ولد جمال عبدالناصر في 15 يناير عام ,1918 وورث عن والدته فهيمة محمد حماد الاستعداد للاصابة بأمراض القلب, وقد ماتت هي بالسكتة القلبية في عام 1926, وورث شقيقه عز العرب عنها الاستعداد نفسه للمرض ذاته, وقد مات بأزمة قلبية في عام ,1977 وكان عمره لا يزيد على 55 عاما, وكان مديرا لمكتب جريدة (الجمهورية) بالاسكندرية.. ولم تصب الأم بمرض السكر, ولم يعان الأب عبدالناصر حسين منه, ولم يعان من أمراض القلب, وقد مات في سبتمبر 1968 وكان عمره يزيد على 80 عاما, لكن جمال عبدالناصر ورث السكر عن عمه خليل الذي رباه في القاهرة, وكذلك شقيقه عز العرب, أي ان جمال عبدالناصر ورث أمراض القلب عن عائلة أمه, وورث مرض السكر عن عائلة أبيه, وكانت هذه هي جذور المرض في شجرة العائلة. والشائع ان جمال عبدالناصر اكتشف اصابته بالسكر في عام 1958 على اثر مفاوضات شاقة أجراها في موسكو مع السوفييت بعد ساعات من قيام ثورة عبدالكريم قاسم في العراق, وقد توحش السكر في جسده بعد الانفصال السوري عن دولة الوحدة في 28 سبتمبر عام 1961. وأدى توحش السكر إلى انخفاض وزنه بسبب تكسر البروتين, وأدى إلى هبوط القلويات الاحتياطية في الدم, فزاد احساسه بالجفاف والعطش, ثم رفع السكر راية الخطر عالية في عام 1964 أثناء زيارة قام بها هو وخروتشوف لمديرية التحرير, فقد تحول احساسه بالعطش إلى احساس بالغثيان, ورغبة في القيء, واكتشف الأطباء ارتفاع نسبة (الأستون) وهو ما يعني اضطرابا في عملية احتراق المواد الكربوهيدراتية, وبعد هزيمة يونيو 1967 وصل خطر السكر إلى مداه بتهديد الأعصاب الطرفية. وبعد الهزيمة أيضا بدأت متاعب القلب التي وصلت إلى حد الجلطة في سبتمبر 1968 عندما تسللت سرية برمائية اسرائيلية إلى نقطة (الزعفرانة) على شاطئ السويس الغربي واستولت على محطة رادار وصورت فيلما سينمائيا بما فعلت وعرضته في تلفزيونات العالم, وبقي جمال عبدالناصر حوالي الشهرين تحت الراحة والعلاج, وخلال هذه الاجازة الاجبارية كانت هناك لجنة لتسيير العمل الداخلي تتكون من أنور السادات رئيس مجلس الأمة وسامي شرف مدير مكتب الرئيس وأمين هويدي الذي تولى مسئولية المخابرات العامة بعد التخلص من صلاح نصر وشعراوي جمعة وزير الداخلية ومحمد فوزي وزير الحربية ومحمد حسنين هيكل. وفي تلك الأيام جاء الطبيب السوفييتي يفجيني تشازوف لمتابعة علاجه, وبدون مقدمات قرر جمال عبدالناصر في يوليو عام 1970 السفر إلى موسكو للعلاج. بداية النهاية في سبتمبر عام 1970 كان جمال عبدالناصر يستريح في مرسى مطروح عندما جاءته الأنباء السيئة عن الحرب الأهلية الشرسة بين المقاومة الفلسطينية والقوات الأردنية في عمان, ولم يتردد جمال عبدالناصر في العودة إلى القاهرة, وبناء على دعوة لقمة عربية لحقن الدماء العربية بدأ الحكام العرب يتدفقون على القاهرة, وعندما انتهت هذه القمة في 28 سبتمبر, انتهت معها حياة جمال عبدالناصر, وكان عمره وقتها 52 سنة و8 شهور و13 يوما. ولا جدال ان هذا اليوم من أخطر الأيام التي مر بها هيكل, إن رفيق العمر على مدى 18 سنة قد رحل, والرجل القوي الذي كان سندا له لم يعد على ظهر الحياة, وصراعات السلطة المكتومة أصبحت على وشك الانفجار, ولا أحد يعرف ما الذي تخبئه الساعات أو حتى الدقائق المقبلة التي بدت مشحونة بالقلق والتوتر. ما الذي جرى في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة في حياة جمال عبدالناصر؟ ما الذي سجله هيكل عنها؟ كيف كانت لحظات النهاية؟ إن هيكل ـ الذي لا يمكن أن يكون قد ترك تفاصيل ذلك اليوم تمر من دون أن يمسك بها ـ يروي ما جرى, وما كان, ومن دون أن يترك سرا وقع أو همسا حدث, ويكتب. (سوف أكتفي هنا بالأربع والعشرين ساعة الأخيرة أروي وقائعها كما عشت بجانبه, حتى جاءت لحظة الرحيل. كنت قد تركته عند الرابعة بعد الظهر ـ يوم الأحد 27 سبتمبر ـ في الجناح الذي كان يقيم فيه بفندق هيلتون حيث ينزل كل الملوك والرؤساء العرب الذين التقوا في القاهرة بحثا عن حل (يوقف نزيف الدم في الأردن) كما كان هو يقول, كانت هناك جلسة بعد الظهر عاصفة فقد حضرها الملك حسين لأول مرة, وكانت هذه الجلسة قد بدأت في الواحدة بعد الظهر وانتهت في الثالثة والنصف, وكنت في قاعة الاجتماع قبل أن يدخل عبدالناصر وكان جوها متوترا. كان الملك حسن مع بعض ضباطه في ركن من القاعة, وكان ياسر عرفات على مقعد في صدرها يضبط أعصابه بالكاد, وكان الملك فيصل في مقعده التقليدي في هذه الاجتماعات وكان واضعا يده على خده يفكر وتحدثت قليلا مع ياسر عرفات وكان على وشك أن ينفجر, ودخل وقتها العقيد معمر القذافي ليجلس إلى جوار ياسر عرفات. وانتقلت إلى حيث الملك فيصل جالسا أقطع عليه تفكيره وأقول له: (ألا تريد جلالتك أن تقوم بعملية نزع سلاح في هذه القاعة؟) والتفت الملك فيصل إلي يسألني عما أقصد وقلت: (ان الملك حسين يعلق مسدسا في وسطه وياسر عرفات يعلق مسدسا في وسطه ومعمر القذافي يعلق مسدسا في وسطه, والجو كله مشحون) قلت ذلك وابتسمت, وقال الملك فيصل: (لا أعرف في الحقيقة, هل جئنا إلى هنا لنتفاهم أم لنتقاتل؟) ثم استطرد الملك: (ولكني لا أستطيع أن أنزع سلاح أحد, ربما يستطيع ذلك الرئيس, هو وحده الذي يستطيع). وأشار الملك فيصل إلى باب القاعة وكان الرئيس عبدالناصر يدخل منها في تلك اللحظة ويتجه نحونا وقال له الملك فيصل: (فخامة الرئيس, لا أريد أن أجلس وسط كل هذه المسدسات) قال الرئيس ضاحكا من قلبه: (لا عليك, سوف أجلس أنا وسط هذه المسدسات, وتفضل أنت فاجلس مكاني). وغادرت أنا قاعة الاجتماع لانه مقصور على الملوك والرؤساء وحدهم, وعندما انتهت الجلسة في الثالثة والنصف كنت في انتظاره بجناحه في الدور الحادي عشر وعرفت منه بعض التفاصيل عما حدث وتركته ليستريح بعض الوقت, دخل إلى غرفة نومه وكانت الساعة الرابعة وتوجهت أنا إلى بيتي أغير قميصي كما قلت له وأعود بعد قليل وكان الموعد المحدد للجلسة الختامية هو الساعة السادسة مساء, وفي الساعة الخامسة كنت أدخل عليه على أطراف أصابعي مرة أخرى إلى جناحه وكان محمد داود الذي يقوم بخدمته الخاصة واقفا على باب حجرة النوم واقترب مني يقول: (إن الرئيس نائم وقد طلب ايقاظه في الساعة الخامسة والنصف). ودخلت غرفة الصالون المواجهة لغرفة النوم واتجهت إلى الشرفة أطل منها على النيل, وأنتظر. حرقت دمي بعد دقائق جاءني محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس يقول لي: (ان الرئيس (السوداني) جعفر نميري و(رئيس الحكومة التونسية) باهي الأدغم في طريقهما إلى جناح الرئيس فهل نوقظه ؟).. ونظرت في ساعتي ـ كما أتذكر جيدا ـ وكانت الخامسة وسبع دقائق وقلت: (ننتظر بعض الوقت, نعطيه دقائق اضافية من النوم لو كنا نستطيع) وقمت باستقبال الرئيس نميري وباهي الأدغم وقلت لهما همسا: (ان الرئيس نائم ولم نشأ إيقاظه, ولكننا نوقظه إذا أرادا) وقال الرئيس نميري: (نتركه بعض الوقت, لقد جئنا بمشروع اتفاق كلفنا باعداده على ضوء مناقشات جلسة بعد الظهر ليكون أساسا لحديثنا في جلسة المساء) وناولني الباهي الأدغم مشروع الاتفاق لأقرأه, وقرأته على مهل وفي ذهني أن أطيل الوقت إلى أقصى حد ممكن.. وتناقشنا في بنود المشروع, واتجه حديثنا إلى بعض ما دار في جلسة بعد الظهر, ثم