بكى هيكل في حياته لأسباب عامة ثلاث مرات, مرة عند وفاة جمال عبدالناصر, ومرة عند هبوط طائرة أنور السادات في اسرائيل, ومرة عندما سمع وهو في السجن نبأ اغتيال انور السادات. كان هيكل وقت رحيل جمال عبدالناصر وزيرا للارشاد أو للإعلام, وقد فاجأه جمال عبدالناصر بنبأ تعيينه وزيرا في 25 ابريل عام 1970 من دون ان يخبره لانه كان يعرف مسبقاً أنه سيرفض, وقد تردد هيكل في قبول المنصب, وكان سبب تردده هو (أن الصحافة قد أصبحت حياته الحقيقية وهو لا يستطيع ممارسة مهنة أخرى (ووافق جمال عبدالناصر على أن يبقى هيكل في موقعه بـ (الاهرام) وهو وزير للإعلام, لكن كان رأي هيكل في رسالة كتبها إليه: (ان القرار الذي يكلفه بالاضطلاع على التوالي بمسئوليات في (الاهرام) وبمسئوليات وزارية يحمله عبء مسئولية كبيرة وهو يعتبر نفسه غير قادر عليها, ولذلك يفضل تركيز جهوده على خدمة الاهرام (كما) أن الجمع بين المهمتين يعطيه جميع الوسائل التي تجعل منه رجل سلطة وقوة وذاك يمكن أن يؤذي النظام). كما انه في النهاية: لا يرى في نفسه الاستعدادات والكفاءات التي تتطلبها المهمة الوزارية. لكن جمال عبدالناصر نجح في اقناع هيكل بأن يكون بجانبه في منصب رسمي حتى نهاية الحرب مع اسرائيل, ولم يملك هيكل إلا القبول, وقد رفض هيكل هذا المنصب ثلاث مرات فيما قبل في خلال حرب السويس (عام 1956), وفي اثناء الوحدة المصرية السورية (بعد عام 1958) وبعد الانفصال (عام 1961).. وواضح من هذه التواريخ أنها تواريخ ازمات حادة كان وجود هيكل فيها وزيراً للإعلام ضرورة حيوية, وفي المرة الرابعة ــ التي قبل فيها هيكل الوزارة ــ كانت الازمة السياسية في أشد حالتها, بعد الهزيمة, وبعد الانتهاء من الخطة (جرانيت) الهجومية لعبور قناة السويس بخمس فرق على ثلاثة محاور, وبعد الانتهاء من الخطة (جرانيت) للعبور والوصول إلى المضايق والتمسك بها. وقد وضع هيكل وهو وزير للإعلام قانون هيئة اتحاد الاذاعة والتلفزيون متأثرا بالقانون الذي يحكم هيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) ويمنحها صلاحية التصرف المستقل من خلال مجلس أمناء بعيداً عن التدخل الحكومي لوزير الإعلام, واختير الدكتور مصطفى خليل أول رئيس لاتحاد الإذاعة والتلفزيون, لكن هذه الاستقلالية لم تستمر فيما بعد, فالسيطرة في النهاية كانت لسلطة وزير الإعلام. البيضة والحجر اكتشف هيكل خلال عمله في وزارة الإعلام وجود مخصصات سرية لبعض الصحف اللبنانية خاصة مجلة (الحوادث) التي كان يملكها ويرأس تحريرها سليم اللوزي وهو فلسطيني الأصل, هاجر إلى القاهرة في الاربعينيات, وعمل سكرتيرا لتحرير مجلة (روز اليوسف) ثم ترك مصر إلى لبنان ليستقر فيها, وقد انتهى نهاية مؤسفة بأن خطف وحرقت اصابعه ثم حرق جسده في أحماض حارقة حتى مات, كانت وزارة الارشاد في مصر تدفع للصحف اللبنانية للدعاية للنظام الناصري, وقد رفض هيكل هذا التصرف, واعتبره سلوكاً غير طبيعي, ولم يكن من الممكن وهو الذي ادان المصاريف السرية في بداية الثورة ان يوافق على مثل هذا السلوك. وقد فوجىء هيكل في أول يوم لتوليه وزارة الاعلام بمدير مكتبه يعطيه ملفاً يضم أوراقا حمراء هي تفريغ شرائط مراقبة التليفونات التي كانت ضمن اختصاصات وزارته, وعندما عاد الى البيت فزع هيكل مما قرأ, ورفض فيما بعد قراءة هذه الاوراق اليومية الحمراء لأنها على الرغم مما فيها من تسلية ونميمة وأسرار تسيطر على رأس من يقرأها وتغير رؤيته للناس الذين يعرفهم, وفي حمام وزير الاعلام كانت هناك خزينة عندما فتحها لجردها عرف أن الاموال التي بداخلها من حقه التصرف فيها من دون مراجعة أو محاسبة, وقد رفض هذا الاسلوب. وحارب هيكل وهو وزير الاعلام مدرسة المبالغة في قوة الذات والمبالغة في عيوب العدو, بل كان واقعيا في توصيف العدو وقراءة خارطة القوى التي يتحرك عليها, وقد كان هذا هو خطه الواضح في مقالاته بعد الهزيمة, فهو في مقال بتاريخ 20 اكتوبر 1967 عنوانه (وقفة قرب الجانب العسكري من النكسة) يقول: (لقد كنا امام عدو متعلم وعصري ولم نكن امام عدو يستعمل كلمة الشطارة أو يلعب بالبيضة والحجر على حد التعبير المصري الدارج) وفي مقال بتاريخ 28 مارس 1969 عنوانه: (نظرة على خط وقف اطلاق النار) وكان للتمهيد لحرب الاستنزاف يقول: (سوف تكون الفترة القادمة حافلة بتضحيات كبيرة وكثيرة عزيزة وغالية) وفي 13 مارس 1971 كتب المقال الشهير (تحية للرجال) الذي عدد فيه صعوبات وتضحيات الحرب مع اسرائيل, وقد حوكم هيكل على هذه المقالات وغيرها فيما بعد امام المدعي العام الاشتراكي ووجهت إليه تهمة (الانهزامية) وقد رد عليها في 10 جلسات, كل منها 3 ساعات. وفور وفاة جمال عبدالناصر سارع هيكل بتقديم استقالته من وزارة الاعلام الى خلفه انور السادات, لكن انور السادات طلب منه تأجيلها حتى ينتهي من اجراءات نقل السلطة إليه, لقد قدم هيكل استقالته في يوم السبت 3 اكتوبر 1970 ولكن أنور السادات لم يقبلها الا في يوم الاحد 18 اكتوبر ,1970 وكان نص خطاب الاستقالة: سيادة رئيس الجمهورية بالنيابة الأخ والصديق أنور السادات (الآن وقد استقر جثمانه الطاهر في ثرى مصر الخالدة فإني اتقدم اليك راجيا ان تأذن بإعفائى من العمل في وزارة الإرشاد القومي. إن وصولي الى القرار يدفعني الى التقدم بهذا الرجاء اليك لم يصدر عن إحساس بلوعة عاطفية ــ مع انه لدي منها أكثر مما يتصور أحد ــ ولكنه يصدر أيضاً عن اعتبارات عديدة إنسانية وفكرية وعملية اجملها فيما يلي: 1 ــ إن الكل يعلم انني حاولت طوال عمري ان ابتعد عن المناصب الرسمية تمسكا بمهنة اعتقدت ومازلت اعتقد أن حياتي فيها. 2 ــ إنني خرجت عن هذه القاعدة نزولاً على أمر كريم منه عندما شاء أن يكلفني بالتعبير الرسمي عنه في فترة من النضال الوطني بالغة الحساسية وكان هذا من جانبه اختيارا شخصياً من بعده فإنني لا أملك الحق بالنسبة لغيره كما انني لا استطيع ان ابقى على رأس وزارة الارشاد القومي تعبيرا عن نفسي فمكان ذلك الصحيح هو الاهرام وحده وليس أي مكان آخر. 3 ــ إن جزءاً كبيرا من مهمة اعادة تنظيم وزارة الارشاد القومي قد تم بإنشاء اتحاد الاذاعة والتلفزيون العربي وبالدراسات المعدة للبت في شأن الهيئة العامة للاستعلامات وغيرها من مؤسسات الدولة, ومع أن عملية اعادة التنظيم لم تظهر آثارها بعد امام الناس فإني أتوقع ــ مع بداية سنة 1971 ــ بمشيئة الله ان تكون هذه الآثار امام الجميع مرئية ومسموعة. 4 ــ إنني لم اعد استطيع بكل ما أحس به الآن التوفيق بين وزارة الارشاد والاهرام وكنت قد استطعت ذلك بجهد جهيد لبضعة شهور, لكنني الان اجد ان ذلك سوف يكون مستحيلا بالنسبة لي. واذا كان لي ان اختار ــ والخيرة لله ـ فإنني اوثر ان ابقى في المكان الذي اسهمت فيه مع آلاف من أبنائه في تحويله الى اطلالة مصرية على العصر الحديث.. وكان ذلك ولكي اكون منصفا للتاريخ بتشجيع معنوي كبير منه وبإلهام مضيء. 5 ــ انني اعتقد الى جانب ذلك ان علي مسئولية اتحملها امام الاجيال فلقد اقتربت من فكره وعمله (جمال عبدالناصر) ولابد أن اعيد ترتيب اوراقي وذكرياتي عنه لأننا نحن الذين عرفناه عن قرب وشرفنا بالوقوف حيث تمكنا من رؤيته وهو يحلم ويناضل ويحقق ـ لا نملك وحدنا قصة حياته فهذه القصة ملك لشعبنا ولأمتنا العربية وللإنسانية. ولعلك تذكر ايها الصديق الكريم وكنا معا أخيرا في فندق هيلتون ــ أثناء ازمة الاردن التي كانت آخر معاركه المنتصرة ــ اننا تحدثنا عن التاريخ وكيف سيروي حكاية هذا العصر وتذكر انه امامك وامام السيدين حسين الشافعي وعلي صبري اشار الي وقال: (إنه هو المسئول عن ذلك.. لقد كان يعرف كل شيء, وهو يتحدث دائما عن الاحساس بالتاريخ والكتابة صناعته) ومن جانبي ايها الأخ الكريم فإنني اعتبر تلك الوصية يسألني عنها ضميري وسوف يسألني عنها الضمير العام لأمتي, وليس معنى ذلك أنني افكر في النشر العاجل فأنا أول من يقدر أن هناك اشياء لم يحن بعد أوانها ولكني بأمانة المسئولية امام ذكراه الغالية لا أستطيع أن اترك شيئاً للضياع أو النسيان. (إنني أرجوك ملحا ومن كل قلبي ألا تعتبر هذا تخليا مني في وقت عصيب انك تعلم ان ذلك لا يمكن ان يخطر لي ببال فأنت الرجل الذي اختاره هو بنفسه نائباً له في وقت علم فيه أنه معرض لمخاطر مؤامرات خطط لها الذين تصدى طوال عمره لمطامعهم وسيطرتهم على مقدرات امته.. وذلك الاختيار وحده يكفي ليس بالنسبة لي وحدي وانما بالنسبة لكل الذين تراودهم اليوم أعظم الآمال بان يستمر الخط الذي رسمه لامتنا سواء لمرحلة النصر أو لما بعد النصر بإذن الله. (إني اناشدك ان تغفر لي ما استأذنك فيه الآن اذا كان رأيك فيه مخالفا لرأيي واتمنى على الله وعليك ان يكون غفرانك من فهمك لموقفي وظروفي ومشاعري, واريدك في النهاية ان تعرف ان قلبي معك وأن عقلي معك بكل ما استطيع دفاعا عن مبادئه وعن سياسات اجراها نابعة من تلك المبادىء, ولك الدعاء خالصا وصادقا ان يعينك الله على ما تحملت أمانته, ولك التحية والمحبة. محمد حسنين هيكل السبت 3 اكتوبر 1970 ورد الرئيس انور السادات على خطاب الاستقالة بالخطاب التالي: عزيزي الاستاذ/ محمد حسنين هيكل وزير الارشاد القومي _ تحية الاسلام مباركة طيبة وبعد (فلقد تلقيت كتابك وقرأته بكل عناية وتقدير فليس أحب إلي في هذه الحياة من معنى مثل معنى الوفاء في كل صوره وألوانه, من أجل ذلك فإنه لا يسعني الا ان اجيبك إلى طلبك أيها الصديق واثقا ان جهدك وقلمك سوف يظلان كما عودت زعيمنا الراحل أن يكونا في مكانهما من معركتنا المقدسة شاكرا لك كل ما بذلته من جهد خلال توليك الوزارة داعيا لك المولى عز وجل ان يوفقك في مكانك الذي اخترته بإرادتك وان يمنحك الصحة وموفور السعادة والله أسأل أن يسددنا جميعا بتوفيقه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنور السادات الأحد 18 اكتوبر 1970 أسئلة بالمئات