كان هيكل في مبنى (الأهرام) القديم عندما طلب سكرتير التحرير توفيق بحري ليذهبا معا لتفقد مبنى (الأهرام) الجديد, وبينما هما يعبران الشارع لركوب سيارة هيكل فوجئا بصوت طلقات رصاص, وسارعا بالاختباء, وعندما جاءت الشرطة للمعاينة ــ بناء على بلاغ تقدم به الدكتور جمال العطيفي ــ كان من السهل التأكد ان هيكل هو المقصود, فآثار طلقات الرصاص كانت واضحة على سيارته. وفيما بعد, أمام محكمة جنايات القاهرة سئل هيكل: هل حقيقة انه تم اطلاق النار عليك في وقت من الأوقات؟ وأجاب هيكل: نعم. وسئل أيضا: ومن الذي أطلق عليك النار؟.. فقال: جهة أمنية. كانت المحكمة تنظر قضية ضد صلاح نصر وتحاكمه بتهمة التعذيب, وكانت المحاكمة بناء على بلاغ إلى النائب العام تقدم به مصطفى أمين متهما مدير المخابرات العامة الأسبق بتعذيبه, وقد استدعى هيكل شاهدا, وفجر المحامي شوكت التوني مفاجأة اطلاق النار على هيكل, وفيما بعد سألت هيكل عن هذه الواقعة, فقال: نعم الواقعة صحيحة, وكان الهدف من اطلاق النار علي هو (إحداث فرقعة) أو (عمل حاجة ترن) أو ربما كان الهدف تخويفي بعد ما كتبته نقدا في المخابرات, واشارة إلى (زوار الفجر). كان ذلك بعد أحداث 9 و10 يونيو التي أعادت جمال عبدالناصر إلى السلطة, وبعد أن بدأ هيكل يكتب عن الجبهة الداخلية والتغيير والمجتمع المفتوح ودولة المؤسسات ومراكز القوى وكيفية القضاء عليها. لقد شعر المجتمع المصري ان الهزيمة لم تكن هزيمة عسكرية فقط وإنما كانت هزيمة سياسية وحضارية أيضا, وأظهرت في ذلك الوقت ــ إلى جانب سخرية النكات وجلد الذات ـ دعوات لوضع الصراع العربي الاسرائيلي في حجم يتجاوز الصراع العسكري المسلح إلى حجم أكبر, هو حجم الصراع الحضاري الدائم, وإذا كان أحمد بهاء الدين هو صاحب فكرة (الصراع الحضاري مع العدو) فإن هيكل كان صاحب فكرة (التعمير الحضاري) وقد نشطت الفكرة بعد عام 1968 وتكون لها مجموعة خاصة من المفكرين والباحثين وكان على رأسهم الدكتور محمود فوزي, وكان الدكتور عبدالملك عودة هو المقرر, وقد كان هيكل يحلم بأن تصل الفكرة إلى الذروة في الاحتفال الذي كان يحلم به بمناسبة مرور 100 عام على (الأهرام) في 27 ديسمبر ,1975 ولكن السادات لم يتح له تحقيق حلمه فقد خرج من (الأهرام) قبل ذلك بأكثر من عام. لقد راح هيكل يتحدث عن دور الجبهة الداخلية في حل الأزمة التي خلفتها هزيمة يونيو.. وفي مقال يحمل عنوان (الجبهة الداخلية) نشره على أسبوعين ابتداء من 10 نوفمبر 1967 قال: (انه لا جبهة قتال قوية.. بدون جبهة داخلية أقوى). وأضاف: (ان القوة العسكرية لا قيمة لها إلا ان تكون مظهرا وتعبيرا عن قوة اجتماعية شاملة اقتصادية وسياسية وروحية وثقافية ومعنوية, ومن هنا فإن الجبهة الداخلية هي الأصل والقوة العسكرية شكل من أشكالها الخارجية, ان الجيش هو قشرة صلبة يفرزها المجتمع الذي يبنيه لكي يحمي بها نفسه من التقلبات المحيطة به, والقشرة لا قيمة لها بغير ما يصلها خلال الأنسجة والخلايا الحية للجسم, وهي به تعود إلى الالتئام إذا انشرخت, بل وتجدد نفسها إذا تحطمت). لقد كانت المعركة في سيناء ـ على حد شرحه ـ بداية, أما النهاية فكان القصد أن تكون في القاهرة (كان مقصودا بالصدمة العسكرية أن تؤدي إلى تفكك الجبهة الداخلية وسقوطها وساعتها كان يمكن للعمل الاسرائيلي المعزز بقوى الاستعمار أن يقول انه حرث وحصد, لكن سلامة وصلابة الجبهة الداخلية المصرية حققت معجزة يومي 9 و10 يونيو وجعلت كل ما حدث في سيناء حرثا بغير حصاد. إن سلامة وصلابة الجبهة الداخلية سدت الفجوة التي خلفتها الهزيمة العسكرية وأتاحت الفرصة اللازمة لجسم المجتمع المصري كي يبني مرة أخرى ـ وبسرعة خارقة للعادة ـ قشرة صلبة تحميه من التقلبات) لكن يستطرد: (ولكي نكون أمناء مع أنفسنا فإن الجبهة الداخلية تحركت وأظهرت سلامتها وصلابتها يومي 9 و10 يونيو مجموعة عوامل من بينها غريزة البقاء, لكنه من الخطأ والخطر أن تترك غريزة البقاء وحدها تحكم الجبهة الداخلية وتوجه سيرها) غريزة البقاء يجب أن تتحول إلى إرادة بقاء, ثم إلى إرادة انتصار, ووسيلة ذلك هي (العمل السياسي قبل أي شيء آخر وبعده) على ان حجم العمل السياسي وفاعليته ـ كما يقول هيكل ـ (لم يكن بالقدر الكافي). و(قد حان الوقت لمحاولة أكثر عمقا وأبعد مدى بزيادة حجم وفاعلية العمل السياسي). مراكز القوى لا يتردد هيكل في أن يقول: ان ذلك لا يمكن أن يحدث إلا (بعمل ديمقراطي شعبي) ولم ير في (ظروف الأزمة) حاجزا أمام الديمقراطية, بل رأى انها (حافز للمزيد منها) لكنه أضاف شرط (أن نحسن فهمها) وهو يعرف الديمقراطية بأنها (شعور الشعب انه يملك الحقيقة).. فملكية الحقيقة هي (المعيار الأصيل للديمقراطية السليمة) وبهذا التعريف ليس ضروريا للديمقراطية السليمة ـ على حد قوله ـ وجود معارضة (فهدف المعارضة هو ان تظهر الحقيقة أمام الشعب ليملكها ويقرر بملكيتها ما يشاء) لكن كيف يمكن أن تظهر الحقيقة أمام الشعب بدون معارضة؟ يقول: (ان الحوار الهادئ يستطيع أن يحقق صيغة معقولة للديمقراطية, بل ان التأمل المتأني مع وضوح كاف يستطيع أن يؤدي النتيجة نفسها) (ان المادة الخام للتوعية الديمقراطية آراء ومعلومات تحمل من الصدق أكبر شحنة متاحة أو ممكنة وتزدهر بالمناقشة ولا تذبل بعدها, والشعارات المصكوكة مهما كان رنينها أصبحت الآن كالصناديق المقفلة تاهت مفاتيحها ولا يعرف أحد حقيقة ما تحتويه وهي تنقل وتلقى هنا وهناك دون أن يعني ذلك كشفا حقيقا أو رؤية واضحة). وفي هذا المقال يذكر هيكل انه كان أول من كتب ناقدا جهاز المخابرات, وتحدث عن انحرافاته (حين كان جهازها في عنفوان قوته وسطوته, وأعاد ما سبق أن قاله قبل أن تبدأ التحقيقات مع صلاح نصر ورجاله (لقد قلت بالحرف الواحد: ان أجهزة المخابرات إذا تركت بغير رقابة كافية فإنها تكتسب طبيعة