل العيش في بحر من التخلف والهيمنة والقذارة. ولقد كان قول شمعون بيريز في دافوس الأخير دليل على ذلك الفهم رغم أنه من الحمائم كما يطلق عليه مروجو ضرورة اختراق الرأي العام الإسرائيلي بالسلام!! هكذا نجد أن الصهيونية بعناصرها والتنشئة الاجتماعية عبر الإعلام والتعليم تساهم بشكل كبير في تشكيل الرأي العام الإسرائيلي. يتبقى عنصراً آخر مهما وهو عن النخبة السياسية والعسكرية في إسرائيل ومساهمتها في تشكيل الرأي العام الإسرائيلي ومن أجل تناول ذلك بعمق موضوعي لابد من تناول العناصر التي تتكون منها السلطة بعبارة أخرى مراكز القوى الممارسة الفعلية للسلطة, وكيفية الممارسة وأهداف الطبقة الحاكمة؟ أو النخبة الحاكمة؟ في التجمع الإسرائيلي شرائح وطبقات اجتماعية متعددة تبدأ بالدرجة الأولى السفلى من السلم الاجتماعي حيث يعيش عرب 48 والقطاعات الواسعة منهم. والدرجة الثانية السفلى حيث يعيش قطاع من اليهود الشرقيين غير المؤهلين لأعمال هامة في تقسيم العمل الإسرائيلي, وهي أقرب الى الأعمال الهامشية والوضعية, والدرجة الثالثة يهود غربيون وأجيال جديدة من التي نالت قسطا عاليا من التعليم ودرجت على وظائف صناعية ومالية وتكنولوجية, الدرجة الرابعة رجال الأعمال والعسكر وقيادات الأحزاب, الدرجة الخامسة صفوة القوة من رجال مال وإلكترونيات وسلاح. وتحديد القوى الحقيقية التي تتحكم في حقيقة السلطة بغض النظر عن الإطار الخارجي لأعمال السيادة, حيث أن ممارسة السلطة في التجمع الإسرائيلي يسيطر عليها مبدآن حسب قول د. حامد ربيع في كتابه الهام "من يحكم في تل أبيب" هما: مبدأ التمثيل السياسي ومبدأ المشاركة. وهذا يعني حقائق ثلاث كانت ولا تزال تسيطر على علاقة القوة التي تسمح بتماسك الجسد السياسي الإسرائيلي: أولاً: تعدد القوى المشكلة للجسد السياسي. ثانياً: تشابك تلك القوى تشابكاً منظماً. ثالثاً: الحركة السياسية, لممارسة السلطة تتم من خلال قنوات القوى السياسية. من هنا فالقوى السياسية في إسرائيل تبدأ بالأحزاب المتعددة من اليسار لليمين من العلماني للديني, ثاني تلك القوى الهستدروت ودوائر حركته. باحث مصري