اعرب بعض المراقبين عن دهشتهم ازاء الاجماع على العديد من قضايا السياسة الخارجية الذي بدا جليا خلال المناظرة الرئاسية الامريكية في الاسبوع الماضي. وأعرب المرشح الرئاسي الديمقراطي آل جور والمرشح الجمهوري جورج بوش بصفة خاصة عن وجهات نظر شبه متطابقة ومثيرة للقلق فيما يتعلق بكل من الصراع الفلسطيني ــ الاسرائيلي المتواصل والموقف في العراق. غير ان ذلك ما كان ينبغي ان يكون امرا مثيرا للدهشة, حيث انه على امتداد سنوات طويلة ساء اجماع في صفوف الحزبين الامريكيين على معظم جوانب السياسة الخارجية الامريكية. وفي حقيقة الامر, فإنه اذا كان هناك شيء يتعين ان يكون مدهشا, فهو ان نصف المناظرة تقريبا قد تركز على السياسة الخارجية, حيث ان الشئون الخارجية لا تعد ذات أولوية تذكر بالنسبة للناخبين في هذه الانتخابات الحالية. وأوضح استطلاع للرأي اجري مؤخرا انه عندما سئل من جرى استطلاع رأيهم عن تقويمهم بحسب الترتيب للقضايا ذات الاهمية الاكبر بالنسبة لهم, ادرج 59% منهم حشدا من القضايا الاجتماعية (التعليم, الصحة, الجريمة, الاجهاض... الخ) وادرج 30% منهم قضايا اقتصادية, وادرج 3% منهم فقط خليطا من قضايا السياسة الخارجية والامن القومي والدفاع. وفي الغالب الأعم فإنه عندما يتناول المرشحون قضايا السياسة الخارجية, فإنهم يقومون بذلك من خلال بؤرة محلية, أي لاستهداف جماعات محلية بعينها يسعون للحصول على دعمها لهم. وهكذا, على سبيل المثال, فإنهم عندما يتوجهون الى الجالية الامريكية اليهودية او الجالية الامريكية العربية, فإنهم يناقشون قضية الشرق الاوسط, اما الجمهور الكوبي فإنه سيستمع الى مناقشة للسياسة الامريكية حيال كوبا, وستستمع الجماعات الايرلندية الى مناقشة لعملية السلام الايرلندية. وفي السنوات الاخيرة استمعت الجماعات العمالية وجماعات رجال الاعمال الى مناقشات تدور حول قضايا الصين والسياسة التجارية. وفي عام 1992 حظى بيل كلينتون بدعم جماعات وسط اوروبا عندما تناول اهتمامات هذه الجماعات المتعلقة بتوسيع نطاق حقوق الانسان والديمقراطية في ذلك الجزء من العالم. والامر المهم الذي يتعين تذكره هو أنه فيما يتعلق بكل هذه القضايا فإنه ليس هناك بالفعل اختلاف جوهري في الطريقة التي يتعامل الحزبان الكبيران بها معها. وحيثما وجدت نقاط الخلاف او النزاع فإنها تقوم على أساس عناصر غير ملموسة مثل الخلافات في الشخصيات والمصداقية وطبيعة القيادة او رؤيتها. وعلى سبيل المثال, فإن كلا من بوش وجور هما من انصار العولمة ومن مؤيدي التجارة الحرة مع الصين. غير ان بوش يرفض سياسة (التواصل البناء) التي يتبناها جور حيال الصين, ويفضل النظر الى الصين باعتبارها خصما, وهو يتهم جور بتجاهل حلفاء الولايات المتحدة الآسيويين الآخرين. وهو يساند العمل مع الجمهورية الروسية الجديدة, لكنه يتهم جور بـ (المبالغة في اضفاء الطابع الشخصي) على العلاقات الامريكية مع روسيا من خلال التأكيد بصورة مفرطة على الصلات الشخصية مع الزعماء الروس. وينتقد بوش كذلك الادارة لتقليصها للانفاق على المؤسسة العسكرية الامريكية وتحميلها اعباء بالغة, ويذهب الى القول ان الرئيس كلينتون قد أضعف العسكريين الامريكيين بالالتزام بقدر اكثر مما ينبغي من المهام الانسانية. وبالمقابل فإن جور يشير الى نجاحات الادارة, ويلاحظ ان له رصيدا كبيرا في الشئون الخارجية (بصفة خاصة اللجان الثنائية التي يتولى رئاستها مع مصر وروسيا وأوكرانيا) وهو يضع موضع التساؤل مستوى استعداد بوش لتحمل مسئولية القيادة في الشئون العالمية. وينتقد جور منهاج بوش المتراخي بالنسبة للتواصل, ويشير الى ان الولايات المتحدة لديها حافز أخلاقي واستراتيجي يدفعها الى تولي القيادة في غمار استجابتها للأزمات الانسانية في هاييتي وكوسوفو وآسيا الوسطى,, وهو يذهب الى ابعد من ذلك, فيجادل بأن بوش غارق في ذهنية الحرب الباردة التي ترفض النظر الى روسيا والصين إلا باعتبارهما خصمين. والآن حتى في سياق هذا النقاش فإن من المثير للاهتمام ان نلاحظ كيف