على الرغم من ان الديمقراطية مغزى واحدا لايتجزأ في معناه وفحواه ألا وهو المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات, فان لها على الصعيد التطبيقي, عدة مفاهيم اساسية مختلفة في المبنى, ولكنها متشابهة في المعنى, وتحت لواء كل مفهوم منها تنضوي استعمالات عديدة لا حدود لها الا ان بالامكان حصر بعضها ضمن خطوط رئيسية كبرى: فهناك اولا المفهوم السياسي الذي يعني اعتراف السلطة بحقوق الشعب وبوجود معارضة يمثلها برلمان حقيقي (لا شكلي) يجاهر بالحق, ويكشف الغطاء عن الاخطاء, ويميط اللثام عن الانحرافات, ويعمل على مكافحة الفساد, ويطالب بالتصحيح واعادة الامور الى نصابها. كما انه يتضمن وجود احزاب متعددة, وانتقالا للسلطة بين كل حين وآخر, وكذلك انتخابات حقيقية وحرية تعبير, وغير ذلك, وهناك شكلان من الديمقراطية السياسية, اولهما كامل ويضم جميع العناصر التي اتينا على ذكرها ويعبر عن الروح الحقيقية للديمقراطية, وهو يسود في الدول المتقدمة. اما الشكل الثاني فتمثله الديمقراطية النسبية التي تضم بعض العناصر اللازمة لها لا جميعها وهي قائمة في بعض الدول العربية, وفيها نجد ان العناصر الاساسية للسلطة, لاتتبدل الا في المستويات الدنيا والفرعية منها, ولكن هناك فرصا لقيام اشباه برلمانات ومجالس شورى وشيء من المعارضة, وبعض التعبير الجزئي عن الافكار, ودرجة من درجات حرية الصحافة. وهذا الشكل الديمقراطي النسبي مما هو سائد في النظم الفردية المطلقة والدول غير الديمقراطية. وهو يعد بمثابة تهيئة نفسية لاصحاب القرار وللشعب, تمهيدا لقيام ديمقراطية مستقبلية كاملة, ولكن علينا ان نلاحظ ان بعض دول العالم الثالث تسمح بتوافر درجة محدودة جدا من النقد الحر ضمن هوامش محسوبة وضوابط مرسومة, بهدف التفريغ والتنفيس, وهذا لا يتم عن حسن نوايا ونبل مقاصد, وانما يقوم على الافتراض بأن الكبت المستمر والضغط المتواصل قد يؤديان الى الانفجار في يوم ما. ومن هنا, فان اتاحة الفرص للتعبير الحد المقيد بين كل حين وآخر, يقضي الى التنفيس الذي يبعد خطر الانفجار او يؤجله, فالهدف هنا, كما نرى, مصلحة السلطة, لا مصلحة البلاد. وننتقل الآن الى المفهوم الواسع للديمقراطية والذي يتصل بالحياة اليومية الرحبة والتعامل بين الناس في شتى المجالات ومختلف الميادين, على اساس احترام كل فرد لآراء الآخرين وأفكارهم وحقوقهم ومعتقداتهم واعتبار الاختلاف معهم في هذه المجالات خلافا عاديا مشروعا, لايستجري الحقد او الضغينة ولايستدعى اصرار كل انسان على انه مصيب وحكيم, وان غيره مخطىء وارعن. وهذا يعني الاقتداء بقول الفيلسوف الفرنسي العظيم فولتير الذي قال: (قد اختلف معك في الرأي.. ولكني على استعداد للتضحية بحياتي ثمنا لسماع رأيك). ان ديمقراطية الحياة تعني ان على كل انسان ان يعرف ماله وما عليه, فلا يحاول ان يأخذ اكثر مما يستحق, او يحجب عن غيره ماهو ملك له. وهذا كله يتضمن اقامة توازن بين الحق والواجب, وكذلك بين القوة والقانون, وبين الانانية والغيرية, وبالاضافة الى ديمقراطية الحياة, يمكن ان نشير الى مفهوم ديمقراطية الشعب مقابل ديمقراطية الدولة فكما ان المطلوب من الدولة اتاحة حق حرية التعبير للشعب, فان المطلوب من هذا الشعب نفسه ان يمنح الحق نفسه لجميع افراده. وبتعبير آخر, فكما اننا نطلب من السلطة ان تكفل حرية الكلمة فان علينا ان ندعو المتعصبين والمتشددين من الناس, ان يتخلوا عن غطرستهم الفكرية وتعنتهم الايديولوجي وتعنتهم الاجتماعي, ويحترموا كل ما يبديه الآخرون من آراء حتى لو تعارضت مع افكارهم, ان الدولة غير الديمقراطية تضع عادة خطوطا حمراء سياسية لاتسمح للكتاب او المواطنين تجاوزها, وكذلك الحال, فان الفئات المتطرفة تفرض قيودا حمراء اجتماعية تهدد كل من يحاول تخطيها والقفز من فوقها, وكلا الموقفين خاطئان ويؤديان الى الجمود الفكري وتخلف المجتمع. وهناك ايضا المفهوم ذو البعد العالمي للديمقراطية والذي يعني التعامل بين الدول على اساس اعتراف كل دولة بحدود كل دولة اخرى, وسيادتها على اراضيها وحق تقرير مصيرها, وكذلك التعامل معها على اساس القوانين والتشريعات الدولية بعيدا عن منطقة الغاب وغطرسة القوة, خلاصة القول, ان للديمقراطية ابعادا واسعة كالابعاد السياسية والحياتية والشعبية والعالمية وغيرها, الا ان لها روحا واحدة لاتتبدل وهي روح المساواة بين عباد الله. كاتب سوري