وسط الحلول السياسية المطروحة من محاولة وقف اطلاق النار الى محاولة سحب الجيش الاسرائيلي الى مواقع سابقة بعيدة عن الاتصال المباشر بالمدن والقرى الفلسطينية, يبقي الامر الاهم: الوضع الجديد في الاراضي الفلسطينية قد أفرز افرازات جديدة يجب ان نتنبه لها ونتعامل واياها. ففي كل ما حصل وقعت هزة عميقة في الواقع العربي وفي الواقع الاسرائيلي وفي الواقع الفلسطيني. لهذا فإن فهم هذه الهزات ومغازيها سوف يساهم في معرفة الاوضاع الجديدة التي تتأثر بها المنطقة العربية والتي سوف تؤثر في خطابها السياسي وتوجهاتها. فعلى الصعيد الاسرائيلي سقطت كل محاولات اسرائيل بناء شبكة للمصالح والاتصالات مع العالم العربي والاسلامي. ففي يوم وليلة توقف كل شيء وتراجعت كل العلاقات وقطعت الكثير من الاتصالات وذلك بسبب اضطهاد اسرائيل لانتفاضة الشعب الفلسطيني. في هذا المجال ربما تأخذ اسرائيل بعض الوقت للاستنتاج بأن السلام مع العرب غير ممكن في ظل اضطهاد العرب في اسرائيل وفي الاراضي الفلسطينية وذلك لمجرد انهم عرب يطرحون حقوقهم الانسانية والدينية والثقافية والسياسية. وقد فات اسرائيل ان الدول العربية قاتلت من أجل فلسطين على مدى عقود عدة وان الاسباب التي سببت المواقف العربية السابقة ما زالت قائمة بالرغم من اختلاف الظروف والاساليب. ولكن اهم ما توصل اليه العرب في هذه المرحلة ان القدس تشكل امرا رئيسيا لا يستطيعوا تركه بلا موقف واضح, وان طبيعة الحل في فلسطين سوف يترك اثاره على الدول والشعوب. بمعنى آخر ان تحرير الاراضي العربية المحتلة عام 1967 (والقدس جزء رئيسي منها) ما زال يشكل امرا رئيسيا واساسيا يجب انجازه. في هذا المجال تقع حالة صدام القوميات بين العرب واسرائيل, ولكن في الوضع الراهن نرى ايضا صدام الحضارات والثقافات يعبر عن ذاته من خلال قضية القدس ومعانيها الدينية والسياسية والثقافية. وباللغة نفسها: العالم العربي هو الآخر قد يصل لنتائج جديدة اكثر شمولية وعمقا. فالعرب في العشر سنوات الماضية فقدوا الكثير من فعاليتهم بسبب الصراعات العربية ــ العربية وقد شكل الغزو العراقي للكويت اعلى مراحل الامعان في الاستنزاف العربي العربي والذي ما زلنا نعاني من نتائجه السياسية حتى اليوم. ومع ذلك فالرسالة العامة للعالم العربي هي ضرورة التفاعل العربي العربي حول الاولويات وضرورة البحث عن حلول عربية للمشكلات الاقليمية المستعصية, غياب الدور العربي والمؤثر وغياب الصيغة العامة والاقليمية التي تسمح بحماية المصالح العربية امران ما زالا دون الاكتمال ومع ذلك هناك مصالح للمجتمع, وهناك مصالح الدول العربية الصغرى وهناك مصالح الدول العربية الكبرى, وهناك الحقوق لكل الشعوب في المنطقة لكن الاهم ان لغة الاعتداء هي التي يجب نبذها في اطار رؤية للمستقبل العربي. البحث عن لغة عربية جديدة تواكب العصر وتسمح للعرب بالتعايش والتفاعل ثمة حماية الحقوق العربية بمعناها الاشمل يجب ان تكون اساسية في المرحلة المقبلة وذلك لعدم العودة للغة القوة والعنف والتداخل السلبي التي سادت الماضي. اما فلسطينيا: فقد وضح الاطار الرئيسي للمرحلة الجديدة. فقد وصل طريق اوسلو الهادىء الى آخر ابعاده. فالطريق الجديد مرتبط بحالة تسمح بالتفاوض والمواجهة بالوقت نفسه, وتسمح بطرح الحقوق والعمل من اجل الحقوق دون تناقض بين الطريقين. اما الجانب الثاني للمرحلة فهو ذلك الطريق الذي يؤكد تداخل القضية العربية مع القضية الفلسطينية. وباللغة نفسها من ضرورات البقاء الفلسطيني والتفاعل مع الواقع العربي الاوسع (عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية) والابتعاد عن الصراعات العربية العربية. مع حالة المواجهة القائمة في الاراضي الفلسطينية يتضح اكثر فأكثر ان مستقبل اسرائيل مرتبط بمدى مقدرتها التعايش مع العالم العربي في اطار احترام الحضارة العربية والاسلامية الاوسع التي يقع عليها الاضطهاد والتميز.. وقد تأخذ اسرائيل فترة من الوقت لتغير نظرتها ومعاملتها للعالم العربي, في نهاية الطريق سوف تصل اسرائيل لذات النتائج التي توصلت اليها الاقلية البيضاء في جنوب افريقيا: فالسيطرة على شعب اخر امر غير ممكن, وذلك لأن الاضطهاد والعنصرية لا يمكن ان يتعايشا مع السلام والاستقرار. وسيبقى السؤال الصعب: ما هو الثمن الذي سيدفعه العرب وعلى الاخص الشعب الفلسطيني لقاء انتقال اسرائيل الى حالة التوقف عن اضطهاد العرب وممارسة العنصرية بحقهم؟ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت