هل يدخل ياسر عرفات اجتماع قمة شرم الشيخ اليوم بذهنية تنازلية أم بذهنية الاصرار والعزم؟ شرم الشيخ شهدت قبل اليوم قمتين, إحداهما عام 96 والثانية عام 98, وفي كليهما كان مسلك الرئيس عرفات اعتذاريا واسترضائيا تجاه الخصم الاسرائيلي وشريكه الأمريكي, فبعد مرور ثلاث سنوات ثم خمس سنوات على أوسلو كان عرفات قد انفصم عن قاعدته الجماهيرية العريضة. الآن يشارك عرفات في شرم الشيخ الثالثة على خلفية فوران شعبي عارم في فلسطين تتردد أصداؤه شعبيا في شوارع العواصم العربية, وإذا كان لهذه القمة الثالثة أي أهمية من منظور الشارع الفلسطيني الثائر فإن هذا القدر من الأهمية محصور في كون القمة أول اختبار لمدى انعكاس الانتفاضة وتداعياتها العنيفة على المسلك الدبلوماسي للزعيم الفلسطيني: هل يستأنف نهج التنازلات التقليدي فيجلس إلى ايهود باراك وبيل كلينتون بروح اعتذارية استرضائية أم يتخذ سمت القائد الذي يترجم تطلعات شعب طفح به الكيل؟ المؤشرات متضاربة مما يجعل أية محاولة للإجابة عن السؤال ضربا من تكهن ازدواجي ذي احتمالين متساويين, على الصعيد السلبي هناك ثلاثة مؤشرات: أولاً: قبل يوم من إعلانه الموافقة على المشاركة في القمة أعادت أجهزة أمن سلطة عرفات اعتقال أولئك العشرات من عناصر (حماس) الذين سبق الافراج عنهم قبل بضعة أيام في حمأة مجريات الانتفاضة الدموية. ثانيا: أمر الرئيس عرفات باعتقال جميع الفلسطينيين الذين شاركوا في قتل جنديين اسرائيليين في مركز شرطة فلسطيني في مدينة رام الله معلنا في الوقت نفسه ان أجهزة الأمن الفلسطينية تجري تحقيقا في حادثة القتل. ثالثا: جاء بيان الرئيس الفلسطيني بالمشاركة في قمة شرم الشيخ خاليا من شروط أعلنها سابقا ومن بينها اجراء تحقيق دولي أولا. هذه المؤشرات الثلاثة تعكس في اجمالها ـ وفي ظاهرها على الأقل ـ روحا تخاذلية استرضائية تجاه اسرائيل والولايات المتحدة, فإعادة اعتقال عناصر (حماس) تأتي وكأنها استجابة لمطلب اسرائيلي ذي طبيعة تهديدية في هذا الصدد. والأمر باعتقال كل من شارك في مقتل الجنديين الاسرائيليين وإجراء تحقيق في هذه الحادثة يقابله مقتل نحو 97 فلسطينيا برصاص الاسرائيليين.. جنودا ومستوطنين علما بأن السلطات الاسرائيلية, بعيدا عن اعتزام اجراء تحقيق أو اعتقال اسرائيليين, تتبجح بانجاز هذه الحصيلة الدموية. أما التنازل عن مطلب إجراء تحقيق دولي في الأحداث كشرط مسبق للمشاركة الفلسطينية في القمة فإنه ينضح ظاهريا باستجابة للضغوط الأمريكية. هذه النقطة بالتحديد تنقلنا إلى الصعيد الايجابي, فقد أعلن كبار المتحدثين باسم الرئيس عرفات أنهم رغم موافقتهم بالمشاركة في القمة فإنهم لم يتنازلوا عن شروطهم وبالاضافة إلى مطلب التحقيق الدولي فإن من بين هذه الشروط انسحاب القوات الاسرائيلية خارج المدن والقرى الفلسطينية وإيفاد قوات دولية إلى الأرض المحتلة لحماية الشعب الفلسطيني من اعتداءات اسرائيلية مستقبلية, هذه الشروط, يقول صائب عريقات, هي التصور الفلسطيني لأجندة القمة, ولن يكون هناك تنازل بشأنها. بالطبع سيكون هناك رفض اسرائيلي أمريكي مشترك لهذه الشروط, فالطرفان الشريكان ليس لديهما أي تصور سوى إجهاض الانتفاضة وإخمادها نهائيا, وسنرى كيف يتصرف عرفات إزاء التاريخ.