كان واضحا ان هيكل بدأ منذ رحيل جمال عبدالناصر في تسجيل تجربته, وربما كان هذا أحد اسباب تقديم استقالته من وزارة الارشاد او الإعلام بعد أقل من 6 أشهر فقط قضاها فيها وكان واضحا ايضا أن الفكرة بدأت تلح عليه في المقال الذي كتبه في مناسبة ميلاد جمال عبدالناصر في 15 يناير 1971. وفي المقال حوار على غداء في مطعم لاسير (أو صوبة النباتات) في باريس مع المفكر والروائي ووزير الثقافة في عصر الجنرال شارل ديجول, اندريا مالرو, لقد سأله مالرو فجأة: (هل كتبت ما تريد أن تكتبه عن عبدالناصر؟) فقال هيكل: لدي اوراق كثيرة ومذكرات بغير نهاية) وقال مالرو: (لا تنتظر, ابدأ كتابة ما تريده من الآن كاملا, ثم تصرف في النشر كما تقتضي الظروف, اكتب كل شيء على الفور ثم قرر بنفسك ماذا تنشر ومتى!). وسأله هيكل: هل فعلت أنت ذلك؟).. قال: (إنني الآن اكتب, سوف اكتب علاقتي بديجول كاملة في جزأين, جزء ينشر الآن وجزء يبقى لا ينشر حتى أذهب إلى الموت انا الآخر). والحقيقة أن هيكل لم يسارع بالكتابة عن جمال عبدالناصر, شغلته حياته الصحافية اليومية في (الاهرام) وشغلته مساندته القوية حتى حرب أكتوبر للرئيس أنور السادات, ولم يبدأ هيكل تنفيذ وصية جمال عبدالناصر الا بعد ان خرج من الاهرام في فبراير ,1974 فكتب (وثائق القاهرة), (و(عبدالناصر والعالم), و(علاقة العرب بالسوفييت), (أو (أبو الهول والكوميسير), و(الطريق إلى رمضان), ثم بعد ان فتحت النيران على جمال عبدالناصر كتب (لمصر لا لعبد الناصر) وعندما استقرت الأمور بالنسبة له بعد اغتيال انور السادات كتب رباعيته شديدة الاهمية عن حرب الثلاثين سنة وهي (ملفات السويس) و(سنوات الغليان) و(الانفجار) و(اكتوبر: السلاح والسياسة) وبهذه الرباعية يمكن القول انه نفذ بأمانة وبراعة وصية جمال عبدالناصر. ولكن ما كتبه هيكل عن ثورة يوليو وجمال عبدالناصر لم يمنع الكثيرين من توجيه اسئلة بالمئات اليه عما جرى وما كان في تلك الأيام, فهو (المرجعية) الموثوق فيها لتلك الفترة الحيوية والساخنة من التاريخ المصري المعاصر, لقد كان أقرب الذين (كانوا هناك) إلى جمال عبدالناصر, وهو ما جعل لديه جديداً يقوله دائما عنه, حتى لو كان الجديد تفاصيل صغيرة, أو تفاصيل رفيعة, ولو لم تكن هناك أسرار وحكايات فهناك آراء وتعليقات, وربما مفاجآت. لقد فوجئت مثلا عندما قال لي: انه لم ينضم لتنظيم سياسي واحد من تنظيمات الثورة, هيئة التحرير, الاتحاد القومي, والاتحاد الاشتراكي, وفوجئت اكثر بأن جمال عبدالناصر لم يضغط عليه ويجبره على الدخول أو الانضمام, وقد قال: (اتركوه!) ولم يكن من الممكن بعد ذلك ان افاجأ بأنه لم ينضم الى الحزب الناصري, وقال لي: (إنه يكتفي بان يكون صديقا للحزب), وبرر ذلك أنه بطبيعته لا يقبل الصف, لا يقبل أن يكون في الصف (إن التنظيم لا يناسبني), و(شغلي الاساسي هو ان افكر واكتب) وهو يتطلب حرية لا تتوافر في الاحزاب (فكل حزب له تنظيمه وقواعده وانضباطه, والكاتب بطبيعته لا يستطيع ان يقبل قيدا أو تنظيماً. ولعل أهم ما قاله لي ونحن نتحدث عن الحزب الناصري ــ وكان الحزب قد أصبح حقيقة في صيف 1992 ــ أو أول ما على الحزب الناصري أن يفعله (هو تقييم التجربة الناصرية, لا يستطيع أن يبدأ بدون ذلك, وأتصور ان يضع هذا التقييم في برنامجه, انه استئناف لما كان قائما في يوم من الايام, ولاتزال ثوابته باقية, اول شيء على الناصريين في حزبهم ان يقولوه هو ماذا فعلوا فيما مضى؟ واين وجه القصور؟ واين كان وجه الانجاز؟ وماذا كانت النتائج؟ وكيف يمكن ان نعيد صياغة النتائج والثوابت باسلوب جديد للحركة؟). لكن الناصريين ليسوا الحزب الوحيد الذي غرق في الماضي ولم يقدم رؤية للمستقبل, إن كل الاحزاب السياسية القائمة في مصر هي (بقايا مما كان ذات يوم) على حد تعبير هيكل في حوار جرى بيني وبينه في صيف 1993 فحزب الوفد في رأيه ليس لديه رؤية للمستقبل, وهو عودة الى ما كان, وحزب (العمل) هو بقايا حزب (مصر الفتاة) الذي كان, والحزب (الوطني) الحاكم نفسه هو (البقية الباقية لكل الجماعات التي كانت تلتف حول السلطة في مصر). وقد ظل حزب الوفد ينظر الى الوراء في غضب, وظل يهاجم ثورة يوليو, وينسب لها كل الشرور التي لحقت بمصر منذ قيامها, ولم يرحب رئيس الحزب فؤاد (باشا) سراج الدين بنشر رأي هيكل في جريدة الحزب التي تحمل اسمه ولو في قضية مثل قضية الأقباط والوحدة الوطنية, وهي القضية الجوهرية التي استند اليها مؤسس الحزب القديم سعد زغلول وهو يفجر ثورته الليبرالية في مارس 1919 لينقل المجتمع المصري بعدها من مجتمع يستمد شرعيته من الخلافة التركية الى مجتمع يستمد شرعيته من الدستور والبرلمان والقوانين المدنية. سألته فقال كان هيكل يتناول طعام العشاء على مائدة أحد الأصدقاء, وكان على الناحية الأخرى من المائدة جمال بدوي رئيس تحرير صحيفة (الوفد) في ذلك الوقت من عام ,1993 وكما هي العادة في مثل هذه اللقاءات جرت المناقشة العشوائية حول ما يجري في البلد من أحداث, وكان أهم ما يجري من أحداث دعوة من عالم الاجتماع الدكتور سعد الدين ابراهيم لمؤتمر عن الأقليات في العالم العربي من خلال مركز (ابن خلدون) الذي يملكه ويديره على طريقة الجمعيات الأهلية التي تتلقى دعما من الخارج, واتفق هيكل وجمال بدوي على ان الاقباط في مصر ليسوا أقلية, ووصفهم بهذا الوصف هو علامة خطر يجب التوقف عندها, مع كل التقدير والاحترام للذين يرون ان هناك في مصر ما يسمى بالمسألة ــ أو بالمشكلة ـ القبطية, ودعا جمال بدوي هيكل ليعبر عن رأيه في هذه القضية في صحيفة (الوفد) ووافق هيكل, وكتب رأيه في صورة خطاب مفتوح إلى جمال بدوي, لكن جمال بدوي لم يستطع نشر الخطاب لاعتراض فؤاد سراج الدين على هيكل, ووجد رئيس تحرير الوفد نفسه في حرج شديد, فقدم استقالته من موقعه, وعرض عليه أن يصبح كاتبا متفرغا في (الأهرام) وقد سارعت (الأهرام) بنشر ما رفضته الوفد, ولكن أزمة جمال بدوي لم تستمر طويلا, وعاد إلى موقعه بعد سحب الاستقالة. لقد تصور هيكل ـ على ما يبدو ـ ان الوفد الليبرالي يمكن أن يحتمل رأيه خاصة في هذه القضية الخطيرة, لكن الوفد ـ على ما يبدو أيضا ـ كان لا يزال متأثرا بالماضي, غير قادر على تجاوزه, وهي ـ على كل حال ـ ملاحظة صحيحة ودقيقة, فقضية الهجوم على ثورة يوليو وعلى جمال عبدالناصر لا تزال قضية ضاغطة على الوفد, لا يستطيع الفرار منها, أو الابتعاد عنها. ولم ينجح الوفد في تشويه صورة جمال عبدالناصر, ولكنه نجح إلى حد كبير في ترويج صورة وردية عما كان في مصر قبل الثورة, وتصورت الأجيال التي