عندما بدأت رحلتي مع الأدب أحببت نجيب محفوظ, واليوم اكتشفت أنه كان عليّ أن أحب توفيق الحكيم. ولم يكن هذا أول سوء حظ لي مع الحكيم أو له معي. فلقد كانت الحلقات متتالية, فعندما صدرت (الرسالة الجديدة) التي كان يرأسها يوسف السباعي كتبت مقالا بعنوان (توفيق الحكيم والأدب الشعبي) وكان الحكيم قال رأيه في الأدب الشعبي الذي كان موضوع نقاش واسع في الخمسينيات والستينيات. وأعطيت المقال لشخص ما في المجلة. ويبدو أنهم نشروه دون أن يقرأه أحد, ظنا منهم أنه مديح في الحكيم. وكان الحكيم الكاتب الذي يحمله يوسف السباعي ذو النفوذ الهائل آنئذ على كتفيه. ويبدو أنه لم يخطر على بال أحد أن كاتبا ما يجرؤ على أن يهاجم آراء الحكيم هذا الهجوم الشرس, ثم يتقدم بمقاله الى المجلة التي تقدس توفيق الحكيم. وصدرت المجلة وفي مكان بارز منها المقال. ويبدو أن أول من قرأ المقال كان توفيق الحكيم نفسه, ولما كشف عن غضبه ليوسف السباعي ثارت الدنيا كلها ضد شخصي المتواضع, ولولا أن شخصي كان هكذا أي متواضعا لسارت الأمور في طريق آخر. فهم لا يستطيعون منعي من الكتابة في (الرسالة الجديدة) فأنا لم أكن من كتابها. ولا يقبلون الرد عليّ بحملة قوية لأنني لم أكن معروفا إلا على المقاهي الأدبية التي كانت منتشرة آنئذ في أنحاء القاهرة. وتربصوا بي وأنا أتردد على نادي القصة. وأقسم أحدهم على ضربي, واحتميت في البداية بأنهم لا يعرفون شكلي. ثم احتميت بشلة من شباب الأدباء آنئذ كانوا يصحبونني لحمايتي. وأخيرا احتميت بذاكرتهم التي نسيت الأمر كله. ولن أعدد مشاكلي مع توفيق الحكيم التي انزلقت اليها والتي اقتربت مرة الى حافة القضاء. ولكنني أقول الآن ان توفيق الحكيم كان أقرب اليَّ ككاتب من غيره لولا سوء حظ لا أفهم مبررا له. ولكن كصاحب رأي كنت أكره في توفيق الحكيم رأيه في المرأة.. وأيضا ــ وهذا ما أتحدث عنه الآن ــ رأيه في موقف الكاتب من عالمه ومجتمعه.. ورغم أن توفيق الحكيم اهتم بمجتمعه بل وكتب مجموعة مسرحيات بعنوان (المسرح والمجتمع) على ما أذكر, ورغم أنه كانت له آراء في أحداث الدنيا والبلاد, الى حد أنه متهم بأنه الذي بدأ الحملة على جمال عبدالناصر في كتابه (عودة الوعي).. أقول رغم ذلك كله إلا أننا كنا كجيل نرى توفيق الحكيم كاتبا منعزلا عن مجتمعه, وأنه دعا الى أن يعيش الكاتب في برج عاجي. ورغم أنه من المتفق عليه ــ اذا كان هناك شيء متفق عليه ــ أن الحكيم هو الذي اصطك تعبير (البرج العاجي), إلا أنني لا أذكر له عبارة محدودة تطالب بأن يعيش الكاتب في برج عاجي لكي يستطيع أن يفكر وينتج.. وإن دخل في روعي أنه صاحب موقف واضح في ذلك. ورغم استنكاري الشديد لآراء توفيق الحكيم خاصة في حكاية البرج العاجي هذه, إلا أنني بدأت أخيرا وأنا لا أصدق نفسي أتراجع بل أنقلب على رأيي تماما. كان عليَّ أن أغلق كل مصادر الازعاج بداية من الباب الى التليفون لكي أتفرغ للعمل ولو لفترة. ولكي تشعر بالازعاج من نشرة الأخبار التصق بجهاز التلفزيون وأبحث عن الأخبار بين قنواته المختلفة. فاذا ما استطعت الفرار كنت مستهلكا حزينا. ثم كان عليّ أن ألبي دعوة لحضور معرض الكتاب في الأردن, والقاء محاضرة هناك. ورأيت في التزامي بالموعد فرصة للتغيير والاقتراب من الأحداث. وهكذا عشت يومين أتابع فيهما ما يحدث عن قرب. والتقيت بأصدقاء كثيرين لم أكن رأيت بعضهم منذ سنوات. وعندما انهيت اجراءات المطار منيت نفسي بالوصول الى البرج العاجي لأتفرغ للعمل. وجلست في المطار مسترخيا لا أكاد أسمع الأصوات التي تحيطني.. ويبدو أن الوقت قد طال, وألقيت نظرة على الساعة فأدركت أن وقت الطيران قد حان, وأسرعت فعرفت أن الطائرة ستتأخر. كان موعد الطائرة هو الحادية عشرة إلا الربع. وكنت