كان الوقت يقترب من الخامسة والنصف وطلبت من محمد داود أن يدخل لايقاظ الرئيس, وجاء محمد داود بعد دقيقة يطلبني إلى غرفة نوم الرئيس وذهبت وكان واقفا بجوار الفراش واستمع إلي في ثوان قليلة ثم قال: (اجلس معهما وسوف آخذ حماما سريعا وألحق بكم) واستطرد وهو يتنهد: (لقد كنت في نوم عميق من شدة التعب) ولحق بنا إلى الصالون وكانت الساعة الخامسة والنصف تماما. وأمسك بيده مشروع الاتفاق ولم يجد نظارته وناولني الوراق وطلب مني أن أقرأه على مسمعه وكان تعليقه أن المشروع يمكن أن يكون أساسا مقبولا (إذا خلصت النوايا) وجاء محمد أحمد يسلمني رسالة بعث بها ياسر عرفات الذي كان يقيم في الدور الرابع من الفندق وسألني الرئيس عما بها وقلت: (ان ياسر عرفات تلقى من عمان معلومات بأن الجيش الأردني يكثف هجماته لتتم له السيطرة على عمان الليلة وهو يريد تعليمات تصدر إلى ضباط المراقبة المصريين الذين سافروا هذا الصباح إلى عمان لكي يباشروا عملهم وبالذات في منطقة الأشرفية) وقال الرئيس: (فلنطلب ياسر عرفات نبحث معه مشروع الاتفاق قبل الجلسة, واسألوا أيضا عن معمر القذافي إذا كان قد وصل, وينضم إلينا هنا). وجاء ياسر عرفات, وكان منفعلا وبادر إلى القول موجها حديثه إلى الرئيس: (سيادة الرئيس, كيف نستطيع أن نأتمن هؤلاء الناس وهم هناك مصرون على التصفية, بينما نحن هنا نتباحث؟ لا فائدة وليس أمامنا إلا أن نهد الدنيا على رؤوسهم ورؤوسنا ولتكن النتيجة ما تكون). وقال الرئيس: (ياسر ... لا يجب لأي شيء الآن أن يجعلنا نفقد أعصابنا, لابد أن نسأل أنفسنا طول الوقت: ما هو الهدف؟ الهدف كما اتفقنا هو وقف اطلاق النار بأسرع ما يمكن, إنني تحركت من أجل هذا الهدف بناء على تقديري للظروف وبناء على طلبك أنت لي من أول لحظة. إن موقفكم في عمان مرهق ورجالكم في اربد عرضة للحصار وقد قلت لك من أول دقيقة اننا لا نستطيع مساعدتكم بتدخل عسكري مباشر من جانبنا لان ذلك خطأ, لان معناه انني سأترك اسرائيل لأحارب في الأردن, كما ان ذلك إذا حدث سوف يفتح الباب لتدخلات أجنبية تنتظر هذه اللحظة. إنني أحاول أن أكسب وقتا لكي أستطيع زيادة قدرتكم على المقاومة ولتصلوا إلى حل معقول, انني خلال الأيام الأخيرة فتحت لكم أبواب كل ما أردتموه من سلاح وذخيرة, كما انني بعثت إلى بريجنيف لكي يضغط الاتحاد السوفييتي بكل قوته على الولايات المتحدة الأمريكية حتى لا تتدخل, ولقد بعثت أنت لي تطلب مني أن أفعل ذلك وقد فعلته, كل ذلك في سبيل أن تكسب وقتا تحول فيه دون ضربة قاصمة توجه للمقاومة وتعوق كذلك وحدة قوى النضال العربي). واستطرد عبدالناصر: (انني حرقت دمي خلال الأيام الأخيرة لكي أحافظ عليكم وكان أسهل الأشياء بالنسبة لي أن أصدر بيانا انشائيا قويا أعلن فيه تأييدي لكم ثم أعطيكم محطة اذاعة تقولون منها ما تشاءون ضد الملك, ثم أريح نفسي وأجلس لأتفرج, لكنني بضميري وبالمسئولية لم أقبل ذلك). واستطرد عبدالناصر: (انني أستطيع أن أنهي المؤتمر هذه اللحظة, إن المؤتمر من الوجهة السياسية قد حقق كثيرا, ذهب الأخ نميري أول مرة وعاد بأربعة من زعماء المقاومة استخلصهم بالضغط من السجن, وذهب الأخ نميري مرة أخرى وعاد بك, ثم صدر عنا بتقرير نميري والبعثة التي رافقته إلى عمان تقرير أوضح الحقيقة كلها وشكل قوة ضغط أستطيع أن أترك الأمور على هذا الحد وأستريح, ولكنني أسأل نفسي وأسألك: ما هو الهدف؟ هذا هو السؤال الذي يجب ألا ننساه, هدفنا لا يزال هو وقف اطلاق النار لاعطائكم فرصة لاعادة تقرير موقفكم واعادة تجميع قواكم, ونحن الآن أمام فرصة للاتفاق, هل نحاول؟ أو نسكت وننسى هدفنا؟ لك القرار لان موقفي منذ اللحظة الأولى كان من أجلكم من أجل حمايتكم وحماية الناس الذين لا ذنب لهم والذين هم الآن قتلى لا يجدون من يدفنهم, وجرحى لا يجدون من يعالجهم, وشاردون بين الأنقاض أطفالا ونساء يبحثون في يأس عن أبسط حق للإنسان وهو حق الأمن على حياته. وسكت عبدالناصر, وساد الصمت لحظة, ودخل العقيد معمر القذافي, وجاء بعده محمد أحمد يقول ان كل الملوك والرؤساء العرب بدأوا يفدون على القاعة في انتظار بدء الاجتماع, وقال الرئيس عبدالناصر: (هل نذهب؟) وأردف: (هل نذهب لنفض الاجتماع, أو لنواصل الحديث سعيا وراء هدفنا؟) وقام الجميع إلى المصعد, نازلين إلى قاعة الاجتماعات في الدور الثاني وكان ياسر عرفات ممسكا بيدي يقول لي: (له الله, كتب عليه أن يحمل هموم العرب كلهم, وخطاياهم أيضا). تفكيرنا رماد كان الاجتماع مقصورا على الملوك والرؤساء, وعدت إلى الدور الحادي عشر في فندق هيلتون أدخل الغرفة التي كان يقيم فيها أنور السادات وكان جالسا في الشرفة وأمامه جهاز راديو يحاول أن يسمع منه إحدى المحطات, ووقفت معه بعض الوقت نتحادث فيما هو جار وفيما هو محتمل ثم ذهبت أجري اتصالا تليفونيا مع (الأهرام) وجاء يطلبني بسرعة إلى قاعة الاجتماعات وكان السيد الباهي الأدغم هو الذي يريدني ووقف معي في مدخل القاعة يقول لي انه إذا انتهى الاجتماع إلى اتفاق, وإذا أقر تكليفه برئاسة لجنة الرقابة على تنفيذه فهو يريد أن يأخذ معه وفدا من الصحافيين يمثل الصحافة العربية والعالمية, ليكون الرأي العام نفسه رقيبا وشاهدا, وحبذت الفكرة, وعاد الأدغم إلى القاعة وفكرت من جانبي ـ متوقعا أن يطول الاجتماع ـ في الذهاب إلى (الأهرام) بنفسي بدل عناء الاتصالات التلفونية, ووصلت إلى (الأهرام) لأجد كبير الياوران على التلفون يطلبني ويقول لي: (ان الرئيس يريدك في القاعة فورا. وعدت بسرعة إلى فندق هيلتون متوجها إلى القاعة ولمحني الرئيس عبدالناصر أدخل من بابها فأشار إلي أن أجلس بجانبه, وقال لي همسا: (لقد تم الاتفاق, وهم الآن يكتبون صيغته النهائية على الآلة الكاتبة لكي نوقعها جميعا) وكانت الدهشة من السرعة بادية في عيني, وقال الرئيس ضاحكا: (مالك؟) وقلت: (لم يتغير رأيي بعد الاتفاق عما كان عليه وقت الصراع مازلت أقول كما كنت أقول: العقل العربي في حالة تراجع إلى الغريزة. تفكيرنا رماد, وعواطفنا حريق) قال: (حتى بعد الاتفاق تقول ذلك؟) قلت: نعم, وأقول اننا كنا ومازلنا قبائل, نغضب في لحظة ونهدأ في لحظة, نشهر السلاح في وجه بعضنا, وبعد قليل نتصافح ونتعانق كأن لم يحدث شيء) قال وهو لا يزال يضحك: (دعك الآن من الفلسفة, ليس هناك وقت لها, هناك هدف نسعى إليه الليلة وأما الفلسفة فنستطيع تأجيلها إلى الغد وسيكون لديك كل الوقت لتغرق فيها!) ثم راح يتحدث عن ترتيبات اعلان الاتفاق, ثم تنفيذه, ثم طلب إلي أن الحق به بعد الاجتماع في جناحه. وجاء إلى جناحه في الساعة الحادية عشرة وكانت سعادته بالوصول إلى اتفاق تغطي احساسه بالارهاق بعد كل ما عمل وبذل, ووقف في الشرفة المطلة على النيل وقال: (هذا أجمل منظر تراه العين) وجاء انور السادات وحسين الشافعي وعلي صبري وراح يروي لهم بطريقته المرحة بعض ما دار في الاجماع, ثم سأل فجأة: (أين معمر القذافي؟) وجاء محمد أحمد بعد قليل يقول: ان الرئيس معمر القذافي توجه من قاعة الاجتماع الى المطار ليعود الى بنغازي, وانه صافح الرئيس بعد انتهاء الجلسة, فعل ذلك مودعا وهو لا يريد أن يثقل على الرئيس ولهذا فهو يرجوه أن لا يذهب لوداعه في المطار, وقال الرئيس على الفور: (اتصلوا بالمطار وعطلوا الطائرة حتى أذهب, لابد أن أودعه بنفسي. (ثم قال على الفور: (أظن أنه لم يبق هناك داع الآن لبقائي في الفندق, أريد أن أعود الى بيتي, لقد أوحشني (الأولاد) ولعلي أستطيع أن اراهم قبل ان ينامو الليلة) . والتفت اليّ يقول: (هل انت متعب؟) قلت: (أبدا) قال: (إذن ابق هنا لقد كلفت الفريق (محمد أحمد صادق رئيس الاركان) أن يقابل الباهي الأدغم وان يبحث معه ترتيبات سفر لجنة الرقابة, احضر معهم هذا الاجتماع) ثم استطرد: (ولعلك أيضا تقابل إخواننا في المقاومة) وقلت: (إذن سأبقى ومشيت معه من جناحه إلى المصعد, وسلمت عليه قبل أن يقفل الباب, ولم يكن يخطر بخيالي أنها آخر مرة أصافحه). وفي الساعة الواحدة دق جرس التليفون في مكتبي.. وجاءني صوته وأحسست به متعبا. متعبا إلى أقصى حد.. وأعدت عليه حديث الاجازة وقال: إنه يستريح بعد وداع أمير الكويت, وسألته عما يشعر به قال: (أجد نفسي غير قادر على الوقوف) وسألته: هل رأيت الطبيب؟) وقال: (كان عندي الدكتور الصاوي (حبيب) وأجرى رسما جديداً للقلب, وقال إن كل شيء كما هو (وقلت: (وآلام الساق.. أما من دواء لها؟) وقال: (سوف أضع قدمي في ماء دافىء به ملح وأظن أن الألم سوف يتحسن, هو طول الوقوف فما اعتمد وعدت ألح في حديث الاجازة واقترح ان يذهب الى الاسكندرية وقال: (لا أستطيع الذهاب متعباً بهذا الشكل, سوف أنام هنا يوماً كاملاً, وبعدها أفكر في الذهاب الى الاسكندرية) ثم تطرق الحديث الى السياسة كالعادة وسألني عن رد الفعل في اسرائيل لاتفاق حكومة الاردن مع المقاومة, واجبته بملخص البرقيات التي وردت ذلك الصباح, ثم قال: (هل تعرف أن بيرجيس ــ يقصد دونالد بيرجيس القائم على شئون الرعايا الامريكيين في القاهرة ــ سوف يسافر إلى ايطاليا وهناك سوف يجتمع بنيكسون, انه اتصل بالخارجية امس وسأل إذا كان هناك ما يستطيع أن ينقله إلى نيكسون, اريدك أن تطلبه الآن وأن تبلغه رسالة مني إلى نيكسون, اطلب منه أن ينقل له إنني مازلت أسعى إلى حل على اساس قرار مجلس الامن, آن موقفي لم يتغير, ان الضجة التي يثيرونها عن الصواريخ زادت عن حدودها وهي بلا منطق, إذا كانت اسرائيل تنوي الانسحاب من كل الاراضي المحتلة فما ه خوفها من الصواريخ على فرض اننا قمنا بتركيبها؟.. (قلت له: (إنني سأطلب بيرجيس).. قال: (أطلبه الآن! ورفع سماعة التليفون الآخر وطلبت إلى مكتبي ايطالي بدونالد بيرجيس وقلت له: (إن لدي رسالة كلفت بإبلاغها اليك لكي تنقلها الى نيكسون).. وقال بيرجيس: (متى تريدين أن أجيء؟) قلت له: (الساعة السابعة مساء) وأقفلت التليفون معه والرئيس على الخط يواصل الحديث ولا يخطر ببالي انني سأؤجل موعدي مع بيرجيس لأن عبدالناصر سوف يكون قد رحل قبل الموعد المحدد, ثم تشاء المقادير أن اسلم الرسالة الى ريتشاردسون الذي رأس وفد العزاء في عبدالناصر وكان قد جاء ليتحدث معي, وقلت له: (ليس لدي ما أقوله لك غير رسالة كلفني بإبلاغها الى بيرجيس لينقلها إلى نيكسون وهذه الرسالة الآن لك). و(استطرد الرئيس يقول: (لا أظنهم سوف يفهمون شيئاً ومع ذلك فلابد أن يكون موقفنا واضحا ولو أمام انفسنا وليتصرفوا هم كما يشاءون) ثم مضى الرئيس يقول: (قد لا أتصل بك في المساء لأنني سوف أنام) ووجدتني أقول بطريقة تلقائىة: (تصبح على خير) وقال ضاحكا: (ليس بعد, نحن مازلنا الآن في عز النهار). وكانت تلك آخر مرة أسمع فيها صوته. (واستراح قليلاً في غرفته ثم قام يرتدي ملابسه مستعدا للتوجه الى المطار لمراسم الوداع الأخير مع أمير الكويت, واتصل بسامي شرف يسأله عما اذا كان هناك جديد؟ وقال سامي شرف انه ليس هناك جديد ولكنه يلح على الرئيس في ضرورة ان يريح نفسه لأن الجهد الذي يبذله عنيف.. وقال الرئيس: (سوف انام بعد ان اعود.. سوف أنام نوماً طويلاً). ثم استطرد: (وفي الغد نتكلم عن الاجازة) وخرج من غرفته متوجها الى السلم امام المصعد ثم ضغط على الزر يطلبه, وكانت أول مرة منذ تركيب المصعد في بيته يستعمله فيها للنزول, كان دائما يستعمله في الصعود, وعند النزول كان يفضل السلم, وفي وداع أمير الكويت أحس في الدقائق الاخيرة انه متعب بأكثر مما يحتمل لكنه تماسك بجهد لا يصدق, وقبل أمير الكويت وهو يتصبب عرقاً, والدوار يعتريه. الفارس يترجل (وصعد أمير الكويت إلى طائرته والتفت الرئيس يطلب سيارته, وكان ذلك على غير المعتاد فقد كانت العادة ان يذهب هو ماشياً إلى حيث تقف سيارته وان يحيي جماهير المودعين, وجاءت السيارة ودخل اليها وهو يقول لمحمد أحمد: (أطلب الدكتور الصاوي يقابلني الآن في البيت) واستقل المصعد من الدور الأول في بيته إلى الدور الثاني, وكانت الاسرة كلها في انتظاره واحسوا جميعا انه متعب ولكنه وقف وسطهم دقيقة يتحدث مع حفيديه هالة وجمال ثم يتوجه بعد ذلك الى غرفة نومه وتلحق به السيدة الجليلة قرينته تسأله متى يريد الغداء ويقول لها وهو يخلع ملابسه: (لا استطيع أن اضع شيئا في فمي) ويرتدي بيجامة بيضاء مخططة بخطوط زرقاء ويدخل الى سريره ويجيء الدكتور الصاوي وتستأذنه السيدة الجليلة قرينته في الخروج لأنها ــ كما عودها دائما ــ لا تقف في الحجرة وهناك فيها غيره حتى ولو كان الطبيب, ولكن قلبها لا يطاوعها على الخروج بغير سؤال لمحه الرئيس في عينيها قبل أن تنطق به وقال لها مطمئنا: (لا تخافي, اظنه نقصا في السكر) وقالت بسرعة: (أجيئك بشيء؟) وقال الدكتور الصاوي: (أي عصير) وذهبت هي تعصر ليموناً وكوب برتقال, بينما الدكتور الصاوي يشعر من أول لحظة أن هناك طارئاً خطيراً, ويخرج من الغرفة ليتصل بمحمد أحمد على التليفون, ويطلب منه استدعاء الدكتور منصور فايز والدكتور زكي الرملي. (ويعود الى الغرفة والسيدة الجليلة قرينة الرئيس تدخل اليها حاملة كوب عصير برتقال وكوب عصير ليمون, ويختار الرئيس كوب البرتقال ويشربه, وتخرج هي من الغرفة ويبدأ الدكتور الصاوي محاولاته لوقف الطارىء الخطير, كان تشخيصه على الفور أن هناك جلطة في الشريان الأمامي للقلب, ولما كانت الجلطة السابقة في سبتمبر من العام الماضي قد أثرت في الشريان الامامي, إذن فالموقف دقيق وحرج, ويصل الدكتور منصور فايز وعند وصوله تحس السيدة الجليلة قرينة الرئيس بأن هناك شيئاً غير عادي, كانت طوال الوقت واقفة تنتظر في قاعة الجلوس التي تجتمع فيها الاسرة وهي على مدخل البهو المؤدي الى غرفة مكتب الرئيس ثم غرفة نومه في الدور الثاني من البيت, وحين وجدت الدكتور منصور فايز أمامها اقتربت منه والقلق يشد ملامحها لتقول له: (لا تؤاخذني يا دكتور لا أقصد الإساءة, ولكن مجيئك يقلقني, انت تجيء عندما يكون هناك شيء غير عادي) وقال لها الدكتور منصور فايز: (أرجوك أن تطمئني, كل شيء بخير إن شاء الله) ودخل, وبعد قليل جاء الدكتور زكي الرملي, كان التشخيص واحداً, وكانت الإسعافات التي بدأها الدكتور الصاوي قبل مجيئهما مستمرة وكان الرئيس منتبها الى كل ما يجري. (وحوالي الساعة الخامسة بدأ الأمل يقوى, كان النبض قد بدأ ينتظم وضربات القلب تعود الى قرب ما هو طبيعي, واستراح الاطباء والتقطوا انفاسهم وهم بجواره وهو يراقبهم بابتسامة هادئة على شفتيه, ثم بدأ يتحدث معهم, كانت الساعة الخامسة إلا خمس دقائق بالضبط, وقال الدكتور منصور فايز: إن الرئيس في حاجة إلى إجازة طويلة) وقال الرئيس: (كنت اريد أن اذهب الى