(قلب الظلام) رواية شهيرة للكاتب الانجليزي المنحدر من أصل بولندي (جوزيف كونراد) الذي تجمع قصصه بين الواقعية والخيال الرومانسي, وتدور حول البحار الجنوبية والملايو وأندونيسيا حيث قضى جزءاً كبيراً من حياته بحاراً يجوب الموانئ, ويختزن منها في الذاكرة ما مكّنه بعد ذلك من كتابة عدة روايات دعت معظم النقاد إلى اعتباره من أهم كتّاب الرواية في الأدب الانجليزي. تمتاز رواياته بدقة رسم الشخصيات, وتركز على تصوير مأساة الفرد الذي لا يستطيع أن يحقق طاقاته الكامنة, كما تصوّر الأثر المدمر للانعزال والوحدة في النفس البشرية. من (قلب الظلام) استعارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر العنوان لتصدر مجموعة من المشاهدات التي سجلها عدد من العاملين في الحقل الانساني تنوعت مشاهداتهم وتوزعت اماكنها على قارات العالم وبلدانه المسكونة بالحروب والكوارث الانسانية لتنقل لنا صوراً مأساوية عن معاناة فئة من البشر لا يختلفون عنا في شيء سوى أن أقدارهم قد شاءت لهم أن يولدوا فوق أراض حبلى بالأحقاد والاطماع والشرور متفجرة بالبراكين البشرية والصراعات وتضارب المصالح. يقول (كيم جوردون بيتس) أحد كتاب هذه المشاهدات: (لقد كتب العديد من المؤلفات عن مدى قدرة الانسان أو عدم قدرته على التغلب على ويلات الحرب. ويعايش العاملون في الحقل الانساني ــ وهم بلا أي طموحات أدبية ــ كل يوم حالات من هذا النوع الذي يختلط فيه المأساوي والبطولي). ولا أدري إن كان خجله أو تأدبه قد منعه من القول إن خيال الكتاب والأدباء ــ على رحابته واتساع أفقه ــ قد عجز عن ان يصور فداحة الواقع ومأساويته. ورغم فظاعة الصور التي ينقلها الكتاب, ورغم الألم المصاحب لقراءة المشاهدات التي يسردها هؤلاء الذين نذروا أنفسهم للتخفيف من معاناة اولئك الذين كتب عليهم ان يعيشوا تلك الويلات ويكتووا بنارها الا ان في الاطلاع عليها دعوة للنفس كي لا تركن الى الدعة والغفلة والاطمئنان لرغد العيش وصفو الحياة, وكي تتخلص من الغرور والجبروت, ذلك ان كثيراً من الشعوب التي تطالعنا صور أطفالها ونسائها وعجائزها وشيبها وهم ينزحون عن ديارهم بحثاً عن الأمان وهربا من الجوع والموت الأعمى الذي لا يفرق بين محارب وكاره لرائحة الدم والبارود كانوا ينعمون يوماً ما بحياة هانئة مستقرة حتى تكشّف لهم أن دوام الحال من المحال, وان للزمن دورة لا يعلم احد متى يأتي اوانها حتى اذا ما قلب الدهر ظهر المجن علمنا انه قد اسلم قياده لغيرنا وادار لنا ظهره. هكذا هي الحياة مدٌّ لا نعرف متى ينكسر, وجزر لا نعرف متى ينحسر. ولذلك كانت قراءة هذه المجموعة من المشاهدات التي اختارت اللجنة (من قلب الظلام) لها عنوانا جرعة ضرورية تصحو بها النفس من غفوتها وترتفع منها صيحة لتحريك الضمير الانساني وايقاظه من سباته كي لا يختل ميزان الحياة, وتطغى نوازع الشر على كوامن الخير. وفي تاريخ البشرية شواهد وأدلة على أن كل المآسي التي تعرضت لها شعوب وأمم من مختلف الملل والأعراق في كل العصور إنما كان سببها انقطاع تلك الشعرة بين العقل والجنون وزوال ذلك الحاجز بين الاحساس بالقوة والغرور, وقبل ذلك وبعده تلك الرغبة المحمومة في الحكم والتسلط وبسط النفوذ حتى وان كان الطريق الى ذلك مفروشا بالجماجم, وجارية على جانبيه انهار من دماء الابرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل ذلك. هل حان الوقت للاستماع الى بعض تلك المآسي المنقولة (من قلب الظلام)؟ هاكم بعضها كما صورتها أقلام اولئك الذين لم يذهبوا الى هناك بحثا عن مجد ادبي فعادوا الينا حاملين صورا وحكايات تذكرنا بــ (بؤساء) فيكتور هوجو وكل البؤساء الذين اختزنتهم ذاكرة الادب العالمي وكتابه الخالدين. كتبت (باربارا جيري) في مشاهدتها: (كانت هناك فتاة صغيرة تبتسم لأخيها البكر, وطفل يمد نحو عمه مصاصة, ورجل عجوز يقبل ابنه عبر السلك المعدني. ــ أنا آسف, اجابني الحارس, عليك فقط الاكتفاء بكتابة المشهد, لا تصويره! ومن اجل ايصال كل مشاعر هذه اللحظة عبر الكتابة, وجدتني مضطرة للعودة بالذاكرة الى الوراء لأقص حكاية يوم قضيته في رحلة لزيارة احد السجون. بدأ هذا اليوم في الساعة الخامسة صباحا في زقاق صغير بالقدس الشرقية). وبعد ان تصف باربارا الرحلة والحواجز التي مروا بها حتى وصلوا الى السجن الاسرائيلي حيث رافقت مجموعة من العائلات الفلسطينية تزور ابناءها المعتقلين تقول: (ثم جاءت اللحظة التي انتظروها. وانفتح باب آخر على قاعة الزيارة. وانفجر نوع من الانفعال العصبي, كما لو ان الزائرين قد سبحوا تحت مياه باردة في القدس الشرقية ثم طفوا فجأة الى الهواء والضوء. كانت الأعين تلتمع, وطفق الجميع يتحدثون في الوقت نفسه في فرح صاخب. وخلال الدقائق العشر الاخيرة انفتح ممر اندفع الاطفال فيه ليعانقوا اخا او عما وابا. ولو قدّر لنا ان نخلّد هذا المشهد في صورة لرأينا خليطا مضطربا من كل ما تحمله الحياة من جوهر ومن وحشية في آن واحد). اما (سافيتا فارادي ــ نافكي) فقد كتبت في مشاهدتها: قد تكفي المحنة التي عاشتها جونتشا جول لتودي بأي شخص في مكان آخر من هذا العالم الى مستشفى الامراض العقلية, لكن هذه هي افغانستان, والأرملة الشابة تبتسم وهي جالسة على حافة سرير ابنها جولاب شاه البالغ من العمر اثني عشر عاما, والذي فقد رجليه في انفجار لغم بري بينما كان يجري وراء طائرة ورقية في (بقرام) على بعد 35 كيلومتراً من كابول. أيلعب الأطفال بطائرات ورقية في كابول بعد كل هذه السنين التي تعيد الى الذهن تحركات جنود مجهولين تحت قيادة جنرالات (موج)؟! تم بتر رجلي ابن جونتشا جول في مستشفى (كارتي سيه) في كابول الذي تعرض ايضاً لقصف مباشر بالصواريخ امام تغير خطوط المواجهة داخل كابول وما حولها, وها هو ممدد على بطنه فوق السرير وجذعا رجليه ملفوفان في ضمادات بعد البتر, يحملق في زرقة السماء من خلال نافذة بالقرب من سريره, ليس في عينيه اثر للدموع, ولا تنبس شفتاه بأي شكوى, فلا يبدو عليه سوى التعب والضجر, وأمامه على الجدار ملصق يمثل طفلا افغانيا على محيّاه ابتسامة, وقد كتب على الملصق: (ماذا تريد ان تكون عندما تكبر؟)! الجواب بالقطع هو: (اريد البقاء على قيد الحياة)!! فسرت جونتشا جول لنا معنى اسمها بلغة الداري فقالت وهي تضحك بصوت عال: (يعني غصناً من الورد! ها أنذا ارملة معي اربع بنات صغيرات وطفل معاق, فلابد انني ابدو بحق غصنا من الورود!). صورة اخرى ينقلها لنا هذه المرة (تيل مايز) من بقعة اخرى من ذلك العالم الذي كتب عليه الشقاء فيقول: * هل الطفل خائف؟ ــ كلا, لست خائفاً. يرد أحمد بلهجة حازمة. هو لا يخشى سمك القرش لأنه يوجد فقط في الساحل الاخر من شبه الجزيرة, كما انه لا يخشى الانسياق مع التيار مع قاربه ذي الحجم التافه والشبيه بقشرة الجوز, لكن الخوف في الصومال له مفهوم نسبي, والمقدام هو الذي يقدر على الحياة في أجواء الفوضى التي تسود هذا البلد الذي مزقته الحرب الأهلية. وهذا امر أدركه احمد منذ امد طويل رغم صغر سنه الذي لا يتجاوز العاشرة. لذا فهو يركب البحر مع أصدقائه كل يوم حينما تشرق الشمس على الأسلاك الشائكة وأكواخ الصفيح المموج الذي بنيت به مخيمات المشردين ليكوّنوا معا اسطول صيد صغيرا يطفو فوق سطح البحر على بعد اثني عشر كيلومترا من الشاطىء, وأصغر هؤلاء الصيادين الاطفال سنا يبلغ عمره سبع سنوات وأكبرهم ست عشرة سنة. بعد هذه السن يصبح الطفل ثقيلا وطويلا فلا تحمله القوارب. هل اوجعت قلوبكم الطيبة التي لا ينقصها الوجع؟ معذرة ــ ايها الأعزاء ــ ان كنت قد فعلت ذلك, فانما اردت ان ادق ابواب قلوب اعلم ان الوجع لا يعرف اليها طريقا, اذ لو كانت قد عرفت شيئاً من ذلك لاختفت من حياتنا هذه المناظر المؤلمة, ولما اضطر اولئك الطيبون الموجوعة قلوبهم لنقلها الينا (من قلب الظلام).