(بيجين) هو الاسم الذي طلب الصينيون.. نطق عاصمتهم على أساسه حيث رأوا ان في الاسم القديم (بكين) ما يذكرهم بالنطق الفرنسي المنحدر من ايام استعمار فرنسا للهند الصينية.. عندما يطرح الدكتور زبجنيو بريجنسكي آراءه في مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية فإن أوساطا عديدة في أمريكا وخارجها تصغي الى هذه الآراء جيدا ومهما اختلفت مع طروحاتها وتوجهاتها, فإنها لا تملك الا ان تأخذ هذه الآراء على محمل الجد. أولا: لأن بريجنسكي استاذ مشهود له بالعمق والكفاءة في مجال العلوم السياسية. ثانيا: لآنه جمع يوما ــ شأنه في ذلك شأن هنري كيسنجر بين الموقع الاكاديمي وبين موقع المسئوليات التنفيذية او فلنقل الرسمية حين عمل أربع سنوات كمستشار للرئيس الامريكي الاسبق كارتر لشئون الامن القومي. ثالثا: لان بريجنسكي اشتهر عنه آراؤه التي قد لا نوافقه عليها من حيث امعانها في تكريس مصالح امريكا ولو على حساب مصالح امم وشعوب اخرى, الا ان هذه الآراء كثيرا ما تحققت توقعاتها وفي مقدمة هذه التوقعات ما ظل الرجل يردده منذ عقد الثمانينيات من تداعي وتصدع الكيان ــ الديناصور الذي كان يحمل يوما اسم (الاتحاد السوفييتي). رابعا: لان زبجنيو بريجنسكي ــ على خلاف كيسنجر هذه المرة ــ لم ترق له فيما يبدو لعبة النجومية الاجتماعية, ولذلك فقد ظل في حال من التواصل مع نهجه الاكاديمي يخرج كتابا بعد كتاب ويطلع على الناس بدراسة اثر دراسة, دون ان يستهويه مثلا ان يدلي بآرائه في كل قضية وان تظهر صورته مع كل حدث او ان يلبي ــ كما يفعل كيسنجر باستمرار طلبات المذيعين والمذيعات كي يسمع الناس صوته فيما يشبه الحرص الدائم على اثبات الذات. دراسة حديثة عن الصين من هنا احتفل المراقبون بالدراسة التي نشرها البروفيسور بريجنسكي اخيرا عن دور الصين المرتقب في السياسة الدولية مع حلول سنوات القرن الجديد (مجلة ناشيونال انترست الفصلية, عدد الربيع من عام 2000). ومن الطبيعي ان يظل موضوع الصين ودورها وآفاق هذا الدور محل اهتمام ومتابعة عميقين, ولكن جاء الاسلوب الذي طرح به كاتب الدراسة افكاره وتحليلاته وهو اسلوب يتسم ــ كما نتصور ــ بالجمع بين تكثيف الفكرة ورشاقة العبارة, جاء ليضفي مزيدا من الجاذبية على الدراسة التي اختار لها صاحبها هذا العنوان: التعايش مع (وجود) الصين. ولو كان الامر مقتصرا على علاقات واشنطن وبيجين ــ العاصمة الصينية (وبالمناسبة فهذا هو الاسم الذي طلب الصينيون نطق عاصمتهم على اساسه حيث رأوا, ولو متأخرين بعض الشيء ان في الاسم التقليدي القديم بكين تذكرة بالنطق الفرنسي المنحدر من ايام الاستعمار الفرنسي لمنطقة الهند الصينية) ــ لو كان الامر مقتصرا على مصالح امريكا والصين وحدهما لما حاز منا الاهتمام ــ ولكن الاهم من منظورنا العربي هو دور الصين المستقبلي كقوة سياسية يعتد بها, خاصة مع تآكل لا سبيل الى انكاره في دور روسيا,, والاهم ايضا هو ان ليس بيننا كعرب وبين الصين ميراث سلبي