ان المرشحين الرئاسيين كليهما يخاطبان مجموعات مختلفة من الناخبين فعندما ينتقد بوش التزام الادارة حيال المؤسسة العسكرية وينتقد سياستها حيال روسيا والصين فإنه يركز على القاعدة الاساسية من الجمهوريين المتشردين المتمسكين بالحرب الباردة. ومن ناحية اخرى فعندما يتحدث جور عن الالتزامات المتعلقة بحقوق الانسان ويصيغ سياسته الخاصة (بالتواصل قدما) (وعلى سبيل المثال التعامل مع القضايا العالمية المتعلقة بالمرض والفقر وحقوق الانسان وحماية البيئة والارهاب) فإنه يركز على قاعدة انتخابية اكثر ميلا الى التوجه الليبرالي الديمقراطي والمؤلفة من ناخبين تجتذبهم هذه الاهتمامات. ولكن بعد ان اشرنا الى هذا فلابد من تكرار انه في الخطوط السياسية العامة حيال معظم مناطق العالم فإن هناك اجماعا قائما بالفعل بين الحزبين ويرجع هذا الى ان السياسة دالة في ثلاثة عوامل: ــ المصالح القومية الامريكية على نحو ما يتم تحديدها في كل منطقة. ــ الحقائق السياسية الجارية في كل منطقة. ــ الحياة السياسية وتحديد صياغات سياسية لكل منطقة. ومن المهم للغاية ان نتفهم التداخل بين هذه العوامل الثلاثة اي المصالح والحقائق الواقعية والحياة السياسية المحلية لكي نتفهم كيفية صياغة السياسة الامريكية وبالتالي لكي ندرك كيف يمكن تغيير تلك السياسة. ويتعين علينا باعتبارنا امريكيين عربا ان نتصدى للتعامل مع المكون السياسي المحلي لهذه المعادلة السياسية الامريكية. ونحن نعرف ان السياسة لسوء الطالع ليست بالاخلاق كما انها ليست مسألة متعلقة بالتربية. وفي حقيقة الامر فإن السياسة في اكثر اشكالها فجاجة هي صراع قوة وعلى المستوى الامريكي المحلي فإن ادوات هذا الصراع هي اصوات الناخبين والمال والاعمال. وعلى امتداد سنوات طويلة عمل جانب والتزام جانب آخر السكون. ومن هنا فإن هذا الجانب الذي عمل نجح في تشكيل السياسة لأنه كسب الصراع الذي لم ندخل حلبته. لقد بدأنا منذ عقدين من الزمان في الدخول في هذا الصراع في اطار جهد نبذله لايجاد بعض التوازن في المعادلة ولم يكن ذلك بالأمر اليسير فقي البداية تم عزلنا وتهديدنا والتحرش بنا بل والهجوم علينا بضراوة ولكننا واصلنا المسير قدما والآن ها نحن نحقق المكاسب. ولأن الامريكيين العرب من منظور العديد من الجاليات قد تم الاعتراف بهم باعتبارهم مجموعة انتخابية فإن الجالية قد تمكنت بشكل افضل من تشكيل السجال السياسي مع المسئولين الذين يمثلونها في هذه المجالات. وقد ايد اكثر من مئة عضو من اعضاء الكونجرس مواقف الامريكيين العرب المضادة للعقاب الذي ينزل بساحة شعب الطرق البري, والعديد من اعضاء الكونجرس يتبنون هذا العام وجهات نظر الامريكيين العرب فيما يتعلق بالقدس وعملية السلام كذلك. ومن المؤكد انه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين انجازه ولكن من المهم ان نلاحظ ان المرشحين الرئاسيين كليهما يتوددان بصورة نشطة للناخبين الامريكيين العرب في ميتشيجان وهي ولاية رئيسية تشكل ساحة صراع في انتخابات هذا العام حيث ألقى جو ليبرمان خطابا امام الامريكيين العرب في ميتشيجان وألمح الى انه قد غير موقفه فيما يتعلق بنقل السفارة الامريكية في اسرائيل الى القدس والتقى جورج بوش بالأمريكيين العرب وخلال المناظرة الانتخابية الأخيرة مد الجسور الى الامريكيين العرب من خلال مخاطبة اهتماماتهم المتعلقة بموقف الادارة منهم. وقد التقى آل جور ثلاث مرات مع الامريكيين العرب وتعهد بلقاء رابع معهم لمناقشة مخاوفهم المتعلقة بموقفه من علمية السلام في الشرق الاوسط وكذلك من تعامل الادارة المتميز ضدهم. وهكذا يبدو ان التقدم بينما كان وئيدا في تحققه الا انه يتم احرازه ولا يزال هناك المزيد مما يتعين القيام به ولكن اذا ما قدر لقضايا الشرق الاوسط ان تطرح في انتخابات هذا العام واذا ما اريد تغيير اجماع الحزبين المؤسف على تأييد اسرائيل ولو بشكل محدود باتجاه التوازن فإن الامريكيين العرب هم الذين سيساعدون في جعل هذا الهدف يتحقق. رئيس المعهد الأمريكي العربي