لم تعش في تلك الأيام ان عليها أن تجلس في محطة الماضي تنتظر عودة الملك السعيد ذي الرأي الرشيد الذي سيعيد إلينا الزمن الجميل, وسيحمل الذهب إلى بيوتنا, وسيغرقنا في أنهار اللبن والعسل, وسيضع على موائدنا الكافيار واللانجوست والبان كيك, وسيعيد إلى الدستور قدسيته, وإلى القانون احترامه, وإلى الحرية وجودها, وإلى الأصول والتقاليد نفوذها, وسيجعل العميان يبصرون, والأموات ينهضون, والفقراء يشبعون, وأمام هذه الصورة الموسومة بألوان قوس قزح عن مصر قبل الثورة والتي تباع للجائعين للخبز والحرية, سافرت حوالي 500 كيلومتر ـ ذهابا وعودة ـ لأحاور هيكل في قرية (الرواد) في الساحل الشمالي.. كان ذلك في يوليو ,1994 وكان قد مر على ثورة يوليو فترة كافية لتقويمها.. حوالي 42 عاما. سألته: ألست معي يا أستاذ هيكل ان الثورة نجحت لان النظام الذي أسقطته كان ضعيفا؟ فقال: (النظام الذي أسقطته الثورة كان هشا, ولو لم يسقطه جمال عبدالناصر لأسقطه غيره, وبنفس السهولة, لو عشت مثلنا في تلك الأيام لآمنت مثل غالبية الناس ان اعصار التغيير قادم, قادم).. وسألته: (ألا يشفع لنظام ما قبل الثورة أنه كان نظاما ليبراليا, وديمقراطيا؟) فقال: (في ذلك العصر الليبرالي الديمقراطي الذي يتحدثون عنه ضرب زعيم الاخوان المسلمين حسن البنا بالرصاص في الشارع, وأجهزوا عليه في مستشفى قصر العيني, هل هذا معقول؟) وسألته: (وهل هذا يختلف كثيرا عما جرى بعد الثورة؟) فقال: (أنا سمعت مؤخرا أحد وزراء الداخلية يحذر من العودة إلى العصر الناصري, الشمولي, قلت له: انه طوال حكم جمال عبدالناصر في 18 سنة طبقا لبيان ألقاه وزير الداخلية الأسبق في مجلس الشعب كان عدد المعتقلين 14 ألفا, النهاردة عندك أربعة أضعاف هذا العدد, عن أي نظام شمولي يتحدثون؟). وقلت له: (كان من السهل ـ كما تقول ـ أن يمد جمال عبدالناصر ورفاقه أيديهم ويأخذوا السلطة الملقاة في عرض الطريق, وهو ما حدث, لكن كيف تحول جمال عبدالناصر من ضابط انقلابي إلى زعيم ثوري؟) قال: (جمال عبدالناصر شأنه شأن أي شاب لم يكن يدرك الحقيقة, كان يرى مظهرها, لا جوهرها, لذلك لم يكن في ذهنه في البداية سوى هدفين فقط هما: الغاء النظام الملكي والألقاب, وتحديد الملكية الزراعية, وقد نجح في تحقيق الهدف الأول, لكنه عندما جاء في موضوع الملكية الزراعية أدرك انه لو جرت انتخابات برلمانية فإنه لن يحدث تغيير لان الانتخابات ستأتي بملاك الأراضي, ستأتي بنفس الوجوه القديمة, هنا بدأ التحول في تفكيره, أن تتحول الثورة الزراعية والصناعية للناس, فكان الاصلاح الزراعي.. وتحديد الملكية, وكان التمصير, ثم التأميم, اكتشف ان المصريين لا يملكون بلادهم, واكتشف ان عليه وعلى السلطة الثورية الجديدة أن تعيد ملكية البلد إلى أصحابها الحقيقيين, وهو ما كان, وهو ما حاسبوه عليها فيما بعد). وسألته: (إلى أي مدى أثرت في جمال عبدالناصر؟ فقال: (اعتقد انني أثرت فيه بقدر ما تأثرت به, إنها طبيعة العلاقة الإنسانية, وقد كان مشغولا, لكنه كان أيضا مستعداً أن يسمع, وفي الوقت نفسه اختلفنا, نعم اختلفنا, لكن عيب أن أذكر ما اختلفنا فيه حتى لا ادعي بطولة على حساب رجل لم يعد على ظهر الحياة) قلت له: (هل كان من الممكن الاختلاف معه دون عقاب؟) قال مستنكرا: (ليس صحيحا, فقد كان مفتوحا للمناقشة بلا حدود, الحملات التي شنت عليه فيما بعد حرفت كل ما قال وكل ما فعل, هذه الأمة ـ تلف وتدور, تروج وتجيء ـ ليس في تاريخها الحديث إلا محمد علي وجمال عبدالناصر, كل منهما كان له مشروعه القومي الذي نجح في تنفيذه ثم عوقب على ذلك, وأنا أعتقد ان كل انقلاب على جمال عبدالناصر يضاعف من حالة (الخلخلة) التي نعيشها الآن, نحن كمن يجلس على جذع شجرة وهو ينشر فيه). ما الذي يبقى؟ قلت: (لكنك من القلائل الذين عملوا مع جمال عبدالناصر واستمروا معه إلى آخر لحظة في حياته دون أن ينقلب عليهم) قال: (هذه مقولة لم تختبر, كثير ممن عملوا معه استمروا طويلا إلى جانبه, بل ان بعضهم استمر أكثر من اللازم متجاوزا عمره الافتراضي, أعضاء مجلس قيادة الثورة بقوا معظم الوقت, كانوا موجودين على الأقل من عام 1952 إلى عام ,1964 وشوف عزيز صدقي ومحمود فوزي ومحمود رياض وصدقي سليمان وعلي صبري, ومئات غيرهم, أنا لم أر شخصا انقلب عليه جمال عبدالناصر, بالعكس الرجل كإنسان من صفاته البارزة انه صديق حقيقي, كان يدرك أهمية التحكم في أعصابه. وكان يقول دائما: أنا ما أقدرش (أتنرفز) وإذا شعرت بذلك لا أقابل أحدا, لأسباب كثيرة منها (الكاريزما) التي كانت تنبع منه وما يستتبع ذلك من سلطة معنوية تجعله قادرا على أن يفعل ما يريد كان جمال عبدالناصر يشعر بسلطته, لذلك كان حريصا على ألا يصدر قرارا وهو عصبي, ثم انه لم يخن طبقته وظل ينام على سرير في غرفة نوم هي عهده لادارة الاشغال العسكرية, وبعد أن توفي طالبت الاشغال العسكرية بالعهدة. هل يصدق أحد ذلك؟ رجل غير قابل للفساد, احتفظ بولاءاته الطبقية. هل أحد يتصور حاكما في العالم الثالث يملك كل هذه السلطة ولا يفسد؟). ثم كان سؤالي عما تبقى من ثورة يوليو بعد مرور كل هذه العقود ووقوع كل هذه الانقلابات عليها؟ وجاءت اجابة هيكل مطولة, قال: (لابد أن نتفق على ان هناك فهما خاطئا للتاريخ, مرات نتصور ان حادثا تاريخيا معينا لابد أن يبقى مستمرا بصفاته وذاته وشكله فإذا ما اختلفت نهايته عن أصله فهذا معناه انه فشل, نحن ننسى عملية (الهضم التاريخي).. وهي شبيهة بعملية هضم الطعام, وثورة يوليو حدث, لو ظل في طوره أو شكله الأول لانتهى بتحطيم نفسه, نحن أمام حدث استوعبناه وأحدث فينا أثره, وهذه قضية يجب فصلها تماما عما آل إليه هذا الحدث, وعندما نسأل: أين 23 يوليو اليوم؟ سنجدها في مسائل مادية كثيرة أصبحت جزءا من الحياة العادية الطبيعية ونجدها دخلت في عروق المجتمع ونسيجه, مثل السد العالي وقناة السويس وشبكة المصانع المتنوعة, قيمة الحدث التاريخي لانه يحول مجموعة أحلام إلى جزء من واقع الحياة, لو ظلت الأحلام أحلاما, ولو ظلت الثورة في حالة فوران, في حالة تغير مستمر وعنيف, نكون كمن لم يفعل شيئا حقيقيا). ويستطرد: (أنا عندي السد العالي وقناة السويس وعملية تصنيع ليس لها مثيل في العالم الثالث, وهي ناجحة, ليست فاشلة كما يقال, صروحها موجودة, وجدناها في الأوقات الصعبة, ولا تزال تخدمنا, ليس هذا فقط, بل يضاف انها كانت متميزة, الاتحاد السوفييتي اقترح أن نبدأ بالصناعات الثقيلة لكن جمال عبدالناصر رفض وأصر على أن يبدأ بالصناعات الاستهلاكية, وأنا حضرت هذه المناقشة في موسكو عام 1958 