قد تجد السلطة الفلسطينية ما يبرر (اجبارها) على حضور قمة شرم الشيخ بأن الضغوط عليها كانت هائلة من أمريكا ومن أطراف أخرى دولية وعربية, ولكنها لن تجد أي مبرر إذا ذهبت لتتنازل بدلا من أن تذهب لكي تترجم الواقع الجديد الذى فرضته الانتفاضة على الجميع, ولتضع كل الأطراف أمام مسئولياتها داخل وخارج قاعة المفاوضات, حتى لا ينتهى الأمر بمصافحة جديدة بين القاتل والقتيل, وبعودة غير حميدة الى استئناف التفاوض على قاعدة اتفاقات أوسلو التى ماتت وشبعت موتا, ولم يعد باقيا الا صدور شهادة الوفاة الرسمية لها. ان اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الجديدة لم يكن مجرد رد فعل لزيارة شارون للأقصى, ولكنه الحصيلة الحقيقية لسنوات من المعاناة فى ظل أوسلو. قدمت فيها السلطة الفلسطينية كل التنازلات الممكنة وغير الممكنة, ومع ذلك فقد كان المقابل لتنازلاتها هو هذا الوضع الهزيل الذى كشفته أحداث الأيام الماضية التى أثبتت أن كل الأرض الفلسطينية مازالت تحت الاحتلال البشع, وكانت الحصيلة أيضا هى هذا العرض الهزيل الذى تم تقديمه فى كامب ديفيد, والذى لم تستطع السلطة الفلسطينية رغم تواضع أهدافها بأن تقبله, لأنه كان فى حقيقته اعلانا رسميا بتصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية مقابل لا شيء الا كيان هزلي يحاولون تصويره على أنه دولة حقيقية. الأمرالآن يختلف, ومابعد الانتفاضة لن يكون أبدا كما كان قبلها. الآن يوجد شارع فلسطينى, ملتهب, وشارع عربى يملؤه الغضب. وعلى الجانب الآخر عدو يقف عاريا ليكشف عن هويته الحقيقية, كاحتلال نازى لا يؤمن الا بالقوة, وتقف أمريكا بانحياز كامل الى العدو الاسرائيلى.. لكنها تدرك الآن كم سيكون ثمن انحيازها فادحا اذا استمرت الأوضاع الملتهبة فى المنطقة؟ ولا شك أن الرأى العام الفلسطينى والعربى (وفى مصر خاصة) هو ضد انعقاد قمة شرم الشيخ التى تأتى ضغوط أمريكية هائلة. والكل يدرك ماذا تريد أمريكا منها ولماذا قاتلت لكى لا تنعقد القمة؟ مجرد أن تنعقد! لقد تعاملت أمريكا باستخفاف فى بداية الانتفاضة, ووقفت تتفرج على قتل الفلسطينيين العزل برصاص جنود الاحتلال الاسرائيلى. ولما لم تستطع أن توجه الادانة للفلسطينيين كعادتها, حاولت أن تساوى بين القاتل والقتيل وأن تتحدث عن مسئولية الجانبين عن أحداث العنف, وتطالب الطرفين باستعادة الهدوء والعودة الى طاولة المفاوضات. وكأن شيئا لم يكن! لكن اتساع نطاق الانتفاضة, وثورة الغضب فى الشارع العربى والاسلامى, فرضت على الجميع أن يراجعوا مواقفهم.. فالقمة العربية التى كان مقترحا أن تنعقد بعد ثلاثة شهور تقرر عقدها يوم السبت المقبل, ورغم ذلك تصاعدت الاحتجاجات المطالبة بعقدها على الفور.. والأنظمة العربية بدأت تواجه ضغط الشارع العربى لقطع العلاقات ووقف الاتصالات مع العدو الاسرائيلى. والأهم من ذلك أن الوقاحة الأمريكية فى تأييد اسرائيل بدأت تجد من يردعها, والغطرسة الاسرائيلية فى التعامل مع العرب بدأت تنتكس, ورغم كل الوحشية فى القصف وقتل الأطفال فقد كان الصمود الفلسطينى من ناحية, وأسر حزب الله للجنود الاسرائيليين من ناحية أخرى.. دليل الفشل فى مرض الادارة الاسرائيليين, وعنوان العجز عن المواجهة عندما تكون مواجهة حقيقية. لقد تركت أمريكا حين أدركت أن الأمور ستفلت من يديها, وأنها ستدفع ثمن انحيازها للعدوان الاسرائيلى. وعرفت أمريكا أن الوحشية التى تتعامل بها اسرائيل مع الانتفاضة لن تنهيها, بل ستشعل المنطقة ضد اسرائيل, وضد أمريكا المنحازة لها. ورأت أمريكا أن القمة العربية التى نجحت فى منعها لسنوات فى طريقها للانعقاد, وان الأنظمة