عندما كانت القاذفات الألمانية تقصف مدينة لندن في عام 1940 وتحيل مبانيها وأحياءها قاعا صفصفا توجه رئيس وزراء بريطانيا وقتئذ إلى محطة الاذاعة البريطانية ليذيع بيانا مهما إلى أمة الانجليز. كانت طائرات هتلر تقذف العاصمة وأحياءها بوابل رهيب من القنابل.. وكان سكانها يمضون الليل وكثرة من ساعات النهار محبوسين في المخابئ تحت الأرض.. ويومها توقع الناس أن يدور حديث كبير وزرائهم العجوز ونستون تشرشل عن الآلام والدمار وعن الأيام السوداء الكئيبة التي يعيشها بل يعانيها قومه من الانجليز, ويومها تكلم رئيس وزراء الامبراطورية فقال ما معناه: ــ أيها المواطنون.. نحن نعيش أمجد أيامنا لان الآلام سوف تصهرنا وتعيد صياغة معدننا من جديد. وحين نزل بأمتنا العربية اعصار يونيو عام 1967 وقف جمال عبدالناصر يعلن مسئوليته عن الخطأ الذي وقع ويضيف ـ مستلهما فيما نتصور عبارات ونستون تشرشل.. ويومها قال عبدالناصر ما معناه: ــ ان الأمم العظيمة تصنعها الآلام العظيمة, نار المحنة لا تحرقها بقدر ما انها تجلو معدنها وتزيد صلابتها أمام التحديات. وبهذه المعاني يمكن أن نقول بغير تزيد ولا مبالغة ان هذه الأمة العربية التي ننتمي إليها عاشت في الفترة القريبة الماضية لحظات من أمجد أيامها إذ كانت مفعمة بمواقف المواجهة ومبادئ النضال ونبل التضحية وجلال الاستشهاد. اننا نكتب هذه العبارات والمعاني.. لا من منطق الحفز أو التمني ولكن من منطق الرصد الواقعي والتسجيل الحقيقي لما شاهده وعاينه العالم سواء على أرض فلسطين أو في هذا الموقع أو ذاك من وطن العروبة والإسلام. ولقد أتاك مثلا حديث الطفل محمد الذي قتله رصاص الغدر بين يدي والده ولكن أتاك من بعد حديث الطفل الأردني الذي جمع سكاكين البيت في كنانة وضعها تحت ابطه أو بين طيات ثيابه.. ثم توكل على الله لكي يقاتل الصهاينة المحتلين أو أتاك حديث الطفل أحمد شعراوي الذي خرج من مدرسته في أحد أحياء القاهرة الراقية الأنيقة مفعمة نفسه النقية بالغضب الساطع المقدس.. مشتعلة جوانحه البريئة بكل ما يعتمل في نفس طفل عربي شاهد رفيقا له في العمر وهو يجود بأنفاس الشهادة الأخيرة وينقصف عمره القصير دون ذنب جناه سوى لانه ينتمي إلى شعب يتبلغ بالمقاومة ويقبض على جمر المعاناة ويتعيش على الاصطبار. أي مشاعر كانت تضطرم في نفس الطفل أحمد شعراوي وهو يركب حافلة تنقله في رحلة طويلة طويلة من شرق القاهرة إلى مشارف فلسطين عند مداخل العريش؟ هل كان جائعا أو عطشان.. وكيف كان صبره على الجوع واحتماله العطش خلال وعثاء طريق السفر الطويل؟ ما الذي كان يفكر فيه خلال الرحلة التي صمم على القيام بها.. يتسلل عبر الحدود.. ينزوي في قلب شاحنة أو يشق طريقه مثل فهد صغير تحت جنح الظلام؟ يقدم نفسه جنديا إلى جموع المقاتلين.. أبناء الانتفاضة من المؤمنين بيقين الفجر الأنقى والاجمل والأنبل.. أم يستمر في العمل منفردا كي تتخلق من حوله أسطورة يرويها الناس من جيل إلى جيل؟ كبر الأولاد فجأة.. واكتهل الأطفال وبدأوا يعلموننا فيضان العبر والدروس.. فهل هذه أمة تغشاها طائف الاحباط كما كنا نتصور من فرط ما كابدناه من مرارات؟ هي نفس الأمة التي دفعت بالسيدة الاماراتية ناضجة العمر والتجربة إلى أن تطرق باب البنك وبين يديها الكثير مما قررت أن تقدمه جودا وتبرعا.. اعتذروا لها بأنهم لا يقبلون الحلي والمصاغ تبرعا عينيا وإنما هم يستقبلون الجود النبيل أموالا تندرج في الحسابات. بادرت إلى بيع كل ما تتحلى به فإذا به يقرب ــ والشهادة لله ـ من خانة المليون درهم سمعت هذه الحكاية بأذني من مصادر الثقة وسمعت تفاصيل تفرح القلب المثقل بهموم الأمة وتبعث في المآقي عبرات مردها الفخر والاعتزاز في التحليل الأخير. سألوا السيدة الجليلة عما تريده من وراء تبرعها السخي.. فإذا بها تجيب ان المطلوب تحديدا هو شراء كلاشنكوف ومسدس بروحين يطلق وابل الرصاص على قتلة الأطفال في أرض الاسباط والأنبياء بقي الرصاص يا خالة.. وكان أن وعدت بتدبيره وكانت أكثر من جادة فيما تقول. وإذن فأنت بازاء مليون ونصف المليون إنسان خرجوا متظاهرين غاضبين في أقصى المغرب العربي, وانت بازاء امرأة عروبية مسلمة تجود بكل مصاغها وتأبى إلا ان تزين جبينها باكليل العطاء السخي والجود الكريم, امرأة أصيلة من سيدات الخليج الماجدات في أقصى المشرق العربي.. وفي القلب من الوطن الكبير يخرج طفل من الأردن حاملا سكاكين للمقاومة ويتوجه طفل من مصر مباشرة وبوعي مصمم مستنير إلى حدود فلسطين. وحدث ولا حرج عن الفضائيات العربية.. كم نقدناها بل هاجمناها حين كانت تقدم نواتج يغلب عليها الغثاثة والركالة, ولكن ها هي الفضائيات والاذاعات العربية وقد ارتفعت إلى ذرى المسئولية وكانت عند حسن الظن حقا لأمتها ومشاهديها ومستمعيها سواء من حيث الالتزام القومي أو من حيث الكفاءة الفنية ـ المهنية في متابعة الأحداث. ويكاد المخضرمون أمثالنا يستعيدون أجواء بل أمجاد المقاومة في أحداث العدوان الثلاثي على مصر وبورسعيد عام 1956. يومها أنشد الشعب العربي ويده على زناد المقاومة: والله زمن يا سلاحي.. اشتقت لك في كفاحي.. انده وقول انا صاحي.. يا حرب والله زمان. وتروح الأيام وتجيء.. وتغيب مثل هذه الملاحم في زوايا الذاكرات الفردية, ولكن يظل لها في الذاكرة الجمعية نبض لا ينسى على ايقاع نشيد: الله أكبر فوق كيد المعتدي أنا باليقين وبالسلاح سأفتدي وطني ونور الحق يسطع في يدي قولوا معي الله أكبر. ومن عجب ان ظل الأثير العربي ملوثا بفعل أحاديث دعاة التطبيع وسماسرة ما أسموه ثقافة السلام وبعضهم كان لا يستحيي ـ أذله الله ـ من التمدح الى درجة التدله في حضارة اسرائيل وديمقراطية اسرائيل. فأين هم الآن؟ لعل بعضهم كان جالسا على مقعد خمول في مقهى يلوك انبهاره الصهيوني ويحصي ما ناله من أرباح الخسة باليورو أو بالدولار.. ولعله لم يشعر ان ثمة طفلا لما يجاوز الثانية عشرة كان يمضي في نهر الشارع مزموم الشفتين في يده حقيبة المدرسة وفي قلبه غضب كظيم.. وفي يقينه تصميم على ان يلحق بحافلة العريش على الطريق الى فلسطين. تقرأ حكايات أطفالنا وتسمع حكاية سيدة الامارات الجليلة وتتابع همة الفضائيات وقد حلقت إلى ذرى أمانة الكلمة والصورة.. ثم تتذكر ترهات المطبعين والمساومين والسماسرة السلاميين فلا تملك إلا أن تحمد الله على ما تبقى من سلامة كيان هذه الأمة بكرامتها ونخوتها ثم تردد قائلا: فلا نامت أعين الجبناء