لا ينكر عاقل أن من مصلحة الكويت ان تناصر اخوتها في فلسطين, وأن تقدم لهذا الشعب كل ما تستطيع من دعم, في سبيل اظهار قضيته العادلة. والكويت عندما تقف هذا الموقف انما تحدوها عليه اسباب عدة لا مجال لحصرها, وهي اسباب معروفة لكل من يعول على الجذور في تبين أبعاد القضايا المحورية للأمة العربية, وانطلاقا من هذه المصلحة الاستراتيجية وقفت الكويت طويلا مع القضية الفلسطينية, ولا تزال تبذل كل ما في مقدورها, على مدار الاجيال التي تعاقبت على القضية. لكنني اسرع فأقول ان هذه المصلحة الاستراتيجية التي تحدثت عنها هي مجرد واحدة من مجموعة مصالح متقاطعة ومتشابكة تحرص عليها الكويت, ومن اهم هذه المصالح ــ على سبيل المثال ــ عدم ترسيخ العداء للولايات المتحدة. ومن هنا فإنه يتعين على الكويت ان توازن بين هذه المصالح المتقاطعة, وأن تمسك بكل الخيوط بحصافة حتى لا تطغى مصلحة ما على غيرها من المصالح. فالهتاف ضد الولايات المتحدة والتنديد بسياستها والمطالبة بمقاطعتها, ليس مصلحة كويتية, ومن يقل بغير ذلك, انما يعمل ضد الكويت في المدى البعيد. أسوق هذا الكلام وأمامي عدد من النقاط اعرضها للمناقشة: أولا: لا تزال الكويت من بين عدد قليل من الدول العربية التي ظلت قائمة على العهد بشأن إقامة العلاقات مع اسرائيل فالكويت ليس لها علاقات مع اسرائيل, ولا تنوي ذلك في المستقبل. وهي لا تتبادل سفارات ولا مكاتب ولاتمثيلا تجاريا مع الدولة العبرية, كما لا تستقبل سياحا اسرائيليين على اراضيها. فموقفها ثابت على هذا الصعيد, وهو موقف يتمثل في مقولة أمير الكويت ــ حفظه الله ــ عندما سأله احد الصحافيين في أثناء زيارة كلينتون الى الكويت منذ سنوات, فأجابه بما معناه (نصالح عندما يصالح كل العرب). ثانيا: بعض العواصم التي فتحت نيران غضبها (الاعلامي) على اسرائيل منددة بما ارتكبه جنودها من مجازر وأعمال وحشية تجاه الفلسطينيين العزل, بعض هذه العواصم تعلن غضبها في العلن, بينما تتخذ من السفارات ومكاتب الاتصال جسرا تنقل من خلاله (للطرف الآخر) اعتذارها وتعذرها بأن هذه الشعارات انما هي مجاراة للشارع الغاضب, مطمئنة اياه انها باقية على مواقفها المسالمة تجاهه. وبقطع النظر عما يصنعه الآخرون, فإن الكويت لا تخضع سياساتها لهذه الازدواجية المخلة بين المعلن والمستور, أو بين التصريحات الاعلامية, وما يقال في الغرف المغلقة, وهو موقف الكويت الدائم وخاصة مع القضية الفلسطينية, يناصر الحق الفلسطيني دون تهويل او مزايدة. ثالثا: الهتاف ضد امريكا في بعض المناطق العربية هو في الواقع للاستهلاك المحلي, بينما اثبتت التجارب ان التعامل مع امريكا هو الاكثر جدية وخاصة من اهل القضية والمعنيين بها. فمنذ سنوات طويلة تعاقبت الصور التي تلتقطها وسائل الاعلام حتى لصقت في أذهان العالم من كثرة ما نشرت, عاكسة لحظات توقيع الاتفاقات السلمية في الحديقة الغربية للبيت الابيض, ويتوسط هذه الصور دائما رئيس الولايات المتحدة. وفي السنوات الاخيرة لم يكن غير الرئيس بيل كلينتون, سواء في كامب ديفيد الاخيرة, وفي شرم الشيخ وفي مناطق عدة اخرى في السنوات القليلة الماضية نجد أهل القضية بجانب باراك او غيره من السياسيين الاسرائيليين ويتوسطهم اما رئيس الولايات المتحدة وإما مادلين أولبرايت وإما دينيس روس المبعوث الامريكي الى الشرق الاوسط. ويعني ذلك ضمن ما يعنيه ان الراعي الوحيد للسلام او الوفاق, كما شهدنا في كامب ديفيد الثانية هو الولايات المتحدة. وعلى رغم اللعنات التي يصبها الناس على رأس واشنطن والدعاء لها بالموت في الشوارع والمؤتمرات, فيما يدعون لها بطول البقاء في المكاتب المغلقة, فإن الولايات المتحدة ستظل تؤدي الدور الرئيسي في قضية الصراع في الشرق الاوسط, وسوف ترعى وتقود مفاوضات واتفاقات يسعى اليها اهل القضية حثيثا, فحيثما تكون فرصة للمفاوضات سيكون المقعد الرئيسي فيها لواشنطن. رابعا: لكن هذه النقطة الاخيرة تقودنا الى سؤال جوهري: لماذا ستظل الولايات المتحدة هي قائدة العمل الدولي في المستقبل المنظور, وحتى اشعار آخر؟ الاجابة بسيطة وهي تنبثق من الاوضاع الدولية التي اثرت فيها الولايات المتحدة تأثيرا هائلا منذ مطلع القرن العشرين, فلقد خرجت منتصرة من الحرب العالمية الاولى, ثم كانت أكبر المنتصرين في الحرب العالمية الثانية, في حين انهت الحرب الباردة مطيحة بالاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية على مستوى العالم, لتكون هي وحدها (كل) المنتصرين. ومثل كل المنتصرين في التاريخ اخذت الولايات المتحدة على عاتقها ــ وحدها ــ مسئولية رسم خريطة العالم لفترة ما بعد الحرب, سواء على الصعيد السياسي, او الاقتصادي, وكذلك مسئولية المحافظة على خطوط هذه الخريطة بما يتسق والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة. هكذا صنعت, مثلما صنعت بريطانيا من قبل, حين دخلت القرن التاسع عشر, وهي مكللة بثلاثة انتصارات في حروب كانت قد خاضتها في القرن السابق (الثامن عشر): وهي الحرب الاسبانية, وحرب السبع سنوات, ثم الحروب التي اعقبت الثورة الفرنسية. ولذلك فقد دخلت بريطانيا القرن التاسع عشر وهي اقوى دولة في هذه الفترة. لذلك فقد استطاعت ان تفرض على العالم ما اسماه المؤرخون (مئة عام من السلام) امتدت من 1815 الى 1914, كانت تمثل فيها لندن نقطة المركز بالنسبة الى العالم. ومثلما كانت لندن في القرن التاسع عشر محورا للعالم, فإن واشنطن في القرن العشرين مارست الدور نفسه بوصفها عاصمة لمراقبة السلام العالمي, وان كان القرن العشرون يمثل القرن الامريكي الاول, فإنها تدخل القرن الواحد والعشرين (الذي هو القرن الامريكي الثاني) وهي تعلم انه يترتب عليها الكثير من الاعباء السياسية والاقتصادية والامنية. وهي اعباء متوزعة على خريطة العالم كله, بحيث لا يستطيع النهوض بها إلا دولة عظمى حقيقية تعرف ابعاد الدور المنوط بها وتسعى الى القيام به لتحقيق المصالح الاقليمية من ناحية والمصالح الخاصة للولايات المتحدة نفسها من ناحية أخرى. لهذا السبب فإن كل توقيع أمني بين الطرفين العربي والاسرائيلي منذ اكثر من ربع قرن, كان عرابه أمريكيا, وتوسطت صورة الرئيس او المندوب الامريكي في كل الاتفاقيات الدولية مجموعة المشاركين في التوقيع, كما كان على واشنطن ان تتوسط في ايرلندا الشمالية وتتخذ قرارات بحشد اسطولها في بحر الصين, الى حشد طائراتها لدك معاقل الديكتاتورية المتبقية في يوغسلافيا والتي كانت نتائجها الاخيرة هرب الديكتاتور ميلوسيفيتش الى مستقر اخير كان متوقعا ان يفر اليه ولو بعد حين. لا يجادل احد في ان استراتيجية الولايات المتحدة ــ كقوة عظمى ــ ليست تقاس على مسطرة واحدة في كل مناطق العالم, كما انها ليست بالضرورة ناجحة في كل المناطق, بل يعتريها ما يعتري سياسات دولة تحمل على كاهلها اعباء كبيرة, وضخمة, وتتشابك امامها المصالح الداخلية والخارجية والامريكية. ولكن السياسة الامريكية ــ على رغم ذلك ــ في الشرق الاوسط واضحة الى حد كبير, وهي ايضا معروفة للجميع منذ ان قرأنا مانشتات كبيرة تقول (لا نستطيع ان نحارب أمريكا) وتقول ايضا (ان أمريكا تحتفظ بـ 99 % من أوراق القضية), وهي مقولات تحولت الى سياسات ثابتة يجسدها واقع النزاع في الشرق الاوسط. خامسا: ان المشهد العربي ايضا اختلف منذ خمسين عاما الى اليوم, وربما كان المنعطف هو حرب