العربية لن تستطيع الوقوف فى وجه التيار العارم للرأى العام العربى الغاضب مما يرى, وعندما وجدت أمريكا نفسها مضطرة لإغلاق سفاراتها فى الدول العربية والاسلامية وتهريب دبلوماسييها منها, ثم عندما بدأت فى استقبال نعوش جنودها بعد حادث المدمرة, كان لابد ان تدرك أن مصالحها الاقتصادية والسياسية بالمنطقة فى خطر, وأن وجودها العسكرى فيها يمكن أن يتحول الى كارثة. وفى هذا الاطار تجيىء الضغوط الأمريكية لعقد اجتماع شرم الشيخ. انها تريد أن تحاصر ثورة الغضب العربى, وتجهض الانتفاضة, وتجعل من القمة العربية (إذا انعقدت) مجرد حفل لتأبين بين الشهداء وقراءة الفاتحة وتقديم العزاء للأمة فيما حدث.. وفيما سيحدث!! إن أمريكا تعلن عن أهدافها بوضوح: استعادة الهدوء فى فلسطين وفى المنطقة, ثم استئناف المفاوضات بين عرفات وباراك تحت الرعاية الأمريكية كالعادة, وهو ما يعنى قبول عرفات بما سبق ان رفض فى كامب ديفيد.. مع بعض التعديلات التى تكفى من وجهة النظر الأمريكية الإسرائيلية طبعا لتمرير التسوية المرفوضة. ولو حدث ذلك لكانت المأساة.. ولكننا نؤمن ان ذلك مستحيل, وان مابدأ بالانتفاضة, لا يمكن أن ينتهى الا بتراجع كامل عن كل السياسات التى أدت لاعطاء الفرصة لاسرائيل لكى تفرض ارادتها, وتطالب العرب بالاستسلام الكامل للمشروع الصهيونى. ان السماح للسفاح باراك بتدنيس أرض مصر أمر مرفوض من كل شعب مصر والشعوب العربية, لكن الأخطر أن تمر جريمته بلا عقاب, وأن يتم فى شرم الشيخ أو غيرها فرض منطق تجاوز ماحدث واستئناف مسيرة سلام الشجعان إياه.. ولو على مراحل! إن أى طاولة مفاوضات قادمة ينبغى أن توضع عليها ميثاق: جثة الطفل الشهيد محمد جمال الدرة, وجثة اتفاق أوسلو, ليتذكر الجميع اننا نواجه نازيين لا يؤمنون بغير تفوقهم العنصرى, وليدرك الجميع أن الانتفاضة قد وضعت النهاية الطبيعية لمسلسل التنازلات الذى بدأ فى أوسلو, والذى لم يؤد الا لمحاولة اضفاء الشرعية على الاحتلال الاسرائيلى. إن مرحلة جديدة من الصراع العربى الاسرائيلى قد بدأت. وإذا كانت القيادة الفلسطينية قد حددت مطالبها فى انسحاب القوات الاسرائيلية الى مواقعها قبل الأحداث, ووقف العدوان على الشعب الفلسطينى, وعدم تكرار انتهاك المسجد الأقصى, وتشكيل لجنة تحقيق دولية.. فإن الأحداث, قد تجاوزت ذلك, لأن هذه المطالب قد تكون سبيلا لاستئناف المفاوضات على نفس القاعدة.. أى قاعدة اتفاقات أوسلو وما انتهى اليه من مشروعات للتسوية تم عرضها فى كامب ديفيد. إن المطلوب الآن أن توضع الأرض الفلسطينية المحتلة بعد 67 تحت الحماية الدولية, وأن يتم البدء على الفور فى مفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة وليس أمريكا لتطبيق قرارات الشرعية الدولية, لانهاء الاحتلال للأرض العربية المحتلة بعد 67 واقامة الدولة الفلسطينية عليها وعاصمتها القدس الشرقية كاملة, وبحث سبل عودة اللاجئين الفلسطينيين لأرضهم. هكذا ينبغى أن يكون الوضع. أن تعود الأمور الى أصولها الطبيعية, أن يخرج الفسطينيون من خندق أوسلو, ومن التفاوض على أمتار هنا وأمتار هناك, وأن يتخلصوا من كل القيود التى قيدوا بها أنفسهم فى أوسلو, وأن يدركوا أنهم رغم كل الظروف السيئة ليسوا ضعفاء الى الحد الذى يحتم عليهم أن يقبلوا الحل الاسرائيلى أو يخضعوا للابتزاز الأمريكى. انها اللحظة المواتية لاستعادة التوازن فى ظل انتفاضة الشارع الفلسطينى وثورة الشارع العربى والاسلامى, وانكشاف النازية الاسرائيلية, واحساس أمريكا بالخطر على مصالحها فى المنطقة. انها اللحظة المواتية لاستعادة التوازن ولا شك أن الضغوط الأمريكية ستتضاعف لاجهاض الانتفاضة واستعادة الهدوء واستئناف المفاوضات. ولا شك أيضا أن العديد من الأنظمة العربية تخشى من استمرار الانتفاضة بكل تداعياتها الداخلية والعربية. ولا شك أيضا أن العبء ثقيل على شعب فلسطين وهو يواجه الدبابات والطائرات والمدافع الاسرائيلية ويودع شهداءه فى صبر المؤمنين, ولكن متى كانت معارك التحرير سهلة أو قليلة التكاليف؟ ومتى رحل احتلال الا فوق شلالات الدم؟ ومتى استمع العالم الا لأصوات الأقوياء ومتى تعاطف الرأى العام الا مع المقاتلين من أجل حقوقهم المشروعة؟ انها اللحظة المواتية لاستعادة التوازن. وإذا كان الحزن والغضب يملآن الصدور والسفاح باراك يطأ أرض مصر الطاهرة, فإن الامر لم ينته, ولن تكون شرم الشيخ أو غيرها شهادة براءة للسفاحين من جرائمهم, أو مصيدة لضرب انتفاضة الشعب الفلسطينى أو اسكات الشارع العربى, ولن تكون ممرا الى أوسلو أو كامب ديفيد من جديد, ومن يقبل بذلك سوف يدفع الثمن كاملا. وإذا كان المطلوب هو اجهاض القمة العربية مع تواضع الآمال فيها, فإن القمة الآن تصبح أكثر ضرورة لكى تضع الجميع أمام مسئولياتهم, ولتكون نتائج اجتماعات شرم الشيخ أمامها, ولتقول كلمتها فى كل ماحدث, ولتضع شروطها للتسوية السياسية التى يلتزم بها الجميع.. والتى تنهى سنوات التفاوض العبثى ومسلسل التنازلات المجانية, وتعيد القضية الى قلب الحقيقة التى يحاول الجميع أن يتهربوا منها, والتى جاءت الانتفاضة لتضعها على أرض الواقع حين حولت ثورة الغضب الى بداية جديدة لحرب التحرير والاستقلال. اننا لا ننتظر شيئا من اجتماعات شرم الشيخ.. فالمواقف معروفة, واسرائيل لا تريد من الانتفاضة أن تفسد فرصتها فى تصفية القضية الفلسطينية, والانحياز الأمريكى لاسرائيل لم يعد يحاول حتى الاختباء وراء عبارات الدبلوماسية, والأهداف الامريكية الإسرائيلية من الاجتماع معروفة. واذا كانت القيادة الفلسطينية قد رضخت وذهبت للقاء.. فعليها أن تدرك أن وراءها جماهير فلسطينية رفعت من جديد لواء المقاومة, وجماهير عربية لا أحد يعرف الى أين يقودها الغضب؟ وعدو فشل فى فرض منطق القوة وتتعاطف مناطق ضعفه التى تظهر على يد حزب الله فى جنوب لبنان أو المقاومة فى قلب فلسطين, ثم أمريكا التى تعرف الآن وأكثر من أى وقت مضى أن اغلاق سفاراتها ليس حلا, وأن مصالحها مهددة بالفعل وليس ببيانات الشجب والاستنكار. اننا لا ننتظر شيئا من (شرم الشيخ) فى ظل المواقف الاسرائيلية والأمريكية. والمهم الآن أن تبقى الانتفاضة وأن تتأكد الوحدة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية, وأن يتحول الغضب العربى الى فعل رشيد.. يدعم الانتفاضة ويؤكد على خيار المقاومة, ويفرض المقاطعة التامة لاسرائيل سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا, ويثبت لأمريكا ان مصالحها لا يمكن أن تكون آمنة فى ظل انحيازها الكامل لاسرائيل. والمهم الآن الا تكون (شرم الشيخ) سبيلا للهروب من القمة العربية. وأن تنعقد القمة, وأن تكون انعكاسا لمطالب الجماهير العربية, فتعلن دعم الانتفاضة وشرعية المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلى, وتقدم المشروع العربى للتسوية السياسية, وتقرر قطع أى علاقات مع الكيان الصهيونى حتى يستجيب للشروط العربية التى تعكس قرارات الشرعية الدولية وتلتزم بها. وبدون ذلك, سوف يصبح الشارع العربى فى جانب, والأنظمة العربية فى جانب آخر. وبدون ذلك سوف تدخل المنطقة فى منعطف خطير.. خطير, فالمطلوب الآن ليس استعادة الهدوء وانما استعادة القدس وفلسطين وكل شبر يدنسه النازيون الجدد على الأرض العربية. نائب رئيس تحرير جريدة (اخبار اليوم) المصرية