وقد يكون العكس هو الصحيح منذ بدأت العلاقات العربية ــ الصينية بدايتها الصحية والصحيحة بعد تأييد بيجين للعرب خلال حوادث العدوان الثلاثي في حرب السويس عام 1956. ثم ان الصين يمكن ان تكون في يوم من الايام ومع مزيد من الجهد العربي الواعي والمثابر قطب توازن لصالح العرب في وجه الهيمنة الامريكية بل والغربية بشكل عام, فضلا عن الامكانات التجارية التي تعد بها من حيث حجم السكان واتساع السوق, ناهيك عن دينامية حركة النمو الاقتصادي الذي بلغ مستوى رقمين في خانتي الآحاد والعشرات وهو معدل غير مسبوق لا في الدول المتقدمة ولا في الدول النامية. (تأمل في هذا السياق مثلا ما نقلته وكالات الانباء يوم 14 أكتوبر الحالي من وقائع الاستعراض العسكري الذي شهدته العاصمة الصينية. وبصرف النظر عن ضخامة الاسلحة او الحشود, فما ينبغي ان يسترعي النظر والتدارس حقا هو دخول الصين عصر الصواريخ, ناهيك عن سبق دخولها عصر القوى النووية وتلك مؤشرات في غاية الاهمية عن مدى ما وصلت اليه من تقدم سواء في مستوى التعليم العام او الانجاز العلمي او التطبيقات التكنولوجية). لكل هذه الاسباب ما زالت الصين تحوز اهتمام استاذ العلوم السياسية بريجنسكي.. وينبغي ان تحوز اهتمامنا ايضا من موقعنا العربي ــ القومي. حضارة الماضي وانعكاسات الحاضر يمهد الدكتور بريجنسكي بين يدي موضوعته بعبارات يقول فيها: ان التعامل (والتواصل) مع الصين ينبغي ان يكون واحدا من أربعة محاور في غاية الاهمية لابد وان تدور من حولها سياسة الولايات المتحدة. اما المحاور الثلاثة الاخرى فهي التعامل مع كل من: أوروبا واليابان وروسيا. ولقد امضى الرجل اكثر من ربع قرن ــ كما يقول في الدراسة ــ عاكفا على دراسة الادبيات ــ المؤلفات والكتابات المتاحة عن الصين وبالذات عن آفاق تطورها من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية وها هو يوجز خلاصة هذا الدرس العميق المستفيض حين يقول بأسلوبه المميز: الصين هي من الضخامة لدرجة لا تسمح بتجاهلها, ومن تقادم السن لدرجة لا تسمح بالتهاون في شأنها وهي ايضا من الضعف لدرجة لا تستدعي استرضاءها, ولكنها من الطموح لدرجة توجب معاملتها بقدر عميق من المبالاة والاهتمام. ثم تحاول الدراسة ان تلقي مزيدا من الضوء على هذا الاجمال حين توضح ان الصين تنتهي الى حضارة قديمة وأصيلة وانها تضم نحو 20 في المئة من سكان كوكب الارض وان مراحل حياتها الطويلة دارت عبر نوع من التواصل غير المنقطع من حيث وجود وفعالية الدولة ــ القومية (بعيدا عن التجزئة الى دويلات في معظم الاحيان), ولكن الاخطر هو ما ظلت الصين تشعر به, عبر سنوات القرنين الماضيين من احساس بالمهانة وقد كان احساسا له ما يبرره ــ في رأي بريجنسكي ــ في احيان كثيرة, فضلا عن احساس مناقض كما قد نسميه بالثقة الزائدة في النفس يصل في رأيه احيانا الى درجة من الغرور ومع ذلك, فالصين في كل حال لاعب رئيسي في اقليم الشرق الاسيوي الاقصى, ولكنه ــ في رأي