ما زالت الانتفاضة التي بدأت مع زيارة شارون الى القدس منذ حوالي الاسبوعين تتفاعل على جميع الاصعدة وتلتقي مع لبنان ومع الاردن وسوريا ومع الكويت ومع المملكة العربية السعودية والقاهرة والمغرب وبقية العرب. ان تقع مظاهرة يشارك فيها مئات الألوف في المغرب, وان تقع تجمعات ومسيرات ومهرجانات خطابية في الكويت وان يقوم حزب الله باعتقال ثلاثة عكسريين اسرائيليين يعكس انقلابا كاملا في المناخ العربي. بل لم يبرز حدث موحد للساحة العربية ولشعوبها كالانتفاضة في الاراضي الفلسطينية. فجميع التيارات العربية السياسية تفاعلت مع الحدث, وجمعيات النفع العام في اقطار عربية عديدة تحركت ووقعت في الاطار العربي العام حالة استنهاض وتفاعل قلما شهد العرب مثلها منذ اكثر من عشر سنوات فالقدس امر يجمع العرب عليه, والمقدسات الاسلامية فيها امر يجمع العرب والمسلمين على قيمتها لهم, كما ان حقوق الانسان العربي في فلسطين امر يربط كل العرب بمنعطفات الصراع من اجل الاستقلال. وتسعى الحالة العربية, وهذا هو الاهم, لفرز موقف نأمل ان يساعد في اعطاء الفلسطينيين لذلك الغطاء العربي الذي يؤمن لهم الحماية السياسية والمعنوية من بطش اسرائيلي اكثر عنفا وتوسعا مما وقع حتى الآن. وترد اسرائيل على الحجارة بمدفعية الدبابات, وترد على مجتمع من المدنيين بزخات من الرصاص وترد على قنابل المولوتوف بطائرات الهيلوكبتر, وقد اوقع هذا عشرات القتلى ومئات الجرحى. ويمكن القول ان العنف والتسرع في الرد الاسرائيلي يعكس سعي قطاع في اسرائيل لانهاء افاق السلام, والعودة للمرحلة السابقة من الاحتلال والتهجير, ولكنه يعكس خوف اسرائيل المبالغ به من امكانية تأمين الحقوق العربية في القدس وامكانية تأمين حقوق الشعب العربي الفلسطيني في دولة فلسطينية واضحة المعالم. بل ان الرد الاسرائيلي المتسرع يعكس خوف اسرائيلي من ان الحكم الذاتي المفرغ من المحتوى السياسي والديني والثقافي يسقط كل يوم. وقد اكتشف الفلسطينيون بالممارسة والتفاوض ان حدود ما تستطيع اسرائيل ان تقدمه قد قدمته, وان حدود ما تستطيع ان تسلمه من الحقوق العربية في فلسطين قد سلمته في اطار المعادلة السياسية التي تعمل من خلالها. بل اكتشف الفلسطينيون ان سياسة توسعة المستوطنات استمرت في ظل حكومة باراك, وسياسة قضم القدس استمرت, وسياسة مضايقة السكان في رزقهم وعملهم استمرت, وسياسة المهانة الوطنية استمرت اضافة لاحتلال اسرائيل لنسب كبيرة من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. هكذا شعروا انه بلا تضحيات وبلا انفجار فوق الانفجارات وبلا عاصفة تطيح بالكثير من الثوابت الاسرائيلية السلبية حول الحقوق الفلسطينية فإن الوضع قد يستمر في التراجع والتآكل. لهذا فإن انتظار الفلسطينيين لحل تقدمه لهم اسرائيل ولعرض تقدمه الولايات المتحدة وصل لطريق مسدود مع فشل مفاوضات كامب ديفيد. من هنا اصبح من الطبيعي ان يقع انفجار. لم يكن الامر يتطلب اكثر من شرارة, ولم يكن يتطلب اكثر من فتيل قدمه شارون في زيارته للقدس. المعادلة الفلسطينية الاسرائيلية اكثر وضوحا هذه الايام. فهناك خمسة ملايين يهودي وهناك ما يقارب الاربعة ملايين فلسطيني في الارض نفسها المتنازع عليها. هذه الانتفاضة تدور حول شكل العلاقة بين الطرفين. فعرب فلسطين ما زالوا عبر عقود الصراع يبحثون عن روحية الاستقلال والتحرر والمستقبل. وبينما خانتهم الظروف والاوضاع والموازين في السابق, قد تكون الموازين والظروف في هذه المرحلة اكثر من مؤاتاة واكثر تعاطفا مع حقوقهم وسعيهم للمستقبل. وقد يكون انعكاس ما قاموا به على العرب اكثر ايجابية, اذ يسجل لهم انهم غيروا المزاج العربي العام, ويسجل لهم ايضا انهم نجحوا في اثارة قضية القدس بما قد يساهم في حماية هويتها ومستقبلها. ومع ذلك لا يوجد ما هو مضمون في الوضع الراهن: فالامور قد تسوء لحد حرب موسعة فلسطينية اسرائيلية لديها امتداداتها العربية, وقد تعود المفاوضات الى طريقها في ظل افرازات جديدة تسمح باعتراف بالنتائج التي افرزتها الانتفاضة. الصراع اليوم يدور حول محاولة اسرائيل كسر ارادة الفلسطينيين, بينما يجد العالم العربي انه في موقف الدفاع عن الارادة ويشعر بمسئولية تجاه حمايتها. بالمحصلة اكدت الاحداث الاخيرة انه لا فصل بين القضية الفلسطينية والقضية العربية ولا فصل بين القدس وبقية العرب. لهذا ستجد اسرائيل ان العالم العربي سيتحرك وسيزداد تفاعلا مع الفلسطينيين كلما ارتفعت حدة الاخطار التي تهدد حقوقهم. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت