عندما سئل وزير الدفاع الامريكي وليام كوهين لماذا توجهت السفينة الحربية الامريكية (كول) التي اصابها تفجير يفترض انه جرى بتدبير (ارهابي) اصلا الى ميناء عدن (للتزود بالوقود) بينما هذا الميناء اليمني, مصنف لدى رئاسة استخبارات البحرية الامريكية بأنه خطر امني قال ان كل الموانىء في المنطقة سواء على سواحل البحر الاحمر او سواحل الخليج مصنفة كذلك تحت بند الخطورة الامنية العالية. لكن الصحفيين الامريكيين الذين كانوا يستمعون الى كوهين في مؤتمر صحفي في واشنطن لم يشأ اي منهم ان يسألوه: لماذا تجد الولايات المتحدة نفسها مستهدفة بالكراهية باعلى الدرجات في جميع انحاء العالم العربي؟ هذه النقطة تناولها المعلق الصحفي البريطاني روبرت فيسك في جريدة (الاندبندنت) (عدد الاحد 15 اكتوبر) قائلاً ان الاعلام الغربي يتعامل مع المشاعرالشعبية العربية المعادية لسياسات وممارسات الولايات المتحدة المتحيزة لاسرائيل من خلال (من) و(كيف) فقط متجاهلا (لماذا) ففي حادثة تفجير السفينة الحربية في ميناء عدن مثلا ظل اهتمام وسائل الاعلام الغربية محصورا من حيث الابلاغ الاخباري الصرف والتعليق معا في التكهن حول (من) هي الجهة او المنظمة التي دبرت ونفذت العملية و(كيف) تمكنت من التنفيذ. لم يسأل احد (لماذا) يتصاعد ويتراكم غضب الشعوب العربية على الولايات المتحدة الى درجة اطلاق مظاهرات جماهيرية كحد ادنى واطلاق عمليات تفجير تزهق ارواح امريكيين كحد اعلى؟ لو بقينا مع حادثة عدن فان السؤال يتخذ شكلا اكثر تحديدا: وليام كوهين ليس يهوديا فحسب... بل هو من غلاة الصهاينة في الولايات المتحدة الذين لا يكنون للعرب كأمة الا أسوأ النوايا واشر المشاعر. لماذا تكون الترسانة العسكرية الامريكية الجبارة المنتشرة بمساحة العالم تحت تصرف يهودي هاجسه الاعظم هو إبقاء القوة العربية على الدوام في المنزلة السفلى بازاء القوة العسكرية الاسرائيلية؟ ان من نافلة القول ان نسجل ان الولايات المتحدة مرتبطة مع اسرائيل بتحالف استراتيجي ثابت ضد الامة العربية لكن ما جرى خلال الايام الاخيرة على صعيد الارض المحتلة الفلسطينية من شن حرب اسرائيلية معلنة ضد جماهير الشعب الفلسطيني بتشجيع امريكي ادى الى تجسيم صورة التحالف الامريكي الاسرائيلي بشكل درامي غير مسبوق. هنا طفت الى الذاكرة الجمعية العربية صورة قديمة افرزها تداعي المقارنة الحتمية: صورة الولايات المتحدة وهي تحشد (التحالف الدولي) لتأديب العراق في مطلع عام 1992. اجل.. قام العراق بعملية احتلالية قبيحة لاراضي دولة عربية شقيقة جديرة بالعقاب. لكن اسرائيل ايضاً تحتل ارضاً عربية. واكثر من ذلك تعمد دبابات القوة المحتلة وطائراتها وصواريخها الى فتح نار الجحيم على جماهير الشعب العربي الخاضع للاحتلال. غير ان واشنطن لم تدع هذه المرة الى حشد (تحالف دولي) لتأديب القوة الاحتلالية. بعد وقوع الاحتلال العراقي اقامت واشنطن دنيا الامم المتحدة مستصدرة قراراً تلو قرار لا نتزاع شرعية دولية من اجل غزو عسكري عارم لتدمير العراق وفرض حصار اقتصادي عليه الى الابد من اجل الغاء وجوده نهائياً. فلماذا؟ لماذا جرى التعامل مع العراق بالشدة العسكرية والحصار الاقتصادي الخانق... بينما يجرى التعامل مع اسرائيل بتصريحات اعلامية مبهمة تحمل روح التشجيع للعدوان الاسرائيلي ضمنا؟ لماذا؟!