بريجنسكي ايضا لم يصل الى مستوى من القوة بحيث ينافس سطوة امريكا على المستوى العالمي ــ الكوكبي ان شئت الدقة, ولا بحيث يزيح المنافس الآسيوي الآخر ــ اليابان او يتغلب عليه. مشروع لم يتم بعد من هنا يرى استاذ علم السياسة الامريكي ان الصين اقرب ما تكون الى (مشروع لم يتم بعد). ثورتها الشيوعية تقطعت بها الانفاس كما يقول واصلاحاتها اللاحقة للشيوعية لم تكتمل وخاصة على المستوى الصناعي ــ الحضري ــ الاقتصادي ومن ثم اصبح نظامها الراهن خليطا ان بكين هجينا يجمع بين الجمود المذهبي (الدوجما العقائدية والبيروقراطية الحزبية) وبين تيارات الحركة الدينامية المتمثلة في مشاريع الاستثمار والنشاط الاقتصادي المنفتح الجديد. وترى الدراسة ان هذا التناقض في حياة المجتمع الصيني المعاصر كفيل بأن يتسع يوما ربما الى درجة الطلاق او هو الازمة او حتى الانفجار وان كان يراهن ــ كما تقول جمهرة من المنكرين والساسة في امريكا والغرب على انسحاب وزوال جيل الثورة الماوتسية الثقافية ولو بالتدريج من الصورة ــ هو الجيل الذي يشارف اصغر افراده على سن الستين وبعضهم شارف على السبعين واكثر.. والمراهنة هنا ليست لعبة سلبية يضع فيها اللاعبون النرد على الارقام بانتظار دوران لعبة الحظ السعيد, ولكنها مراهنة ايجابية بمعنى ان هناك من يعمد من الغرب ــ امريكا بالذات ــ الى محاولة تحريك عجلة الخطر ارتقابا للتغيرات التي يتوقعونها او يراهنون على حدوثها في مجتمع الصين: وابرز هذه التغييرات هو ان يتحول المجتمع الصيني الى حيث الاستهلاك على النمط الامريكي ــ الى حيث ثقافة الكولا والهامبورجر وسراويل الجينز وسيطرة الصورة المتلفزة على عقول وسلوكيات الناس. والمسألة بهذا الشكل لم تعد تحتمل مجرد الانتظار.. ثمة مهام تلح على خاطر رجل السياسة وصانع القرار في امريكا والغرب بأن فترات التحول الراهنة في حياة مجتمع الصين هي انسب مواسم التحرك للتواصل مع بيجين التي لم يعد ثمة ما يغريها بأن توحد خطاها او تنسق سياساتها مع الغرب على ضفتي المحيط الاطلسي بعد ان زال من الوجود خصمها التقليدي في الكرملين السوفييتي. ضد الهيمنة الامريكية من هنا وصلت علاقات الصين ــ امريكا الى وضع فيه من الغرابة ما فيه ويصفة بريجنسكي قائلا: اليوم, وبعد ان راحت ايام الاتحاد السوفييتي لم تعد الصين, لا خصما لامريكا, ولا شريكا استراتيجيا معها ولكن يبقى الاحتمال قائما واردا وهو: ان تصبح الصين عدوة لأمريكا سواء اذا اختارت من جانبها موقف العداء او اذا اقدمت امريكا من جانبها على تصرفات تدفع الصين الى هذا العداء. خاصة وأن الصين ما زالت ترفض بل وتعارض ما تراه من تصرفات امريكا بقصد الهيمنة على مقاليد العالم. ونحسب ان بريجنسكي في دراسته يصيب وجه الحقيقة لدى توصيفه طبيعة العلاقة التي اصبحت معقدة بين امريكا والصين. يقول هذا التوصيف: ان هذه العلاقة معقدة اذ تقوم على اساس تركيبة من التعاون الوظيفي او التعاون محدد الاهداف في مجالات بعينها تحقق