أمني نفسي بلقاء الأولاد والأحفاد على الغداء فهو يوم الجمعة. بل كنت على موعد للذهاب الى مسرحية ليلا, أيضا مع الأولاد. وكالعادة العرباوية الشهيرة لم يقولوا الى متى تتأخر الطائرة. إما لأنهم لا يعرفون, وإما لأنهم يطبقون نظرية المرحلة, مرحلة, حتى لا يصدمون المسافرين.. وهذا ما فعلوه فعلا. فلقد أعلنوا أن التأخير للساعة الواحدة, ثم أخيرا للساعة السابعة.. أما الواقع فلقد بدأت الطائرة في التحليق بعد الثامنة. وهكذا قضيت يوما كاملا في المطار.. وعند وصولي قابلوني في قلق.. ولكن أحدهم سألني: ماذا كتبت في المطار؟ ولم أدرك مغزى سؤاله فورا. لكنني تذكرت أنه في حادث مشابه كتبت الفصل الأول من مسرحية (حفلة على الخازوق) وهذا ما جعلني أتساءل: لماذا لا تتكرر الأشياء اذا تشابهت الظروف؟! وإن كنت أظن أن الظروف لا تتشابه أبدا وأعتقد أن الفيلسوف اليوناني الذي قال انك لا تنزل الى نفس النهر مرتين, هو فيلسوف عبقري أصاب كبد الحقيقة في جملة قصيرة, ونحن نسود الصفحات ولا نصيب حتى معدة الحقيقة! وقررت دخول البرج العاجي. اغلقوا الأبواب.. ممنوع التليفونات.. تقدم بقدمك اليمنى.. وها هي الأوراق من كل نوع ونحو خمسين قلما. واتكل على الله في برجك العاجي واكتب.. ولكن صورة (البغل) طاردتني.. هو بغل حقيقي بكرشه الضخم وقفزه, وهو يسير كأنه امرأة حامل مضطرة لأن تسرع.. هذا البغل كان قرر مع الحيوان الحاكم أن يزور المسجد الأقصى ليبدأ هذه المأساة التي تعيشها المنطقة. وبعد أن بدأت المأساة بدا سعيدا وراضيا وقد حقق هدفه, هذا النازي جعله ضعفنا هولاكو يخيف أطفالنا, ويدبر مستقبلنا. وجاء يوم الأربعاء ولن أحدد التاريخ فهذا لا يهم الآن. وكان على الأجندة قائمة طويلة من الأعمال رغم اغلاق الباب العاجي في البرج العاجي. وكانت القائمة تضم أشياء مهمة جدا. وكان الاختيار صعبا. ولكن كان عليّ أن أختار. وقررت أن أختار ما أحب, فذهبت الى حفل لتأبين الفنان الراحل ابراهيم الحجار. وكنت أعرف أنه ليس تأبينا تقليديا. وفعلا عرضت مسرحية قصيرة تحكي بعض مواقف من حياة الفنان الراحل, مثل شخصيته فيها ابنه علي الحجار. ثم ألقى الشاعران سيد حجاب وسعيد فرماوي وغيرهما قصائد, ثم غنى بعض تلاميذ الراحل مثل محمد منير ومدحت صالح ومحمد الحلو وطبعا علي الحجار.. وأحمد الحجار. وصممت أن أعود الى البرج العاجي وأن أغلق التلفزيون على البغل الاسرائيلي, وأن أنجز العمل الذي أنوي اتمامه. وطلب أصدقائي أن نجلس قليلا بين التأبين ودخول البرج العاجي لكنني رفضت. وبمجرد دخولي البيت رأيت اعلانا لحضور جلسة في المحكمة لأن فلانا رفع عليّ قضية لأنني كتبت كذا, ودعوة لحضور نحو عشر ندوات وتظاهرات, ثم مكالمة مسجلة تذكرني بأننا غدا سنذهب الى صديقنا لنؤيده في دعايته الانتخابية. وهل نترك الشرفاء نهبا لهذا الزمن الرديء؟ وقطعنا الطريق في سبع ساعات ذهابا وايابا وقضينا نحو أربع ساعات في المؤتمر الانتخابي وحوله. وعندما عدت في الثانية صباحا وجدت المزيد من الدعوات والمكالمات التي تؤكد عليّ كذا وكذا. وقلت لنفسي سأنام أولا ثم أفكر فيما أفعل غدا. لكن النوم لم يزرني في هذه الليلة. رأيت البغل الاسرائيلي أمام عيني. اعتذرت لتوفيق الحكيم عن كراهيتي لبرجه العاجي. وتذكرت مسرحية انجليزية رأيتها في لندن بعنوان (الباب العاجي) مأخوذة من أساطيرنا, فلقد قالوا للأمير كل هذا القصر الكبير لك إلا هذا الباب العاجي. فلما صار ملكا سيطرت عليه فكرة دخول الباب العاجي. ولدهشته وجد ممرا متربا قذرا لا أكثر ولا أقل. فلما خرج منه الى الشارع وأراد دخول القصر منعوه, فلما قال لهم انه الملك لم يصدقوه, فالملك بالداخل, ولم يكن لديه أي دليل على أنه ملك. وهكذا حتى البرج العاجي لم يعد ينفع!