بينما ما زلنا نحن العرب نراوح في طريقة ردنا على عدوان (إسرائيل) بين الشجب والإدانة والمسيرات السلمية والصاخبة, يدفع الفلسطينيون الثمن من زهرات شبابهم وأطفالهم ودموع ثكالاهم وأراملهم, أما (الإسرائيليون) فيندفعون كالاعصار باتجاه كل المقاعد الكبرى والخطيرة في كل مؤسسات صناعة القرار السياسي والاقتصادي والثقافي في العواصم الكبرى. من تابع جلسات قمة شرم الشيخ, لاحظ ان الرئيس كلينتون حاول بكافة الوسائل اعطاء كل الإيماءات الدالة على انه راعٍ يعتمد عليه في انجاز المرحلة الحاسمة في السلام وبأنه لا ينام الليل لقلقه على انجازات الإدارات الأمريكية في هذا المسار, فهو يرتدي ربطة عنق حمراء مطبوعة بحمامات سلام بيضاء, ويجلس هادئا ويتحاور مع عرفات بود ولا يضيع الوقت فيعقد اجتماعات طارئة بحراسة رجال الـ (سي. اي. ايه) حتى وهو في دورة المياه!! لكن الملاحظة ذات الدلالة الواضحة هو هذا الحشد المحيط بكلينتون, فهذا الرئيس الذي جاء مندوبا رسميا لتمثيل إسرائيل في قمة شرم الشيخ, يجلس ويمشي ويتحرك وسط مجموعة من مساعديه ومعاونيه: مادلين أولبرايت وزيرة خارجيته, دينس روس منسق عملية السلام في الشرق الأوسط, مارتن انديك سفير أمريكا لدى إسرائيل, ومستشاره للأمن القومي, وغيرهم.. كل هؤلاء يهود حتى النخاع, فماذا يتوقع العرب والأوراق والعناوين واضحة تماما. ورقة أخرى جاءتنا بوضوح أكثر على موقع مجلة (تايم) الأمريكية على الانترنت, والتي طرحت هذا السؤال للاستفتاء: من هو المسئول الأكثر تورطا في اشعال لهيب العنف في الشرق الأوسط (المقصود الأراضي الفلسطينية)؟ ولقد اشترك أو أجاب عن السؤال 3.967.760 شخصا وكانت النتيجة كالتالي: 32.4% حملوا الاسرائيليين المسئولية, بينما 66.5% منهم تعتبر ان الفلسطينيين هم السبب! إذن أين حكاية كسب الرأي العام إلى جانب الفلسطينيين, والتي يغرقنا فيها اعلامنا العربي؟ هل يمكن أن ينحاز الرأي العام إلى جانب الفلسطينيين بين ليلة وضحاها وهم يتعرضون لسيل جارف من الدعاية والاعلام الصهيوني لما يزيد على قرن من الزمان؟ أم ان مجلة (تايم) تكذب وتنحاز وتتآمر ضدنا؟! الأكيد ان الاعلام والدعاية الصهيونية سابقة ونافذة في العالم, ومتغلغلة بشكل سرطاني لكنه فعال ومنظم ويحظى بدعم وتمويل كبيرين ومستمرين من قبل الفعاليات الصهيونية في كل العالم, ما يجعل هذه الدعاية ذات نتيجة مضمونة لصالح القضية اليهودية (هذا إذا كانت لديهم قضية!!) وهذا تماما ما ينقصنا نحن في منحى العمل السياسي لصالح قضيتنا العادلة, ذلك ان القضايا العادلة تبقى ضعيفة ومنبوذة طالما لم تسندها قوة ولم تحظ بالدعم المطلوب. لنعترف بأن (حكماء صهيون) عندما كتبوا بروتوكولاتهم, فإنهم كتبوها بإيمان مطلق بكل الباطل الذي جاء فيها, وهيأوا لأهدافهم كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة, ثم عكفوا على رعايتها وتطبيقها وكسب الدعم المادي والمعنوي لها بصبر وثبات وطول نفس, إذن مخطط تأسيس دولة (إسرائيل) والسيطرة على العالم ليس وليد اليوم.. إنها أسس وضعت بذورها منذ أكثر من 200 عام وها هي اليوم تعطي ثمارها. اليوم علينا قبل أن نلعن أمريكا وإسرائيل أن نسأل: ماذا فعل اعلامنا وأثرياؤنا وحكامنا وفلاسفتنا وأدباؤنا ومطربونا ورجال الدعاية والأعمال فينا لصالح القضية؟