مهما اقنعنا من وصف حالة المجتمعين على طاولة شرم الشيخ ان الأمور سارت بتعقيد كبير وان الاستراحة التي طلبها كلينتون ليريح أعصابه خارج غرفة المباحثات في اليوم الأول لها مقنعة لكي نصدق ان أزمتنا مع العدو صعبة جدا بسببنا, ومهما أبلغونا بأن زعيق الجالسين اخترق جدران المكان ليتلصص عليه رجال الأمن والاعلام والمرافقين نتيجة الجدال الذي أثاره أبطال الكلام, فانهم لن يقنعونا بأن ضجيجهم قد يساوي شعرة من ضجيج الرصاص الذي انطلق من المدافع الرشاشة الاسرائيلية ليخترق جسد شرطي فلسطيني في معبر رفح, أو ذلك الضجيج الذي أحدثه الرصاص الذي اخترق بطن محمد الدرة وكتف أبيه وغيرهما ممن ذهبوا نتيجة الخدعة الكبرى. ولن نصدق ما يدس بين السطور من سموم تعلمها الساسة للضحك على الذقون ولتمرير ما يراد عند الحاجة, ولن تقنعنا ألاعيبهم التي نعلم منها ان ما يريد صفة مفاوض سياسي ناجح عليه دس السم في الكلام بشطارة, ودس الكلام في السم ليبتلعه الخصم بهدوء. لن نقتنع بأن حرف فنجان الشاي الساخن على طاولات الخداع والشراك يلسع اللسان بنفس الدرجة التي تلسع فيها سياط الطغيان جلود الأبرياء والمنتهكة عنوة حقوقهم. ولن تجردنا المراوغات من قبل أوسلو والطوفان الذي جاء وسيجيء من بعده من الحقيقة التي نعرف وندرك, لن يقتنع عربي فينا بيهودي قتل أحدنا وسرق أمنه وأرضه وتاريخه بأحقيته في الحياة. إنهم ببرود قاتل يريدونا أن نقول ان محنتنا بدأت مع دخول الصفيق شارون لحرم الأقصى فقط. وما كان يجب أن تكون محنة, ولان قلوبنا سوداء فجرنا عنفا لا مبرر له وقدمنا أكثر من مئة شهيد لأمر تافه, ببرود قاتل يقال لنا أوقفوا العنف يا رعاة الارهاب, ببرود أصفر ميت يمرر السم إلى أفواهنا ويطلب منا أن نبتلعه لنكفر ونتوب عن حمل حجر يقينا رصاصة. هكذا ببرودة ملعقة الكافيار يراد لنا أن نقبل ما يقال وما يفعله بنا الآخرون كيف ومتى شاءوا. نجلس أمامهم وجوههم أمامنا وبنادقهم خلفنا في انتظار أن نبيع في أسواقهم أقدارنا ومزيدا من الكرامة المغموسة بالذل والمهانة, هم الأعلى ونحن رعاع صحارى وجبال وشوارع مليئة بالتخلف والرجعية والجوعى للبطش والارهاب. قالوا عنا كل ذلك على طاولة شرم الشيخ, شيء منه وصل إلى المتلصصين سمعيا وكثير منه رأته العين. ختمت القمة على قلوبنا وعقولنا لان دبابات وطائرات إسرائيل حتى وان تراجعت ستبقى فوهاتها مسلطة إلى رؤوس أهلنا, وان لجنة التحقيق لن تلقي بشارون إلى السجن لتسببه في موت العشرات وجرح الآلاف. طيبت خواطرنا بذريعة ما ستأتي به الأيام وطاولات المفاوضات التي ستنصب هنا وهناك لنبدأ معها ماراثونات جديدة من استجداءات الحقوق.. فتح باب جديد من التوهان وأقفلت حقيبة الاسعافات الأولية بعدما دس جراحوها مسكنات مؤقتة في جراحنا القاتلة. وقيل لنا آخر الكلام الذي أرادوه.. اجلسوا في منازلكم أمام مئات الصور للشهداء والمفقودين والمقعدين واحذروا اشعال الفتنة من جديد.. وكلما تبلدت أجسادكم وعقولكم كلما هدأ السرطان المزروع فيكم.. وتذكروا دائما هذه الروشتة في الزمن المقبل.