السلام على سلاطيننا وملوكنا وأمرائنا ورؤسائنا ورحمة الله وبركاته وبعد فإن حوالي ثلاثمئة مليون عربي وأنا واحد منهم نحدق في السراب وننتظر ونعيش مع أطفالنا وشبابنا في ثورة القدس لحظات القهر ولحظات الشهادة, ولحظات التحدي ولحظات الصبر ثانية بثانية من خلال شاشات الفضائيات وكانت ربما تلك المعايشة الحميمة أولى خطواتنا العربية على درب العولمة وتدفق المعلومات, فقد كُتب لنا ان ندخل العولمة مضرجين بدماء الطفل الشهيد محمد جمال الدرة وفي أسماعنا صرخته المدوية الأخيرة قبل ان يهوي على حِجر أبيه الجريح النازف, نعم, كتب علينا ان ندخل القرن الحادي والعشرين فنواجه الرصاص والصواريخ والقنابل والطائرات والدبابات بالحجارة بينما القرار في أيديكم لتقترب موازين القوى من التعادل وحتى نرد على النار بالنار وعلى القهر بالقهر, أنتم أبناء هذه الأمة, ولدتم من أرحامها, ورضعتم من لبنها وقرأتم قرآنها ولعبتم أطفالا في ساحاتها ومرابعها, وأكلتم من زيتونها وتفاحها ورمانها وتجري في دمائكم كما في دمائنا قصائد طرفة بن العبد وعنترة العبسي وأبو الطيب المتنبي وأحمد شوقي وأبو القاسم الشابي ومحمود درويش وبطولات الصحابة الأجلاء وليوث الفتح من عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى صلاح الدين الأيوبي, ومن طارق بن زياد إلى عز الدين القسام, ولابد ان تكون زغاريد أمهات شهداء القدس قد هزتكم كما هزتنا, فأنتم أبناء القدس مهما كانت أوطانكم, ما دام الله سبحانه بارك حول مسجدها الأقصى إلى يوم الدين في كلمته القرآنية التي لا تبديل لها, وأنتم بالاضافة إلى أنكم أبناء القدس الشريف فأنتم حماة ذلك العرين: قبلة الاسلام الأولى وثالث الحرمين ومسرى الرسول الأعظم ومعراجه. أقسمتم كلكم حين استلمتم الحكم على اعتبار دين الأمة أمانة في أعناقكم فلا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها, لقد وضعتم أيدكم على المصحف حين تحملتم مسئوليات شعوبكم بأن تحموا دساتيرها وتحافظوا على أمنها وتؤمّنوا رزقها وترفعوا رايتها وتكونوا لها أوفياء ولتاريخها ولمستقبلها أمناء وفي جهادها جنودا أقوياء وعلى حقوقها قائمين وفي ساحاتها صامدين, وأشهدتم الله ورسوله على ذلك وتبعتكم شعوبكم ولم تخذلكم بل اعتبرت طاعتكم من طاعة الله. واليوم تجتمعون في قمة نسأل الله ألا تكون فيها قلوبكم شتى, فهذه القمة هي فرصة نادرة وأخيرة لالتقاء ارادة الحاكم بإرادة المحكوم أمام أكبر مظلمة عرفها تاريخ البشرية, مظلمة إحلال شعب شتات محل شعب أصيل, مظلمة إبادة تدريجية مبرمجة لشعب كامل تحت عيون الكاميرات, مظلمة تهويد القدس بتخطيط أمريكي دموي جائر, مظلمة ضمان التفوق الصهيوني مهما كان الرئيس الأمريكي, على حساب حقوق العرب ومصير أجيالهم القادمة. اليوم تدق ساعة الحق وأنتم تلتقون, ففندوا مقولة اسرائيل التي تؤكد للرأي العام العالمي بأن مشكلة العرب جميعا هي مع العراق ومشكلة العراق هي مع سوريا والكويت ومشكلة مصر هي مع السودان ومشكلة الجزائر هي مع المغرب ومشكلة ليبيا هي مع تونس ومشكلة موريتانيا هي مع البعث ومشكلة المملكة السعودية هي مع اليمن, ومشكلة اليمن هي بين شطرين, ومشكلة لبنان هي مع اللاجئين ومع حزب الله ومشكلة قطر هي مع البحرين .. إلى آخر ما تردده سفارات اسرائيل على أسماع العالم من أننا أمة خُلقنا لنتصارع حتى لم تنفع معنا دروس الاندلس ولا دروس احتلال أراضينا من قبل قوى الاستعمار الصليبي ولا دروس ضياع فلسطين, بالرغم من ان الاعتبار بالأحداث مدرسة عربية لأن العلامة عبدالرحمن بن خلدون سمى كتابه الرائع بكتاب العبر وقد أعلنها القرآن بعبارة (فاعتبروا يا أولي الألباب) وقديما قال الإمام علي كرم الله وجهه: (ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار). اليوم تجتمعون فلتجتمع كلمتكم على هدف واحد وعلى غاية مشتركة ألا وهي عودة الإرادة العربية المسلمة وعدم التفريط في خيار المقاومة والإصرار على نيل الحقوق المغتصبة قبل ضمان أمن الدولة العبرية قاتلة الأطفال ثم الاعلان بألا تنازل عن القدس, جربوا ان تقولوا لا قوية عازمة باسلة مجاهدة, ونحن نقدر مقتضيات الحكم ونعرف صعوبة المسئولية لكن لا يمكن تبرير العجز العربي أمام مجزرة وحشية تخلف بها دولة اسرائيل واقعا جديدا على الأرض, ولا يمكن فهم تراجعنا أمام الشروع في نقل سفارة أمريكا على أرض وقفية بالقدس من أوقاف الشيخ محمد الخليلي, لا يمكن تفسير كيف سكتنا على تشريد شعب ومسحه من على خريطة وطنه. اننا ننتظر ان تقودوا هبة أمتكم لا ان تخمدوها, وان تسيروا في اتجاه التاريخ لا عكسه. وفقكم الله تعالى إلى ما فيه انتصار الحق على الباطل, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.