في السنوات الأخيرة, تعالت أصوات بعض المثقفين والنشطاء السياسيين العرب بالتوجه إلى الرأي العام الإسرائيلي أو أقسام منه مثل جماعات السلام الإسرائيلية, بل ان البعض نادى بأهمية الحوار مع اليمين الإسرائيلي من ليكود وجماعات دينية متشددة. ولا يجب أن ننسى أن الرأي العام الإسرائيلي في الآونة الأخيرة بدأ يظهر فيه ما يسمى بجماعات السلام بعد أن اطمأن لانتزاع القدرة العسكرية العربية وذلك عبر تقييد الأطراف العربية الفاعلة بالاتفاقيات والمعاهدات (كامب ديفيد أوسلو وادي عربة) وبعد أن تم تقليص القدرة العسكرية العراقية بحرب الخليج الثانية وبعد الحصار المفروض من قبل الولايات المتحدة وإنجلترا, وبعد أن اطمأنت إسرائيل لقدرتها العسكرية التقليدية والنووية, بعد ذلك كله كان من الطبيعي أن تظهر جماعات السلام والمؤرخون الجدد وغير ذلك مما أعطى انطباعاً عن رغبة الرأي العام الإسرائيلي بالسلام. وحتى نتبين ذلك بالدراسة العلمية لابد من تحليل الرأي العام الإسرائيلي ومكوناته والثوابت والمتغيرات القائمة فيه, وكيفية التشكيل, وذلك كله من أجل امتلاك القدرة على المساهمة في تغييره كلياً أو جزئياً. آخذين في الاعتبار أن قياسات الرأي العام, بالذات بالنسبة للسياسة الخارجية والأمن القومي تواجه الكثير من الأسئلة مثل مدى عقلانية الرأي العام, درجة استقرار اتجاهات الرأي العام, وحجم تأثير الرأي العام على القرار السياسي. لذا فمهمة دراسة الرأي العام الإسرائيلي ليست سهلة ولا بسيطة, ذلك أننا سرعان ما نكتشف إننا بصدد دراسة الشخصية الإسرائيلية بامتدادها في الماضي والحاضر, حتى نتعرف على المكونات الفاعلة والمشكلة للرأي العام الإسرائيلي. وعن ذلك يقول الأستاذ السيد ياسين في دراسته عن اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي من كتاب (تشريح العقل الإسرائيلي) ما نصه, حين يتعرض الباحث لـ: إسرائيل, الشخصية القومية, المجتمع, أراء الصفوة السياسية, اتجاهات الرأي العام, فليست المهمة سهلة ولا ميسورة. ذلك أننا سرعان ما نصطدم بكيان له سمات بالغة الخصوصية, على السطح يبدو للنظرة غير المتأملة, أن إسرائيل مجتمع متقدم, يسوده نظام ينهض على مبادئ الليبرالية الغربية, حيث نجد تعدد الأحزاب وأحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة بل ونجد تعدد الأصوات في الصحافة, غير أنه لو تجاوزنا هذا المستوى السطحي لوجدنا أن هذا التجمع يحفل بعديد من الظواهر التي تتناقض تناقضاً رئيسياً مع انطباعات النظرة الأولى, فالشخصية الإسرائيلية زاخرة في صميمها باتجاهات سلبية سواء تجاه الذات أو تجاه الآخرين, وهي شخصية تبلور فيها إرث العداء للسامية عبر القرون, بما فيه من ردود أفعال اليهود تجاه (الأغيار) وانطلاقاً من الفهم غير السطحي للرأي العام الإسرائيلي, لابد من الكشف عن مكوناته الرئيسية والتي يأتي على رأسها: * الإيديولوجية الصهيونية السائدة والمطبقة في المجتمع الإسرائيلي. * نمط التنشئة الاجتماعية الذي تفرضه الصفوة السياسية من خلال النظام التعليمي ووسائل الإعلام. * الصفوة السياسية الحاكمة وخياراتها السياسية الصهيونية: نتيجة تردي أوضاع اليهود في المجتمعات الغربية في القرن التاسع عشر, وهي الوضعية التي نجمت عن أسباب سياسية واقتصادية كان من أهمها بزوغ عصر الاستعمار وفتح الأسواق بالنسبة للرأسمال الغربي, لفظت تلك المجتمعات اليهود عبر نظرة عنصرية, وعملت على إعادة توظيفهم لصالحها ولكن خارج أراضيها, تلازم مع تلك النظرة وذاك الابعاد بروز أيديولوجية سياسية نشأت أيضاً في القرن التاسع عشر, أخذت تطالب بإعادة توطين اليهود في فلسطين (أرض الأجداد) وهكذا صورت الأيديولوجية الصهيونية, المشكلة بصورة مزيفة, باعتبارها مشكلة وجودية تخص علاقة اليهود بالأغيار, حيث يوجد يهود وآخرون فلابد من نظرة المعادين للسامية, أي للجنس السامي اليهودي!! وهي مشكلة وجدت مع الوجود اليهودي ذاته, بالإضافة إلى أن اليهود شعب واحد متجانس عرقياً ومصلحيا ومصيرياً رغم الهجرة الجبرية التي تعرض لها من فلسطين عام 70م. وأخيراً فالصهيونية جاءت تعبيراً عن كل ذلك ورغبة في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وفي ضوء ذلك تحرك الصهاينة الأوائل بقيادة هرتزل ساعين لتحقيق أهدافهم في العودة إلى أرض الميعاد, إلى أرض فلسطين, وحدث تلاقي المصالح مع الرغبات الأسطورية, حدث تلاقي مصالح الغرب الاستعماري بقيادة إنجلترا مع رغبات الصهاينة الأوائل بقيادة هرتزل وكانت الدولة الإسرائيلية عام ,1948 تتويجاً للحركة الصهيونية وجهودها التخطيطية والمؤامراتية والتمويلية والإرهابية, وعبر كل ذلك تم زرع موجات الهجرة اليهودية المتتالية في أرض فلسطين, حيث نشأ التجمع اليهودي وتبلورت شخصيته من جراء الهجرات اليهودية التي جاءت من أوروبا الوسطى والشرقية, وعبر مهام جعلتها الصهيونية أجندة عملها مثل: غزو اليهود لقطاعات الزراعة الفلسطينية, تحت شعار (اقتحام العمل) بغرض إبعاد العرب عن الأرض والانفراد باقتصاد فلسطين. كما شملت الأجندة اليهودية الاستيطانية في فلسطين (اقتحام الأرض) أي احتلال أرض الميعاد المقدسة لذا فعلى كل مستوطن واجب تحرير تلك الأرض بكافة السبل حتى يطهر ذاته ويتخلى عن سلوكه الطفيلي الذي انتهجه في الشتات وبعد اقتحام الأرض والعمل كان واجباً اقتحام الحراسة, حيث من غير المعقول أن يحرس الأرض المسروقة أصحابها الأصليين من العرب لذا كان من الواجب أن يقوم بالحراسة اليهود المستوطنون أنفسهم. وهم بذلك يتعلمون الدفاع وحمل السلاح, واكتملت أجندة العمل الاستيطاني بإصدار تعليمات بمقاطعة السلع العربية ومنع التعامل مع العرب وكان ذلك اقتحاماً للإنتاج. ومن أجل تحقيق تلك الأجندة كان لابد من تعميم وتعميق الخطاب الأيديولوجي الصهيوني حتى يصل إلى كل فرد حيث صار من اللازم اعتقاده أنه من شعب الله المختار وأن هذه أرضه الموعود بها من الله. وأن من واجبه المقدس أن يعمل على استعادتها وأن سكان هذه الأرض من العرب هم أغيار أقل منه وغير مقدسين مثله, وأن أعماله الأخيرة سوف يكون من نتيجتها عودة إسرائيل الكبرى إلى مواقعها حتى يجيء المسيح المنتظر ملك اليهود!! والغريب أن تلك الدعوات الاسطورية تلاقت مع دعوات اسطورية أخرى صادرة عن اليمين الديني في الغرب الاستعماري التي تشير إلى نهاية التاريخ وعودة المسيح الثانية. وينكشف لنا من البدايات تلك المبادئ الحاكمة للشخصية اليهودية التي تشكلت مع فعل اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج, بالإضافة إلى الأرض الموعودة والوعد الإلهي والشعب المقدس والأغيار وغير ذلك من الأساطير. من هنا نستطيع أن نعرف عنصرية الشعب الإسرائيلي ومن أين جاءت كما نستطيع أن نعرف لماذا يتمسك بالأرض والمستوطنات؟ ولماذا تسيطر عليهم هواجس الأمن طوال الوقت؟ لما لا وهم يعلمون أنهم استوطنوا أرضاً وطردوا سكانها دون وجه حق. فهل بعد ذلك نستطيع أن نقول أن الإسرائيليين داعون وراغبون في السلام. المعنى الوحيد للسلام بمعناه التطهري هو الخلاص من الخطيئة ولن يأتي ذلك إلا بترك الأرض الفلسطينية. أما إذا كان المقصود بالسلام أي التسوية السياسية فهذا شيء آخر له قوانينينه وشروطه. العمل الثاني: المتحكم في الرأي العام الإسرائيلي هو نمط التنشئة الاجتماعية الذي تفرضه الصفوة السياسية من خلال النظام التعليمي ووسائل الإعلام. يكفي إلقاء نظرة على قانون التعليم الرسمي في إسرائيل والذي جاء به (إن الهدف من التعليم