عندما ذهبنا للاتفاق على أول برنامج تصنيع, كان رأيه أن عنده قطنا وقصبا ونحتاج لسماد وأسمنت, فلا بد أن تبدأ الصناعة من هذا المحور, وهذا ما جعلنا لا نتعرض لما تعرض لأي نقص في معظم المنتجات الاستهلاكية, وهذا ما جعل الاتحاد السوفييتي ـ الذي أخذ منهجا مضادا ـ يتعرض للحرمان والانهيار, وإذن على المستوى المادي حققت الثورة انجازات ضخمة وهي انجازات استوعبها المجتمع وأصبحت جزءا من حياته اليومية وأنا أعتبر ذلك نجاحا. اختلاف قواعد اللعبة وعلى المستوى المعنوي, أنا أتوقف طويلا عن التعليم, البعض يرفض المجانية, يرفض أن يتعلم ابن البواب, والبعض يرى ان التعليم مستواه انخفض, وأنا لا أعترض, لكن نصف متعلم أفضل من جاهل, فالجاهل لا يمكن أن يستوعب التكنولوجيا, أنا ليس عندي مانع أن يكون مستوى التعليم يثير الشكوى, لكن عندي معياراً واحداً للتعليم هو انه المنفذ الوحيد للحراك الاجتماعي, ثم ان كثيرا من النابغين خرجوا من نظام التعليم الحكومي الذي نرفضه, مثل دكتور مجدي يعقوب, كذلك فإن التعليم فتح آفاق التغيير, فلم تعد المهن تورث كما كانت قبل الثورة, فليس مكتوبا على ابن الفلاح أن يظل فلاحا, ولا على ابن البواب أن يظل بوابا, وهكذا. ومع 23 يوليو ارتبطنا بالعالم وبالمنطقة التي حولنا, وارتبطنا بالعصر. لقد استوعبت الثورة العصر, وعندما فقدت قدرتها على ذلك شاخت وانتهت. وكان لابد أن أسأله: متى حدث ذلك؟ وقد قال: (نستطيع أن نقول ان العصر بدأ يختلف ابتداءً من عام ,1965 وفي هذه الفترة كان العالم يتغير, وأنا واحد من الناس الذين يعتبرون كارثة عام 1967 نتيجة طبيعية لعدم الوعي الكافي بأن العالم من حولنا يتغير, وكان عذرنا الوحيد هو ان العالم نفسه لم يكن يعي انه يتغير, ابتداء من عام 1965 جاء الكمبيوتر والفضاء ووسائل الانتاج الحديثة, وفي هذه الفترة حدثت أزمة الاتحاد السوفييتي الداخلية, وحدثت أزمة الولايات المتحدة بسبب حربها في فيتنام, إننا لم نستوعب التغيير ولم نستوعب آثاره على القوى الكبرى, على سبيل المثال نحن في عام 1967 لم نستوعب أن الاتحاد السوفييتي يمكن أن يسمح بأن نواجه أزمة كالتي واجهناها, وفي واقع الأمر لم يكن الاتحاد السوفييتي قادرا على مواصلة التحدي أكثر مما فعل, اختلفت قواعد اللعبة في عام 1967 عما كانت عليه في عام 1959 لكننا لم نستوعب ذلك, فوقعت كارثة الهزيمة). وكان سؤالي الأخير في هذا الحوار: (هل ثمة تشابه بين الوضع الذي كان قائما قبل الثورة والوضع في مصر الآن بعد مرور أكثر من 40 سنة عليها؟) وقال: (لا أريد أن أقول تشابها إلا من حيث كم الخطورة, نحن الآن في مرحلة شديدة الخطورة, لا تقل في نوعها عما كنا عليه قبل الثورة. لكن ليست مثلها, الأسباب والمظاهر مختلفة). ولا يزال هيكل يدافع عن الحلم الذي جاء به جمال عبدالناصر وان لم يخف انتقاداته لتنفيذ الحلم, وهو يؤمن بأن هذا الحلم ما زال صالحا, لكنه يحتاج إلى بعض الوقت حتى يسترد الناس ثقتهم فيه, وربما لا يكون الوقت بعيدا, لان كل محاولات نفي جمال عبدالناصر قد نفت نفسها, فعاد الناس يبحثون عنه من جديد, وهذه قصة طويلة, تسبقها قصص ووقائع وأحداث أخرى مثيرة وصارخة جرت لهيكل ولمصر وللعالم منذ رحيل جمال عبدالناصر وحتى الآن, تستحق قليلا من الانتظار.