قبل أن تفرض الاحداث على هيكل مناقشة قضية الشباب كان ينوي فتح مناقشة واسعة عن موضوعين فرضا نفسيهما على المجتمع والدولة في مصر بعد الهزيمة المروعة, كان الموضوع الأول: التغيير, وكان الموضوع الثاني: الصحافة. وقد كان هيكل وراء صك كلمة (التغيير) وطرحها للتداول في تلك الأيام, فقد كتب سلسلة من المقالات بدأ نشرها في يوم 28 يوليو 1967 بعنوان (تفويض للتغيير) وكان ذلك هو (التفسير الذي وجده ولم يجده غيره فيما حدث في يومي 9 و10 يونيو) وقد كان رأيه: إنه لا معنى لما حدث في هذين اليومين سوى أنه (تفويض جديد لجمال عبدالناصر) لكنه (لم يكن تفويضا على بياض) وانما (كان تفويضاً للتغيير اعطته الجماهير من منطق رفض الهزيمة ومن منطق الإصرار على المقاومة). وقد بدأ التغيير بالتخلص من مجموعة المشير عبدالحكيم عامر في القيادة العامة للقوات المسلحة والمتحالفة مع مجموعة صلاح نصر في المخابرات العامة, وهما معا يشكلان ما وصفه هيكل بمجموعة السلطة, وقد تصورت هذه المجموعة انهم (أصحاب حق شرعي في أن يرثوا السلطة ويرثوا الثورة) وتصورت (أنهم فوق القانون) وتصورت أن السلطة يجب أن تعود عليهم بالمنافع والمكاسب. وأغلب الظن أن جمال عبدالناصر فكر قبل الهزيمة بوقت كاف في التخلص من هذه المجموعة, وهو ما كشفه هيكل بالتفاصيل الدقيقة فيما بعد في كتابه (الانفجار) عندما قال ان عبد الحكيم عامر كان نصف فنان ونصف بوهيمي, لطيف جدا, عسكري لا يصلح لقيادة الجيش, تكفيه كتيبة, ولم يكن يقرأ, أو يتابع الجديد في فنون الحرب, ولم يكن لديه الوقت ليكون قائدا للجيش (لقد توقفت معلوماته العسكرية عند رتبة صاغ (رائد) ولم تزد واحدة حتى مات). (وقد راح عبدالحكيم عامر يدلل الضباط حتى أفسدهم, فتحول رجال مكتبه إلى تجار ومهربين, ففي مارس عام 1966 كانوا يجيئون ببضائع وثلاجات وأجهزة تكييف وتلفزيونات من عدن عن طريق اليمن ويبيعونها في السوق السوداء في القاهرة وقتها, وقد أثار جمال عبدالناصر الموضوع مع عبدالحكيم عامر قائلا: انه لا يريد ان يدخل في هذه القضية بسلطته أو سلطة الحكومة حتى لا يحرج المشير, ولهذا فهو يطلب منه شخصيا تصفية هذه الانحرافات ومعاقبة المسئولين عنها فورا ثم قال له جمال عبدالناصر: انني اريد أن تأمر بنفسك في التحقيق في هذه الموضوعات ولا أريدك ان تتصرف بمنطق الصعيدي الذي يتصور انه مكلف بحماية رجاله, فهذا منطق مشايخ غفر لا يليق بك). على ضوء ولاعة بعد سنة تقريباً على هذه الفضيحة انفجرت قنبلة الزواج السري للمشير من نفيسة عبدالحميد حواس الشهيرة ببرلنتي عبدالحميد, وقد دبر اللقاء الاول بينهما صلاح نصر, ويقال ان التعارف بينهما جرى على ضوء ولاعة اشعل لها بها سيجارة, كان هذا اللقاء في أواخر عام ,1960 وقد تطورت العلاقة الى زواج عرفي وقع عليه حسن ومصطفى شقيقا المشير في اوائل عام ,1965 وفي 20 فبراير 1967 ــ حسب ما يقول هيكل ــ قرأ جمال عبدالناصر تقريرا كان بمثابة صدمة, كان التقرير عن زواج عامر وبرلنتي, وانهما ينتظران مولودا نتيجة لهذا الزواج, ورأى جمال عبدالناصر ان ينتظر أياماً قبل ان يفاتح عامر في الموضوع حتى لا تملكه انفعالات الغضب وتصعب المناقشة الجادة في تصرف يصعب السكوت عليه. كان شعور جمال عبدالناصر لأول وهلة أن عامر يجب أن يبتعد عن منصبه, ومادام قد اختار أن يغلب ضعفه الإنساني على شعوره بالواجب فإن الامور تقتضي حسماً, وقام جمال عبد الناصر باستدعائه لمقابلته في أول مارس 1967 وكانت مشاعره مختلطة بين الأسى والغضب, فقد كان عامر من اقرب الناس اليه منذ كانا في عز الشباب ضابطين في القوات المسلحة, ثم خدما معا في السودان قرابة عامين, ثم كان عامر ساعده الايمن في تنظيم الضباط الاحرار, وكان هو الذي يتولى الاشراف على شئون التنظيم بما فيها الاتصال مع الضباط الذين انضموا الى صفوفه, وكان عامر بطبيعته انسانا ودودا وقادرا على كسب ثقة زملائه والاحتفاظ بودهم, وليلة الثورة كان بجانب جمال عبدالناصر طوال الوقت. وفيما بعد ـ ولصلته بتنظيم الضباط الاحرار ولمعرفته الواسعة بهم وبغيرهم من المتعاطفين مع الثورة أو الذين ساعدوا على قيامها واستقرارها ــ رقي الى رتبة لواء واصبح قائدا عاما للقوات المسلحة, ومع أنه كان في أحسن احواله اثناء معركة عام 1956 إلا أن ظروف العدوان الثلاثي كادت تغلب اعصابه, ثم ان تجربته في سوريا وقت الوحدة وبعد الانفصال لم تكن ناجحة, وعلى الرغم من ذلك فإن جمال عبدالناصر كان دائما على استعداد لأن يعطيه فرصة أخرى, وكان عامر من ناحيته يشعر بهذه الحقيقة ومن ثم فإنه اصبح في بعض الاحيان حساسا أكثر من اللازم. وحين وصل عامر الى مكتب جمال عبدالناصر في بيته في منشية البكري فإنه أحس على الفور بأن شيئاً غير عادي في الجو وبدا من بعض تصرفاته ان لديه فكرة عن الموضوع الذي استدعى من أجله, كان اسلوب عامر المعتاد عندما يوجه اليه اي تساؤل عن تصرف من تصرفاته أن يبدأ بإثارة زوابع صغيرة ويتخذ مظهر الغاضب, المجروح, المعتدى عليه وهكذا عندما سأله جمال عبدالناصر في موضوع زواجه السري بدا متألما غاضباً وقال: إنه سئم من هذه الحملات الموجهة ضده التي تثور من وقت إلى آخر وانه لم يعد يطلب غير ان يبتعد ويستريح وانه يفضل أن يعود إلى قريته (اسطال) بالمنيا ويعيش هناك فلاحا عاديا يزرع ويقلع ولا يكون نائباً لرئيس الجمهورية أو نائبا للقائد الاعلى للقوات المسلحة, وانتظره جمال عبدالناصر حتى افرغ ما لديه ثم كان تعليقه ان كل ما سمعه منه خارج الموضوع, وان سؤاله كان سؤالا محددا, وليست هناك جدوى من تجنب الرد عليه مباشرة, وهكذا (هبط عامر فورا من الغضب الى التظاهر به دفاعاً عن النفس, واعترف بعلاقته مع برلنتي عبدالحميد, ولم يجد ما يبرر به تصرفات سوى أنه وجد أخيرا الانسانة التي تستطيع أن تفهه, كانت الدموع تلوح في عينيه وهو يحاول أن يكتمها, ثم لم يتمالك نفسه وراحت دموعه تجري على خديه, وسأله جمال عبدالناصر عن الظروف التي تعرف فيها عليها, وكان رده انه تعرف بها عن طريق صلاح نصر. الحل والمصيبة في وسط شواغل وهموم جمال عبدالناصر في ظروف ما بعد الهزيمة جاء الى بيته على غير موعد صلاح نصر, وعلى حد شهادة هيكل نقلاً عن جمال عبدالناصر فإن صلاح نصر أبدى دهشته من أن الرئيس لم يطلب استدعاءه لكي يسمع ما لديه من معلومات المخابرات العامة خلال الظروف الأخيرة, وكان رد جمال عبدالناصر عليه مباشرة هو قوله: (إنه كان مشغولاً بالبحث عن حلول لمأزق صعب يواجهه البلد وهو ليس متأكداً من ان صلاح نصر هو جزء من الحل أو هو جزء من المصيبة, وظهرت تعبيرات القلق على وجه صلاح نصر وراح يقسم أنه حاول بكل جهده أن يساعد على حل مشكلات كثيرة بدون ان يزعج الرئيس بها, وسأله جمال عبدالناصر عن هذه المشكلات التي حلها وكان رده أنه طوال الوقت يخشى من انفلات عبدالحكيم عامر إلى تصرفات لا تحمد عقباها) ولم يسكت جمال عبدالناصر وإنما راح يقول له: إنه هو شخصياً أحد المسئولين عما جرى لعبد الحكيم عامر, ولعله يلاحظ أنه (جمال عبدالناصر) لم يقابله منذ شهور وكان ينوي عزله من منصبه لولا الظروف الخارجية التي طرأت فجأة, ثم قال له: (إن عبدالحكيم عامر كان قطة مغمضة حتى تولى هو (صلاح نصر) فتح عينيه على ما لم يكن يجوز له أن يتورط فيه) وراح صلاح نصر يقسم بأغلظ الإيمان أنه لم يكن له ذنب فيما تورط فيه عبدالحكيم عامر, وانه يعترف بحقيقة انه هو الذي قدم له برلنتي عبدالحميد ولكنه لم يكن يتصور ان تصل الامور الى الحد الذي بلغته, وسأله جمال عبدالناصر عن السبب الذي دعاه ــ وهو مدير المخابرات العامة فضلا عن علاقته المباشرة به ـ إلى إخفاء ما جرى عنه في وقته, وقال صلاح نصر (انه تصور ان المشير سوف يفوق بعد وقت قصير ثم ينتهي الامر وينسى الموضوع كله, ولكن ما توقعه لم يحدث وغاص المشير في ورطته الى شوشته. ويواصل هيكل روايته قائلا: (وربما كان أهم ما قاله صلاح نصر في هذا الصدد ان عامر كان تحت ضغط عنيف في الظروف التي بدأت فيها الأزمة, ذلك أن برلنتي عبدالحميد التي انجبت منه مولودا راحت تطالبه بأن يعلن زواجه منها لكي تجعل (وضعها الاجتماعي محتملا) ويظهر أنها صارحته (ومن وجهة نظرها فقد كان يمكن فهم إلحاحها) بأنها على استعداد لأن تذهب لأسرته وتشرح موقفها وتطلب قبولها في الأسرة بحق الشريعة التي لا تحول بينها وبين هذا الطلب). وما لم يقله هيكل وقاله شاهد عيان كان في موقع رسمي هو رئيس النيابة عماد الدكروري ان برلنتي عبدالحميد تقدمت بطلب لإثبات بنوة ابنها لأبيه عبدالحكيم عامر, وكما قال لي شاهد عيان ــ وكنا في إجازة ليوم في فايد ـ ان جمال عبدالناصر من جانبه لم يكن معترضا, وبقي أن يتولى أشقاء المشير إقناع زوجته الاولى بشرعية الطلب والنسب. ان عماد الدكروري كان هو المحقق في قضية وفاة المشير, وقد حسم الرجل ــ الذي يحمل انتقادات حادة لسنوات حكم جمال عبدالناصر ــ في شهادته لي الجدل الذي لم يتوقف حول هل انتحر المشير أم قتل.. وكان رأيه انه قد انتحر, ولديه أكثر من دليل على ذلك, وهذه قصة أخرى. وحسب رواية هيكل فإن آخر ما قاله صلاح نصر لجمال عبدالناصر إنه يتوسل اليه ان يبذل جهدا في الضغط على عبدالحكيم عامر للسيطرة عليه لأنه في حالة نفسية صعبة يمكن معها أن يؤذي نفسه وأن يؤذي الوضع العام. مكتوب على قلوبنا كان عبدالحكيم عامر قد قام هو وشمس بدران بعملية تحريض واسعة النطاق لعدد من الضباط كي يطالبوا بعودته الى القوات المسلحة, وقد حول هؤلاء بيت المشير إلى ثكنة عسكرية وقد راحوا يهتفون (مكتوب على قلوبنا.. عامر محبوبنا) وقد استلزم فك الحصار والسيطرة على الموقف تدخل الفريق محمد فوزي ـ الذي تولى منصب القائد العام ــ بالقوة المسلحة, ثم كان ما كان, وتخلص المشير من حياته, وتخلص جمال عبدالناصر من مجموعة (السلطة) في الجيش واستدار ليتخلص من مجموعة أخرى في المخابرات العامة. كان على رأس هذه المجموعة صلاح نصر الذي دخل المخابرات العامة في 23 اكتوبر 1956 ليصبح نائبا للمدير الذي كان علي صبري وبعد عدة شهور أصبح علي صبري وزير دولة, وتولى صلاح نصر رئاسة الجهاز, ولا جدال في أنه جعل المخابرات العامة جهازا قويا يحسب له العالم ألف حساب, لكن هذا الجهاز القوي جعل رجاله أقوياء, وقد تجاوزت قوتهم حدود العمل, فولدت ما أسماه جمال عبدالناصر (دولة المخابرات) ثم كانت القضية الشهيرة التي هزت مصر, قضية انحراف المخابرات. وعلى عكس ما هو شائع فإن هذه القضية كشفت قبل الهزيمة بشهر, وان اعلنت تفاصيلها وجرت محاكماتها بعد الهزيمة, اما القشة التي قصمت ظهر البعير فهي ايضا حكاية عامر وبرلنتي, أراد صلاح نصر أن يوصل الى جمال عبد الناصر ان هناك مؤامرة للتشهير بالمشير, فدفع أحد رجاله لكتابة منشور عن علاقة عامر وبرلنتي, وكتب المنشور في أحد المكاتب التنفيذية للاتحاد الاشتراكي في وسط القاهرة, وحتى تكتمل المؤامرة دفع امين المكتب الى حفل فيه خمر ونساء وطعام من (جروبي) قيل له انه سيكون في سفارة اجنبية في فيللا شارع (العروبة) بمصر الجديدة, وكان رجال صلاح نصر جاهزين للتصوير والتسجيل تمهيدا لمحاكمة الرجل الذي وقع في شباكهم, ولكن كان هناك في المخابرات من يتابع الجريمة ويبلغ تفاصيلها الى جمال عبدالناصر, كانت العين الشريفة على المؤامرة هي عين محمد نسيم, وقد طلب منه جمال عبدالناصر ان يقوم هو ورجاله بتصوير رجال صلاح نصر الذين يصورون الضحية, بل ان جمال عبدالناصر ركب سيارة بمفرده وشاهد من نافذة خلفية كل ما يجري في داخل الفيللا. وقبض رجال صلاح نصر على أمين المكتب التنفيذي بتهمة التآمر على سمعة القائد العام الشخصية, وفي اليوم التالي جاء أصدقاء