الرسمي هو إرساء الأسس التربوية على أسس الثقافة اليهودية ومنجزات العلم وعلى محبة الوطن والولاء للدولة وللشعب اليهودي وعلى ممارسة الأعمال الزراعية والحرفية, وعلى التهيؤ لوجود رائد, والعمل على تشييد مجتمع تسوده مبادئ الحرية والمساواة). وهكذا نجد أن التعليم اليهودي في المرحلة الأولى يستند إلى الثقافة اليهودية, منجزات العلم, الولاء المزدوج للدولة وللشعب اليهودي, ممارسة الأعمال الزراعية والحرف اليدوية وتنمية الروح العسكرية. كما أن نظام التعليم في إسرائيل معقد تتشعب فيه المسئوليات, وتتعدد فيه الجهات المسنود إليها مسئولية التعليم, حيث قام جهاز التعليم في إسرائيل بعد قيامها على ثلاثة تيارات رئيسية كانت تخضع كلها لسيطرة (اللجنة القومية) من داخل كنيست إسرائيل, والتي أدارت شئون الاستيطان المنظم في عهد الانتداب البريطاني وقد عكست تلك التيارات الثلاثة فكر المنظمات الحزبية والسياسية التي كانت تنتمي إليها وهي: ــ التيار العام, الذي ضم أبناء الطبقة الوسطى في المدن والقرى الزراعية (موشاف) ومثل الخط الفكري للتيار السياسي اليميني. ــ التيار العمالي الذي مثل فكر الحركة العمالية . ــ التيار الديني, الذي استوعب أبناء المتدينين في الحركة الصهيونية وكان يعرف باسم (همزراحي). كما ضمت وزارة المعارف الإسرائيلية بعد قيام إسرائيل تياراً رابعاً عرف باسم (أجودات يسرائيل) الذي يدرس لأبناء المتدينين الأرثوذكس (حريديم) وما زال قائماً تحت اسم (التيار المستقل). ورغم تعدد المهمات والأدوار والوظائف في عملية التربية والتعليم في إسرائيل, إلا أن الدولة تقوم بالدور المحوري والحاسم في إدارة جهاز التعليم وتوجيهه من خلال تطبيق القوانين المتعلقة بالتعليم تمويل جهاز التعليم بالإضافة إلى جزء هامشي من المصروفات تغطيه السلطات المحلية, الإشراف من قبل الدولة على الإدارة ومناهج التعليم وأساليبه, تعيين المعلمين تطوير المنشآت التعليمية, كما يتم تقسيم العمل في التربية والتعليم بين لجنة التربية والتعليم في الكنيست بوصفها أداة برلمانية لمراقبة جهاز التعليم بإجماله, ووزارة المعارف المسئولة من الناحيتين القانونية والسياسية عن عمل جهاز التعليم الحكومي والحكومي الديني والمستقل ووزارة الثقافة التي أسندت إليها الجوانب الثقافية من عمل وزارة المعارف ووزارة العمل والرفاه الاجتماعي التي تقوم بتمويل تطوير حضانات الأطفال من عمر 3 إلى 4 سنوات وتوفير الخدمات المساندة في عملية التربية والتعليم من حيث الخدمة الاجتماعية وتقديم مساعدات مادية للمعوزين (كتب, أوراق, أدوات مكتبية, ملابس) وتمويل مؤسسات التدريب والتعليم المهني وتعليم المتخلفين عقلياً وتعليم المعرضين لخطر الجنوح والجانحين بالفعل, كما تقوم وزارات أخرى بمهام وخدمات تعليمية مثل وزارة الصحة والدفاع والإسكان والاستيعاب هذا بالإضافة إلى السلطات المحلية والهستدروت التي تساهم مساهمة كبيرة في التعليم من خلال منظمة (نعمات) التي تملك نحو 300 حضانة أطفال, كما تقوم منظمة الهستدروت بالتدريب والتعليم المهني. بالإضافة لامتلاكها عدد من المدارس الثانوية الداخلية التي يدرس فيها أبناء المهاجرين الجدد, كما تقوم الوكالة اليهودية بدور مهم في العملية التعليمية من حيث تمويل مؤسسات التعليم العالي وبناء حضانات الأطفال والمدارس الشاملة ومؤسسات التعليم الداخلي فوق الابتدائي وحتى ينتظم كل هذا التشابك التعليمي المجتمعي قام الكنيست بسن أربعة قوانين ملزمة تعمل على تنظيم جهاز الـتربية والتعـليم وهم: (1) قانون التعـليم الإلـزامي لسنة 1949. (2) قانون التعليم الحكومي لسنة 1953. (3) قانون مجلس التعليم العالي لسنة 1958. (4) قانون الإشراف على المدارس لسنة 1969.