مصالح الطرفين فيما تشمل في الوقت نفسه تعريفا سلبيا بل معاديا من جانب الصين للدور الذي تقوم به الولايات المتحدة على مستوى العالم. من هنا يضيف الدكتور بريجنسكي فإن كلمة (هيمنة) أصبحت المصطلح المفضل في أدبيات السياسة الصينية, في معرض تحليلها لدور امريكا العالمي وفي هذا الاطار لا تتورع هذه الادبيات التي تنشرها الدوريات الصينية المتخصصة في الشئون الدولية عن استنكار بل وادانة دور امريكا بوصفها قوة لا همّ لها سوى السيطرة والتدخل المغرور في شئون الآخرين, فضلا عن لجوء امريكا المتواتر في معظم الاحيان الى استخدام القوة. هواجس بيجين ومن عجب ان هذه الدراسة التي نميل اليها تحاول التماس عذر لهذا الاتجاه المعادي لامريكا في سياسة الصين اذ تصور بيجين وهي في حال من التوجس والتشكك في نوايا واشنطن التي تراها الصين وقد عكفت على تشكيل تحالفات ضد ــ صينية في منطقة جنوبي اسيا والشرق الاقصى, وهو عين ما تقوم به أمريكا ــ موضوعيا ــ في اليابان وكوريا الجنوبية ,في تايوان ولدرجة تطلق على الادبيات الصينية الوصف الدقيق التالي: يبدو الامر وكأن امريكا تحاول تشكيل كتلة ناتو صغيرة في شرقي آسيا. بل ان المسألة تعدت بالفعل الشكوك والهواجس.. كي تصل الى اجراءات فعلية منها مثلا المحادثات التي دارت مؤخرا لبحث سبل التعاون الممكنة بين الاطراف في كوريا الجنوبية واليابان وامريكا لمواجهة اي هجمات ممكنة بالصواريخ من جانب الصين (ولعل هذه الشكوك جاءت بين العوامل التي دفعت الصين الى تطوير صواريخها وقذائفها السوبر ــ متقدمة على نحو ما تجلى في الاستعراض العسكري الاخير الذي ألمحنا اليه في صدر هذا الحديث). الا ان الامر لم يقتصر على هواجس الساسة او شكوك العسكريين. لقد تعدى الامر ليصل الى مجالات الفكر والتحليل السياسي الصيني وفي هذا السياق نشرت صحيفة (تاكونح باو) اليومية الصادرة في هونج كونج دراسة في سبتمبر عام 1999 تحت عنوان له اكثر من دلالة وهو: عن الجذور الثقافية للصراع بين الصين وامريكا. هذه الدراسة يذهب كاتبوها الى ان الصراع بين الحضارتين الصينية والامريكية (كذا!) له ابعاد اعمق لانه في التحليل الاخير صراع بين اسلوبين مختلفين في الحياة.. احدهما (الصيني) اسلوب مقدس! والثاني (الامريكي) اسلوب علماني بمعنى لا قداسة له. الانسان.. السماء.. الاستهلاك وقبل ان نستغرب مثل هذا الحديث عن القداسة يصدر عن مطبوعة تصدر في نظام ما زال يرفع شعارات الماركسية ــ الشيوعية ــ يتابع البحث الصيني طروحاته موضحا التالي: ان الحضارة الصينية ما برحت تؤكد وانما على علاقة التكامل بين السماء والانسان وهذا ما يتناقض تماما مع الحضارة الامريكية التي تعتمد نهج الاستهلاك واهدار الموارد.. ذلك النهج الشرير الذي جعلها تنظر بازدراء الى الحضارات الشرقية والتي يتصور الامريكيون انها متخلفة وجاهلة. وما زال الحوار مع افكار بريجنسكي بحاجة الى تحليل واغناء ونقاش. فإلى الجزء الثاني ان شاء الله كاتب سياسي من مصر