يونيو 1967, والتي تحولت بعدها الاستراتيجية العربية المتبعة والمعتمدة, تدريجيا من تحرير كامل الارض العربية الفلسطينية, الى تحرير الارض المحتلة بعد ذلك العام المشئوم. منذ ذلك الوقت وتدريجيا ايضا اصبح الخلاف السياسي مع الولايات المتحدة هو خلافا في الدرجة وليس في النوع, وهو خلاف يدور حول: كم من الارض العربية تعود الى الفلسطينيين بعد احتلالها في 1967. وقد حصلت مصر على اراضيها والاردن كذلك وأخيرا لبنان, بينما تقلص الخلاف مع سوريا حتى وصل الى خلاف حول بضعة كيلومترات, والقوة الفلسطينية المعترف بها عربيا ودوليا, وهي منظمة التحرير, استقر رأي معظم فصائلها على الحوار والتفاوض (وبرعاية امريكية) مع اسرائيل, باعتراف ضمني بقبول احتلال الاراضي التي احتلت قبل 1967. وان كان قبولا ممزوجا بالمضض, لكنه في النهاية قبول. وسادسا: ان الدول العربية التي وقعت اتفاق سلام مع اسرائيل وبرعاية دولية وامريكية في الاساس مثقلة بارتباطات دولية ليس من السهل التخفف منها باتجاه صيحات الحرب الشاملة التي ترددت كثيرا في الايام الماضية, حتى ان بعض الزعماء العرب الذين احبوا ان يجاروا هتافات الشارع ورطوا انفسهم في تصريحات غوغائية اطلقوا فيها صيحات الحرب, وامعانا في مجاراة الجماهير المتعاطفة والمتحمسة صرح بعضهم مطالبا بقطعة ارض ملاصقة لاسرائيل متعهدا بأنه سوف يعيد كامل التراب الفلسطيني وكل الاراضي المحتلة من قبضة اسرائيل! كما صرح آخرون: (مكنوا جيشنا من اسرائيل لننصر الفلسطينيين), وهو كلام اقل ما يقال فيه انه عودة الى شعارات مستهلكة, عفى عليها الزمن, وأن هذه الشعارات وان كانت تشاطر الجماهير حماستهم التلقائية وانفعالهم العفوي, فقد اثبت الزمن انها لا تتقدم باتجاه المصلحة النهائية للشعوب العربية قيد انملة, ليس فحسب لأن القيود الدولية وموازنات القوى تحول دون تنفيذ هذه الشعارات على ارض الواقع, بل ايضا, وهو الاهم, لأنه ليس لدينا اعداد علمي وتقني كان ينبغي ان تنصرف اليه الجهود العربية كلها لمواجهة هذا التحدي الحضاري المفروض علينا منذ زمن طويل, بل على العكس, أفرغنا طاقاتنا في مجملها في منازعات وحروب لا تصب في المصلحة العليا للأمة العربية, ولعل خير جواب على صيحات هؤلاء المنادين بالحرب الشاملة هو ما ذكره الرئيس المصري حسني مبارك قائلا لهم ما معناه (.... تفضلوا, الارض موجودة, ومن أراد ان يحارب فليحضر جيوشه ويحارب). فالحقيقة المهمة التي ينبغي ان نذكرها هنا لهؤلاء الزعماء المتحمسين, انهم اذا كانوا يريدون مجاراة حماسة الجماهير في الشارع العربي, والاشتراك معها في الرقص على ايقاع الطبول الحربية, بهدف (الامتصاص العاطفي) او التهدئة, فإنه لا ينبغي لهؤلاء الزعماء ان يديروا ظهورهم للحلول السلمية المتاحة في ضوء الشرعية الدولية, وهي ــ مرة أخرى ــ الاراضي المحتلة بعد 1967. لكن يمكن لهؤلاء الزعماء ــ وهو المتاح امامهم الآن ــ ان يستثمروا هذا الفوران الجماهيري واستخدامه ورقة تكتيكية للضغط على الخصوم الاسرائيليين عندما يجلسون أمامهم على الجهة الاخرى من مائدة المفاوضات. اما فيما عدا ذلك من تلويح بعض الزعماء بالحرب فلقد رأينا بأعيننا منذ وقت ليس بالبعيد جيوش بعض هؤلاء الزعماء وهي تترنح منهزمة امام خصومها, مستسلمة افرادا وجماعات, بما يقطع بأن هناك بونا شاسعا بين الشعارات الرنانة التي يتشدق بها بعض الزعماء وبين القدرات الحقيقية لهؤلاء الزعماء... فليكف هؤلاء عن المزايدة على الجميع. فالحروب لا تخاض بالشعارات ولكن بإرادة حية وحقيقية للشعوب التي تتطلع الى العيش بكرامة وكبرياء وهما ما يحرص أولئك الزعماء ــ مع الأسف ــ على اهدارهما في كل وقت!