الجبهة قبل الإجازة, هل استطيع أن اذهب لارى (أولادنا) هناك قبل الإجازة؟) وقال الدكتور منصور فايز: (إن ذلك سوف يكون صعبا, ويجب أن تسبق الإجازة اي نشاط آخر) وقال الرئيس: إن كل الوزراء اليوم في الجبهة, لقد طلبت أن يذهبوا الى هناك وان يعيشوا يومين مع الضباط والجنود, يجب ان يعرفوا ويعرف كل مسئول حقيقة ما يقوم به الجيش في الجبهة. (وهم الرئيس من فراشه ومد يده الى جهاز راديو بجانبه وفتحه يريد أن يسمع نشرة اخبار الساعة الخامسة من اذاعة القاهرة, وبينما اللحن المميز لنشرة الأخبار من إذاعة القاهرة ينساب في الغرفة ويبدد بعض الشيء من جوها المشحون بالطارىء الخطر أحس الدكتور منصور فايز انه يريد ان يدخن سيجارة وتصور أن خروجه من الغرفة ليدخن سيجارة قد يكون فرصة تطمئن فيها السيدة الجليلة قرينة الرئيس على صحته, وخرج فعلا الى غرفة المكتب ثم إلى البهو المؤدي الى غرفة الجلوس ووجدها أمامه ويداها تعصران وجهها من القلق ومشقة الانتظار.. وقال باسما: (إنه بخير والحمد لله) وسألته بلهفة: (صحيح؟) وقال لها: (إنني كطبيب اسمح لك بأن تذهبي وتريه بنفسك) وقالت له: (أخشى إذا دخلت ان يشعر بقلقي ويتضايق, إنه لم يتعود أن ادخل وهناك أطباء وإذا دخلت فقد يتصور ان هناك شيئاً غير عادي). (في غرفة نوم الرئيس كان المشهد يتغير بسرعة لم تكن متوقعة, استمع الرئيس الى مقدمة نشرة الاخبار ثم قال: (لم أجد فيها الخبر الذي كنت اتوقع ان اسمعه) ولم يقل شيئا عن الخبر الذي كان ينتظر سماعه, وتقدم منه الدكتور الصاوي وقال: (ألا تستريح سيادتك؟ إنك فتحت جهاز الراديو ثم قفلته ولا داعي لأي مجهود الآن) وعاد الرئيس يتمدد تماما على فراشه ويقول بالحرف: (لا يا صاوي, الحمد لله, دلوقت استريحت) ولم يفرغ الدكتور الصاوي من عبارة يقول فيها (الحمد لله يا فندم) (لم يفرغ ونظره مركز على الرئيس حتى وجده يغمض عينيه ثم وجد يده تنزل من فوق صدره حيث كان وضعها وتستقر بجواره بعدها لم يشعر عبدالناصر بشيء, لم يقل كلمة, وكانت ملامح وجهه تعكس نوعا غريبا من الراحة المضيئة, وجرى الدكتور الصاوي هلعا ينادي الدكتور منصور فايز وقف كل الأطباء أمام الفراش وبيدهم وعقولهم كل ما يستطيعه العلم. (ووصلت الى البيت وصعدت السلم قفزاً وكانت السيدة الجليلة قرينة الرئيس أول من لقيت وكانت إحدى يديها تضغط على خدها واليد الأخرى تمسك برأسها وليس على لسانها وقد ملكها الخوف والخطر إلا نداء واحد: (جمال.. جمال). وكانت تكتم نداءها حتى لا ينفذ إلى حيث يرقد هو, وعبرت غرفة مكتبه بسرعة الى غرفة نومه والى فراشه وكان الاطباء مازالوا من حوله وكان ممددا على الفراش وسطهم, بالبيجامة البيضاء بخطوطها الزرقاء, وفوجئت بما رأيت. (عندما دعيت الى البيت لم يخطر ببالي ما قدر لي أن أراه أقصى ما خطر ببالي عندما دعيت إلى بيته (لأنه متعب) هو أن شيئاً مما ألم به في العام الماضي قد عاوده, لكنني لم أكن مهيئاً لما رأيت, ولأول نظرة على الفراش فإنني أحسست بما لا أستطيع اليوم ولا غدا أن اصفه من مشاعري. (كان هناك على الفراش هدوء غريب, صمت كامل, كان هناك شيء واحد يلمع بشدة وهو دبلة الزواج في يده ينعكس على ضوء النور المدلى من السقف, ولم أحاول أن اقترب من اي واحد من الاطباء فلم يكن من حق أحد أن يشغلهم, والتفت حولي الى بقية من في الغرفة: شعراوي جمعة وسامي شرف ومحمد أحمد, وكانوا جميعا مثلي معلقين بين السماء والأرض, ووجدتني أدور في الغرفة وأبتهل, أردد والدموع تنزل صامتة: يارب, يارب! ثم أرقب محاولات الاطباء الاخيرة وأناديه في علاه: يارب غير ممكن.. يارب غير معقول! وتستمر