الرجل ــ الذين اوصلوه ليلة امس الى فيللا السفارة ــ ليسألوا عنه, لكنهم لم يجدوا السفارة, ووجدوا مبنى مغلقاً ليس عليه علامات ولا لافتات, فقد كانت السفارة مزورة, ولولا مشيئة الله لكان هذا الرجل وراء الشمس, فقد عرف جمال عبدالناصر حقيقة القصة, وعرف حقيقة انحرافات صلاح نصر ورجاله, وفكر في التخلص منهم, لكن أحداث الحرب فرضت عليه تأجيل القرار الى ما بعد الهزيمة. وقد قدّر لي أن اجري حوارا مع صلاح محمد نصر النجومي في عام 1976 في بيته في مصر الجديدة, ورحت أتأمله كثيرا, وسرحت طويلا, هذا هو الرجل الذي جعل الخوف عادة قومية مزمنة في هذا الوطن, هذا هو الفك المفترس الذي وضع دولة بأكلمها بين أنيابه وأسنانه, كان يبدو مثل دب عجوز يلتقط انفاسه بصعوبة وكأنه في حالة ربو دائمة, فقد مخالبه ورهبته وعنفوانه, لم يبق له سوى الخوف والشك والشكوى والدفاع عن نفسه, وقد حدثني عن يوم سقط في مكتبه مطعونا في صدره بخنجر الذبحة, وكيف نقلوه الى مستشفى (القوات الجوية) في العباسسية وهو يشعر بأنهم سيقتلونه, أو سيخفونه وراء الشمس كما كان يفعل مع ضحاياه حتى انه وقف كالمجنون في شرفة المستشفى وهو يصرخ في المارة: انه صلاح نصر, وأنهم سيقتلونه, لقد ذاق من الكأس نفسها, ثم حدثني عن رجال الامن الذين اقتحموا بيته وقلبوه رأسا على عقب وفتشوا دولاب زوجته وابنته واخذوا يفحصون ملابسهما الداخلية, ووجدوا 70 جنيها أخذوها, وتركوا البيت بلا نقود, لقد جاء عليه الدور, اللهم لا شماته! وفي التحقيقات التي تولاها المهندس حلمي السعيد ومحمد نسيم عن انحراف المخابرات ان المخابرات المصرية استعانت بالنساء والجنس في عام ,1963 ولكن هذا السلاح ـ المستخدم في كل مخابرات العالم ــ أسيىء استخدامه, وكان البداية في الانحرافات الاخلاقية والتجاوزات السياسية, وفي رحلة جمال عبدالناصر الى الهند كان معه لأول مرة بصورة مكشوفة صلاح نصر, وقد راح صلاح نصر يتفرج على نقوش الجنس على المعابد الهندية, ثم راح يسأل عما يسمى بالسمو الروحي بالجنس, وعرف ان تطهر الانسان قبل ان ينذر نفسه للمعبد ليعيش في داخله راهبا زاهدا يسبقه غرق كامل حتى أذنيه في الجنس, وقد أعجب صلاح نصر بالفكرة وراح يكررها فيما بعد, في مصر, لكن بدون معابد, وبدون تطهر. من أين نبدأ؟ لم يدخل هيكل في تفاصيل هذه الوقائع وهو يتحدث عن التغيير, كما انه لم يقصد ان يكون التغيير مجرد إزاحة (مجموعة السلطة) المنحرفة في الجيش والمخابرات لتأتي مجموعة اخرى لتحل محلها, وربما كررت انحرافاتها, فطبيعة السلطة هي التي تخرج ما في الانسان من فساد, أو هي التي تجبره على الخط المستقيم, وعلى ذلك تساءل هيكل: من أن يبدأ التغيير؟ وكانت إجابته: (1) ان تتسع عناصر السلطة وأن تصبح هذه العناصر تعبيرا حقيقيا عن قوى الشعب العاملة وأن تذوب قوة المجموعات القديمة أو ماتبقى منها في اطار ديمقراطية وان تنتهي الحقوق التاريخية المكتسبة لأي فرد لأنه أسهم في يوم من الايام في عملية (سياسية أو ثورية) مهما كانت قيمتها (2) ان يتقدم لإدارة منجزات الشعب اقدر وأكفأ من تستطيع الطاقة الشعبية ــ وهي وحدها صانعة المعجزات ــ تقديمهم (3) ان يصل الجيل الجديد الى مواقع المسئولية فكر مفتوح ومناقشة.. وأغلب الظن ان هذه (الروشتة) للعلاج ظلت بعيدة عن تحويلها الى دواء يمكن به الشفاء. سواء في تلك الايام.. ام في هذه الايام. ثم يتساءل هيكل: (هل تحقق التغيير؟) وقد وضع السؤال عنوانا لمقال نشره في 11 اكتوبر 1968 وفي المقال يقول هيكل: إن (هذا السؤال الكبير (بهل) سؤال ينبغي أن نرد عليه بأمانة لأن هذا الرد سوف تقوم عليه حسابات كثيرة, حسابات لقياس المسافة, وحسابات لتحديد الاتجاه.. وحسابات لضبط السرعة, وكلها حسابات حيوية للملاحة في البحار الصعبة الوعرة التي نجد انفسنا الآن وسطها في صحية مزعجة مع العواصف والأعاصير). ويجيب هيكل: (ان التغيير الذي كنا نتحدث عنه ونرجوه وقع ولم يقع, وقع في القوات المسلحة, وفي بعض مواقع الانتاج وفي هذه النواحي نستطيع أن نقرر باطمئنان انه وقع تغيير.. لكننا لا نستطيع ان نقرر ذلك بنفس الاطمئنان في نواحٍ اخرى) (في روح العمل السياسي مثلا لم يقع تغيير كاف ونفس الشيء بالنسبة) للضمانات المطلوبة للممارسة الديمقراطية (وبالنسبة للقواعد الصلبة التي لا يمكن بغيرها ان تقوم الدولة العصرية). فيما يتعلق بما هو مادي وقع الكثير مما كنا نرجوه من التغيير, وفيما يتعلق بما هو معنوي لم يقع الكثير مما كنا نرجوه من التغيير, لماذا؟ لماذا لم يقع التغيير شاملاً وعميقاً برغم تفويض به وبرغم دعوه إليه وبرغم تقنينه شريعة سياسية تحكم فوق أي حكم؟ ان السبب في رأي هيكل لا يرجع الى طبيعة الاشياء وانما يرجع الى طبيعة الظروف, فقوى (التصحيح) اثبتت انها أكبر من أي أخطاء وقعت وتراكمت ضمن العوامل التي أدت الى الهزيمة إن وجود (قوى التصحيح) وفاعليتها حقيقة لا شك فيها ويكفي لاثبات ذلك ان نستعرض عملية النقد الذاتي التي فرضها المجتمع المصري على نفسه بعد الهزيمة وهي عملية يندر ان يكون لها مثيل في اي مجتمع عانى تجربة من هذا النوع ولم تكن عملية النقد الذاتي يأسا بقدر ما كانت املا.. ويكفي ان منطقها الاساسي لم يكن (الاستسلام) وانما كان (الصمود) ولم يكن (السكون) وانما كان التحرك بسرعة نحو البناء وذلك يقطع على (ان السبب الذي من اجله لم يحدث التغيير شاملا عميقا لايرجع الى طبيعة الاشياء وانما يرجع الى طبيعة الظروف, ظروف المعركة, وظروف القوى الدولية, وظروف التكنولوجيا التي تحتكرها الدول الكبرى, وظروف الدول النامية في ظل سطوة الدول الغنية. والحقيقة ان الدعوة الى التغيير و(التصحيح) ظلت نوعا من الطموح البعيد في السماء لم تجد من يهبط به على الارض الا بعد ان تغير النظام في مصر, بعد ان رحل جمال عبدالناصر, وجاء انور السادات, لقد اراد النظام الجديد ان يقدم عربونا سياسيا يبدأ به مشواره, فكان التغيير والتصحيح وبداية تصور (المجتمع المفتوح) ومع ان نظام السادات انتهى الى المأزق نفسه ووصل الى مرحلة المطالبة بخطوة جديدة في التغيير والتصحيح فان البدايات كانت تحمل الكثير من التفاؤل. المجتمع المفتوح لقد كان (بيان 30 مارس) ــ الذي قدمه جمال عبدالناصر الى المثقفين لتجاوز الهزيمة نفسيا وسياسيا واجتماعيا بعد مظاهرات الطلبة ــ يتضمن اشارة الى (المجتمع المفتوح) وقد التقط هيكل الاشارة ووضع عبارة (المجتمع المفتوح) عنوانا لمقاله المنشور في 18 اكتوبر 1968 ليواصل حرث وتقليب التربة المصرية التي نمت فيها الاعشاب الضارة وتسربت اليها العفونة.. ان عبارة (المجتمع المفتوح) كانت في رأي هيكل عبارة تلخص كل شيء او انه لايمكن ان تكون هناك عبارة اقرب الى الحقيقة ولا اصدق في التعبير عنها من هذه العبارة.. ثم يبدأ هيكل بعد ذلك في الشرح والتفسير قائلا: ليس هناك شك انه في وقت مضى فان بعض القوى ارادت وبعض الظروف ساعدت على محاولة جعل مصر مجتمعا مغلقا, ولكن الامانة تقتضي ان نسجل ان هذه المحاولة لم تنجح وان كانت قد سببت من اعراض التمزق النفسي ما كنا في غنى عنه فقد ادى المجتمع المغلق الى ان بعض اجهزة السلطة ظنت نفسها فوق الرأي العام, توهمت انه لايراها, واذا رآها فانه لايستطيع حسابها وادى المجتمع المنغلق الى حركة طبائع الاشياء, ادت الى تناقضات حادة مولمة ومعوقة, ان الفشل سيظل حليف كل دعاة المجتمع المغلق في مصر لماذا؟ لان مصر هي فجر ما يمكن ان نسميه بالحضارة العالمية المتصلة والتي انتقلت من العصر الفرعوني الى العصر الاغريقي الى العصر الروماني الى العصر العربي الى عصر النهضة الى ما وصف تجاوزا بعصر الحضارة الغربية والذي تحول الآن الى تيار عالمي غلاب وبالتالي فانها لاتستطيع ان تنعزل والعزلة ضمن اوصاف المجتمع المغلق, ومصر بدورها الحضاري المتصل كانت دائما ــ بحكم وجودها على مفارق وطرق القارات ــ نقطة تجمع ونقطة تفرع, وحتى بالوضع الجغرافي فان مصر بشاطئها الشمالي على البحر الابيض (المتوسط) وشاطئها الشرقي على البحر الاحمر ــ تقبع في مكان بارز وسط العالم ولو تصورنا ــ في تشبيه لمجرد التبسيط ــ ان العالم الحديث الذي اقترب من بعضه اقترابا لم يسبق له مثيل يشبه قلب مدينة كبيرة حافلة بالحركة, اذن فان مصر ــ وفق التشبيه ــ موقع يقوم على ناصية طريقين من اكثر الطرق ازدحاما وعمرانا. والواجهتان اللتان تبرز عليهما الناصية المصرية هما في الواقع من زجاج بحيث يتاح لمن في الداخل ان يرى موكب الحياة المتدفق في الخارج وبحيث يمكن ايضا لمن في الخارج مهما كانت سرعته ان يلمح بعض ما يجرى وراء الواجهات الزجاجية, ويتصل بذلك مباشرة ان مصر جزء عضوي من وطن عربي, وهي من اهم اجزاء هذا الوطن اذا لم تكن ــ بغير ادعاءات اقليمية ــ اهم اجزاء هذا الوطن اطلاقا, ومصر تأخذ من انتمائها الى هذا الوطن العربي قوة بقدر ما تعطيه ثم ان هذا الوطن العربي الواحد مقسم الى دول عربية متعددة, وسلطة الدولة في مصر محصورة في رقعة الوطن المصري لاتمتد ولايتها الا بالاتصال المفتوح وبالاقتناع الحر حيث لا قسر ولا إجبار, وإذا تحولت مصر إلى مجتمع مغلق أي مجتمع منعزل فهي بذلك تقطع شرياناً من أهم شرايين حياتها او هي في اقل القليل تقطع مصدرا كبيرا من اهم مصادر قوتها وتأثيرها, هكذا فانه من ناحيتين: ناحية علمية وناحية عربية لايمكن لمصر ان تنعزل اي لايمكن ان تتحول الى مجتمع مغلق, تضاف الى ذلك ناحية ثالثة وهي تأثير هذا الارتباط العالمي والعربي على الشعب المصري ذاته مما يجعله يرفض رفضا قاطعا ان يحاصر في العزلة او يرضى بالتحول الى مجتمع مغلق. كانت دعوة (المجتمع المفتوح) جزء من دعوة اكبر ــ فرضتها الهزيمة ــ للنظر في العمق الانساني المصري فجاء احمد بهاء الدين بنظرية الصراع الحضاري مع العدو الصهيوني.. وبدأ الدكتور لويس عوض يعيد احياء رموز التنوير في مصر وعلى رأسهم شيخهم, رفاعة الطهطاوي, ويعيد رواية تاريخ الفكر الحديث منذ الحملة الفرنسية الى الحرب العالمية الثانية وبدأ نجم الدكتور جمال حمدان في البريق بعد ان راح يرسم ملامح (شخصية مصر) لقد تسابق الجميع على ازالة طبقات الغبار التي تراكمت على مصر في ظل اختناقات المجتمع المغلق وطيور الظلام التي راحت تدفعه الى كارثة الهزيمة. الطهطاوي وحمدان لست وحدي الذي يؤمن بان الطريق الى حرب اكتوبر ــ 1973 لم يكن طريقا عسكريا فقط بل كان طريقا حضاريا ايضا, ولذلك لم اندهش عندما وجدت هيكل في مقدمة كتابه: (اكتوبر 73 ــ السلاح والسياسة) يقول انه خطر له ان يهدي الكتاب الى جمال حمدان, ذلك العالم المصري الفذ الذي اعطى المكتبة العربية اثره المتميز: (شخصية مصر ــ دراسة في عبقرية المكان) وقد استطرد هيكل: وفي تاريخ مصر مع بداية العصر الحديث كتابان لهما مذاق خاص وبينهما تقابل من نوع ما, الكتاب الاول هو: (تخليص الابريز في تلخيص باريز) الذي كتبه شيخ التنوير الجليل رفاعة الطهطاوي في اخريات القرن التاسع عشر, والكتاب الثاني هو: (شخصية مصر) الذي كتبه العالم الراهب المعتزل جمال حمدان في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين). الكتاب الاول يحكي رؤية ازهري ريفي للحضارة الغربية, مصري خام عبر البحر الابيض الى باريس وألقى نظرة على ما رأى ثم شهق مدهوشا منه, ولاتزال شهقته بالانبهار تعيد اصداءها حتى الآن بعد مضي اكثر من مئة وخمسين عاما على صوتها الاصيل, وكانت القيمة الكبيرة لهذه الشهقة التي اطلقها الطهطاوي ان صاحبها لم يقصر انبهاره على شكل ما رأى وانما غاص فيه محاولا لمس اعماقه والتعرف على مادته, والكتاب الثاني يقدم دراسة طالب علم مصري عبر البحر الى بريطانيا ملتحقا بجامعة (ريدنج) يقصد التخصص في الجغرافيا ومن هناك راح يتأمل وطنه ويعيد اكتشافه, وكل مواطن يكتشف وطنه على اساس الميلاد والتربية مرة, ثم يعيد اكتشافه على اساس الحياة فيه والتجربة معه مرة ثانية, لكن جمال حمدان كان حالة استثنائية, ذلك انه تجاوز ذاته, وجاء اكتشافه الثاني لوطنه على اساس حياة وتجارب هذا الوطن مع الدنيا والتاريخ. اولهما ــ الطهطاوي ــ مسافر خارج وطنه يبحث عن افكار ورؤى دنيا جديدة وعصر بازغ تضوي وتتألق فيه اشعاعات الثورة الفرنسية, وثانيهما ــ حمدان ــ مسافر عائد الى وطنه بمفتاح لفهم حياة وشخصية امة تبحث عن نفسها في اعقاب حرب عالمية ضروس هزت وزلزلت قارات ومحيطات, وربما تقاطعت مسالك الرجلين على امواج البحر الابيض ذهابا وعودة رغم انقضاء قرن ونصف من الزمان ثم تقابلت رؤى المسافرين العائدين من مواقع نظر متباينة). وقد اتيح لهيكل ان يقرأ لرفاعة الطهطاوي, ولكن اتيح له ان يقرأ لجمال حمدان ويناقشه, وكان لقاؤهما الاخير في عام 1992 وهيكل على وشك كتابة كتاب (اكتوبر 73 ــ السياسة والسلاح) وبطبيعة الحال تحدثا عن شواغل هيكل في هذا الكتاب, ثم تواصلت المناقشة طويلا حول موضوع يستدعي اهتمامهما معا وهو موضوع علاقة الجغرافيا والتاريخ ومصر في موازين الاثنين معا, وكان ذلك بالضبط محور كتاب جمال حمدان عن (شخصية مصر). وفي المناقشة الاخيرة ابدى هيكل هواجس تراوده تمس نظرية عبقرية المكان التي جاء بها جمال حمدان في جوهرها, تساءل هيكل قائلا: (اذا قلنا ان المكان ليس مجرد موقع جغرافي واذا قلنا ان الزمان ليس مجرد قرون تغرب شموسها او قرون تهل مطالعها فكيف تفسر ما يجري امامنا؟ لقد حدث شيء ما لعبقرية المكان, عبقرية المكان بشكل من الاشكال تبدو لي معطلة هنا, حتى الانشغال بهمها معطل, هناك من يقولون ــ بخفة ــ ان (العبقرية) كبرت على موقعها وموضعها, واذا كان تشخيصهم صحيحا فلعلها كبرت الى درجة انها انحشرت فيه بعد ان ضاق عليها وبالتالي حبس حركتها, وهناك من يقولون بقسوة ان العبقرية صغرت على موقعها وهي لذلك تتدحرج فوق ساحته لايقر لها قرار, ولا اصدق ان يكون ذلك صحيحا, واذا كان فاني اتصور انها مجرد لحظة لان حركة التاريخ بالطبيعة الى الامام, او لعلها لم تعد كذلك؟ دعنا من الخفة والقسوة الى ماهو اكثر موضوعية وعلمية ــ قل لي ماذا جرى لعبقرية المكان وفعلها الزمن التاريخي بكل ما يستلزمه من ضرورات الحركة والتغيير وهما الاساس في حيوية الوجود؟. كان جمال حمدان يسمع, وكان هيكل مازال يتساءل: (قل لي.. اين المكان في هذا العالم الذي اصبح قرية؟ واين الزمان في هذا العصر الذي تنطلق فيه ومضة ليزر الى القمر وتعود في ثانية واحدة؟ قل لي هل تملك عبقرية المكان ان تسافر او تهاجر؟ او هل يمكن لها ان تتروى وتنكمش؟ اعرف ان عبقرية الافراد يحدث لها ذلك: عبقرية (سقراط) انتهت بكأس مسمومة, وعبقرية (نابليون) جرى تسفيرها بالبحر الى منفى جزيرة (سانت هيلين), وعبقرية (نيتشه) وصلت في النهاية الى بيت منعزل على حافة جبل (سلزماريا) قرب (سان موريتز) في سويسرا, اقام فيه العقل الشامخ بعد ان غام ضياؤه ولفه الضباب, لم اجد في اثينا اثرا باقيا للسجن الذي شرب فيه سقراط كأسه المسمومة, ولم أرس بشراع على شاطىء جزيرة سانت هيلين, ولكني قمت بزيارة للبيت الذي قضي فيه نيتشة سنوات الغيام والضباب وطفت بقاعاته وحدي صامتا منتظرا وكأن الجدران يمكن ان تنطق بشيء سمعته في الماضي كلاماً او همسا, قل لي هل يمكن لعبقرية الجغرافيا والتاريخ التي صنعت عبقرية المكان ــ على حد تعبيرك ــ ان يتعطل فعلها واثرها ويبطل سحرها ومفعولها. قل لي, هل يمكن للزمان ان يمشي بظهره الى المستقبل؟ وهل يمكن للعدد ان يتنازل بحسابه للسنين والحقب بدلا من ان يتصاعد معها بقوة الاشياء ويحملنا ولو بالقسر من قرن يودع الى قرن يسلم؟ بعقلي وقلبي اعرف ان ذلك مستحيل, لكنني لا استطيع ان انكر بعض ما اراه, على نحو ما تساورني هذه اللحظة هواجس, لست متأكدا ان هذا المكان عارف بموقعه وموضعه واثق من هويته او واثق من دوره في محيطه الذي هو قطعة منه, لست متأكدا ان هذا المكان قائد ــ حيث تؤهله الجغرافيا والتاريخ ان يقود, لست متأكدا انه الملهم والنموذج والمثال, لست متأكدا انه العالم والمعلم والمفتي والمجتهد, لست متأكدا انه المبدع والمصور, بل لست متأكدا انه المطرب والمغني, قصارى ما يمكن ان يجيئك اذا مددت سمعك دقات طبول بدائية وغريزية تكرر نفسها, تعطيك احساسا موحشا بان الحقول الخضراء تتراجع امام عملية تصحر بطيء, ولكن خطاه منتظمة ومتتالية كأنه على موعد يقصد اليه بنشاط رتيب, هناك على حافة الدنيا وعلى حافة العصر. لقد تغيرت رؤية هيكل لموقع مصر وتأثيره بين ما كتبه بعد الهزيمة في دعوة (المجتمع المفتوح) وبين ما كتبه وهو يناقش جمال حمدان فيما جرى لعبقرية المكان من تغيرات بسبب ثورة الاتصالات وبسبب زحف الصحراء على الخضرة مدفوعة بقوة النفط وثرائه.. وهو ما يثبت انه يتابع التغيرات الحضارية بنفس الحماس الذي يتابع به التغيرات السياسية. ويصف هيكل جمال حمدان بأنه كان انسانا بالغ الحساسية, شديد الكبرياء وقد زادت على ذلك اخيرا مسحة حزن ضاغط انطباعها على قسمات وجهه وشاعت في نبرات صوته وقد حاول ان يعزي نفسه او يعزي هيكل قائلا: (ان حركة التاريخ دائمة ولكن اتجاهها ليس ثابتا وكان عهدنا ان تكون الى امام خطوتين والى وراء خطوة.. ولعلنا الآن نرى بعدا مغايرا.. حركة الى اسفل. كان جمال حمدان قد قرر العزلة بعيدا عن الناس, لايقابل احدا, ولا يحاور احدا, وكانت كل صلته بالعالم والناس رسائل من تحت الباب تصل اليه, وردود عليها يصل مرسليها عن طريق ناشر كتبه يوسف عبدالرحمن, وهكذا وصلتني كتبه عليها اهداء منه, وقد حاولت كما حاول هيكل وحاول غيرنا ان نخرجه من دير العزلة والعودة الى دنيا الناس, ولكنه لم يقتنع مصرا على انه اعتزل, وحركة التيار الى امام فكيف يعود والحركة معاكسة سواء الى وراء او الى اسفل؟ وقد انتهى الدكتور جمال حمدان نهاية مأساوية, انفجرت في بيته المتواضع المغطى بأطنان الكتب والصحف والابحاث انبوبة بوتاجاز, وأتت النيران عليه, وعلى ما كان يقرأ ويكتب, وهكذا انتهت (حياة ذلك العالم الراهب المعتزل والمهموم بشخصية مصر وعبقرية مكانها الموقع والموضع) وربما من هنا خطر لهيكل ان يهدي اليه كتابه عن حرب اكتوبر, الذي بدأ برفض الهزيمة الحضارية, ثم تجاوز الهزيمة العسكرية. قضية الصحافة لم يبق من القضايا التي فجرتها الهزيمة ــ وفجرها هيكل ــ سوى قضية الصحافة, بعد مراكز القوة, والتغيير, والمجتمع المفتوح, والديمقراطية, جاء الدور على الصحافة, لقد تعرضت الصحافة في تلك الايام السوداء لكثير من النقد الجارح وصل الى حد الشك فيها, حسب العنوان الذي اختاره هيكل لمقاله بصراحة في 20 ديسمبر 1968 وكان: (الشك في الصحافة المصرية) ان هيكل الذي هاجم بضراوة صحافة ما قبل الثورة, وصحافة ما بعدها مباشرة وجد صحافة ما بعد التأميم ــ التي كان هو ألمع من فيها ــ في حالة طعن دائم في مصداقيتها, بل ان هناك من اشار باصابع الاتهام الى الصحافة واعتبرها المسئولة عما جرى في يونيو ,1967 فهي التي حجبت الحقيقة عن الناس وساهمت في تضليلهم حتى كان ما كان. لقد بدأت الحرب على هيكل من الاتحاد الاشتراكي, وهي حرب كانت شرسة استخدم فيها التنظيم السياسي صحيفة (الجمهورية) ونشرة (الاشتراكي) التي كانت تصدر للتثقيف الداخلي لقيادات التنظيم, ووسائل التشهير المنظمة, والمنشورات, وهتافات المظاهرات, والقاء الحجارة على مبنى (الاهرام) وكان هيكل في هذه الحرب بدون مساندة من جمال عبدالناصر الذي لم يعترض على ما كتب لكنه طلب منه ان يتحمل تبعاته, وفيما بقي هيكل انهار الاتحاد الاشتراكي.