محاولات التدليك الصناعي للقلب, وتتكرر تجربة الصدمة الكهربائىة والجسد الطاهر يختلج ولكن الهدوء يعود بعد كل اختلاجة, بلا حس ولا نبض, وأحسست أن الاطباء فقدوا الامل, وأنهم لا يحاولون بالعلم, ولكن يحاولون ضد العلم. (وجاء علي صبري ووقف مبهوتا امام ما يجري, وجاء حسين الشافعي واستدار الى القبلة يصلي لله, وجاء أنور السادات ووقف امام الفراش رافعا وجهه الى السماء يتمتم بآيات من القرآن, ودخل الفريق أول محمد فوزي والذهول يملأ وجهه في نفس اللحظة التي قال فيها أحد الأطباء: (إن كل شيء قد انتهى) وقال الفريق أول فوزي بحدة ملتاعة: (لا.. لا يمكن.. واصلوا عملكم) وانفجر الدكتور منصور فايز باكيا, وانفجر معه كل الاطباء باكين, وانهمرت الجموع, طوفان من الدموع. (ودخلت السيدة الجليلة قرينته الى الغرفة المشحونة بالجلال والحزن, لا يمكن لأحد أن يصف أحزانها المتوهجة كالجمر المشتعل, امسكت يده تقبلها وتناديه, وسمعت أحد الباكين يقول: (الرئيس.. الرئيس..) والتفتت تقول: لا تقولوا الرئيس.. قولوا جمال عبد الناصر وكفى.. سيبقى بالنسبة لي وللناس كلهم جمال عبدالناصر) ثم انحنت عليه تقبل يده مرة اخرى وهي تقول: (لم يكن في الدنيا سواه.. ولا أريد في الدنيا غيره.. ولا أطلب شيئا الا ان اذهب الى جواره حيث يكون) ثم التفتت السيدة الجليلة في حزنها الذي يفتت الصخر تسألني: (قل لي أنت.. رد عليّ.. ألن أسمع صوته بعد الآن؟) وأقبل أحد الاطباء يغطي وجهه ونظرت اليه متوسلة بالدموع والنشيج: (اتركوه لي.. انظر اليه..أملأ عيني به) واستدار كل من في الغرفة خارجين, تاركين اللحظة الاخيرة وحدها معه. برق ورعد (وعندما جاءت السيارة تنقل جثمانه الطاهر الى قصر القبة كانت في وداعه حتى الباب وكانت كلمتها المشوبة باللهب الحزين والسيارة تمضي: (حتى بعد ان مات, اخذوه مني, لم يتركوه لي) وانطلقت السيارة في جوف الليل الحزين. (وسرى النبأ كعاصفة من برق ورعد, وزلزال يهز البحر الأبيض ـ قلب الدنيا وبؤرة التاريخ ــ من أعماق الأعماق, إلى ذرى الامواج العالية, وفي شرق البحر الأبيض ــ في عمان ــ تسمرت الدبابات في اماكنها وخرج رجال المقاومة من خنادقهم يصرخون وينادون عليه. وأجهش حافظ الاسد وزير الدفاع السوري بالبكاء وهو يقول: (كنا نتصرف كالاطفال وكنا نخطىء.. وكنا نعرف انه هناك يصحح ما نفعل ويرد هو اثاره) وفي شرق البحر الأبيض ـ في تل ابيب ــ كان النبأ أخطر من ان يصدق للوهلة الاولى وقالت جولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل) من الذي اطلق هذه النكتة السخيفة)؟ ثم تأكد النبأ وخرجت جولدا مائير تشارك الشعب الاسرائيلي فرحته بالخلاص من أعدى اعداء اسرائيل واصدر موشى ديان (وزير الدفاع) أمره الى القوارب المعدة للتدخل الاسرائيلي ــ الامريكي أن تتفرق, وفي شمال البحر الابيض كان الرئيس ريتشارد نيكسون قد صعد لتوه الى ظهر حاملة الطائرات (ساراتوجا) ثم توجه الى كابينة القيادة التي سيحل بها أثناء مناورات الاسطول السادس التي كان الهدف منها ان يسمع جمال عبدالناصر في القاهرة صوت مدافعه, ودخل عليه مساعده هالدمان بالنبأ, وذهل نيكسون ثم كان قوله بعد قليل: (لا داعي الآن لهذه المناورة كلها) وصمتت قعقعة السلاح على قطع الاسطول الامريكي السادس وطأطأت المدافع رؤوسها للحدث الخطير الذي يتعدى باثاره كل الحدود. (وإن على البحر الأبيض ـ قلب الدنيا وبؤرة التاريخ ــ سكوتا كثيفا ــ وهدأت العواصف وارتمت الأمواج على الشواطىء وقد استنفدت قواها, وكان جمال عبدالناصر في حياته أكبر من الحياة, وكان جمال عبدالناصر بعد رحيله أكبر من الموت).