سرطانية مدمرة) ويذكر هيكل في المقال أيضا انه كان أول من استخدم تعبير (مراكز القوى) وأول من حذر من خطورتها وأخطارها.. لكنه أضاف متسائلا: (هل يمكن أن نعود مرة أخرى إلى أوضاع مراكز القوى.. والأجهزة المتحكمة؟) وبصراحة يرد: (نعم, يمكن).. ويشرح: (ان صميم المسألة هو وجود المناخ الذي يسمح بهذا التجاوز والخروج.. المناخ هو الذي يسمح.. بل هو الذي يغري.. حيث توجد سلطة فردية لأي شخص مهما كان دوره.. ينشأ على الفور مركز قوة.. وحيث توجد أجهزة لا رقابة عليها فإنها تتحول على الفور من الخدمة العامة إلى السيطرة والتحكم.. وإذا ما تحدثنا مثلا عن (مراكز القوة) فلقد نستطيع القول بأن الظروف الأولى للثورة أتاحت الفرصة لظهور هذا الوضع لكن استمراره بعد ذلك أصبح عقبة ضد الثورة لعدة أسباب: (1) ان ذلك يحول الولاء من المبادئ إلى ولاء للأشخاص. (2) ان ذلك يساعد على الانحرافات نتيجة لمحاولات الأشخاص أن يستبقوا الولاء لأنفسهم أو أن يستزيدوا منه. (3) ان ذلك يؤدي إلى تقسيم السلطة في الدولة فينشأ نوع من الاقطاع ـ التصرف المطلق ـ وهو لا يختلف كثيرا عن الاقطاع التقليدي وان كان يكتسي ثوبا حديثا. (4) ان ذلك من أول العوامل التي يمكن أن تساعد البيروقراطية ـ أي التحكم الإداري ـ والسبب في ذلك ان مراكز اصدار أي قرار تصبح محددة وضيقة في حين ان مهام الدولة الجديدة تتطلب تعدد واتساع مراكز اصدار القرار. (5) إن ذلك يمكن أن يؤدي إلى صراعات على السلطة. وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى (الأجهزة المتحكمة) وأجهزة المخابرات بالطبع أولها فإننا نستطيع القول بان مثل هذه الأجهزة ضرورية لأمن الدولة الحديثة, ولكن في الوقت نفسه وحتى لا تتجاوز هذه الأجهزة حدودها يجب: (1) تحديد مهمتها تحديدا قاطعا فاصلا. (2) وضعها تحت رقابة من نوع معقول, يضع في اعتباره دورها وأهميتها, وبالتالي يحصر اهتمامه في متابعة خط عملها ولا يقحم نفسه على تفاصيل عملياتها. وفي النتيجة مما يمكن استخلاصه من ظروف قبل النكسة فإن هذين العائقين على وجه التحديد ـ وضع مراكز القوى ووضع الأجهزة المتحكمة ـ وقفا عائقا أمام حرية التعبير والتفكير. الشباب الغاضب وقد طرح هيكل ضمن ما طرح في تلك الأيام ضرورة إحداث انقلاب حاد في التنظيم السياسي, لتجديد دمائه, ولسريان الحيوية في مفاصله, ولكن يبدو ان خلافاته القديمة والمزمنة مع قيادات الاتحاد الاشتراكي رأت فيما كتبه تعريضا بها, وتقليلا من شأنها ودورها, وتهديدا لوجودها واستمرارها, فكان ان راحت تتحين الفرصة للانقضاض عليه, لرد الهدية بأحسن منها, وقد جاءتها الفرصة على طبق من فضة في مظاهرات الغضب التي اجتاحت الشباب في مصر, في فبراير ونوفمبر عام ,1968 لقد أطلقت المخابرات عليه الرصاص لارهابه, أما قيادات التنظيم السياسي فقد أطلقت عليه الهتافات في المظاهرات التي راحت تلقي الطوب والحجارة على مبنى (الأهرام) وتصرخ في وجهه بعبارات خلت من اللياقة أحيانا, وقد عرف هيكل فيما بعد ان هذه المظاهرات تحركت بأمر من قيادة التنظيم في القاهرة, ولان التنظيم السياسي كان محكوما بسطوة الأمن الداخلي في المباحث العامة (مباحث أمن الدولة فيما بعد) فإن المظاهرات انقلبت إلى منشورات, كتبت ضده في مكاتب الأمن السياسي, وبدأت نوعا من الحرب الخفية للتخلص منه, ولم يشفع له في هذه الحرب علاقته بجمال عبدالناصر, قال له: لقد اخترت... تحمل! لقد تفجرت المظاهرات في أعقاب الأحكام التي بدت هزيلة في قضية قادة الهزيمة وعلى رأسهم الفريق صدقي محمود قائد سلاح الطيران, وقد حاول هيكل قدر استطاعته أن يفتح حوارا مع المتظاهرين, ويرد على الشعارات بالكلمات, وكان رأيه (ان المظاهرات مهما كان فيها ـ بعض الأحيان ـ من جموح تعتبر في الواقع ظاهرة صحية وهي في أبسط صورها تعبير عن اهتمام بالمصير لابد من تقدير دوافعه وحتى لو ثبت انه كانت هناك محاولات لاستغلالها فإنه من الضروري أن نفرق بين النوايا) كلمات غير قاطعة, فيها محاولة بارعة لتجنب اثارة غضب طرف من الطرفين المتناقضين في ذلك الوقت, الشباب الغاضب, والدولة التي لا تزال تلملم جراحها, وبالاسلوب نفسه القريب من أسلوب سائق سيارة سباق مسرعة فرضت عليه الظروف أن يدخل في حواري ومنحنيات يستطرد هيكل: (ان لمسات الجموح البين في هذه المظاهرات تعكس بالدرجة الأولى شعورا عاما يهز المجتمعات العربية كلها بالقلق وهو شعور يتخلخل في أسس (اليقين) الذي يسد كل تصوراتنا العامة قبل النكسة, وسواء كانت هذه التصورات السابقة صحيحة أو كانت مخولة بشيء من التوهم فلقد كنا قبل النكسة نقف على أرض (يقين) معين فيما يتعلق باحتمالات المواجهة مع العدو الاستعماري الاسرائيلي, لكن النكسة هزت هذه الأرضية وحدث بالنتيجة تخلخل في (اليقين) وفي وسط المراجعة والبحث عن يقين جديد تجري على أرضيته المواجهة المقبلة مع العدو, فإن القلق واقع لا يمكن انكاره). واعترف ــ وقد كنت واحدا من جموع الشباب الغاضب التي فجرت وشاركت في المظاهرات ـ اننا لم نكن نقتنع كثيرا بما قاله هيكل, كان نوعا من المناورة العقلية لم تكن تقبله عقولنا التي كانت في حاجة إلى يقين واضح, وعلامات طريق لا تحدث التباسا في الاختيار.. وفي حالة فقدان الثقة التي أصابتنا وشملت كل شيء ـ بما في ذلك شخصية جمال عبدالناصر ـ لم يعجبنا التفسير النفسي لأزمة الشباب الذي تبناه هيكل, أعجبنا أكثر قصائد الجلد التي كتبها نزار قباني وأحمد فؤاد نجم. وقال هيكل لجماعة من الشباب وجدت طريقها إليه في مبنى (الأهرام) ان الشباب على حق في أسلوب تعامل أبعد إدراكا وعمقا, وهو بحاجة إلى حقائق أوضح في أيديهم, بأكثر من حاجتهم إلى شعارات أعلى, لها في آذانهم مثل فرقعة السياط, وقد قال هيكل ذلك لكي يمهد به إلى نتيجتين (النتيجة الأولى: انني برغم أي شيء لست متحمسا لأسلوب التعبير بالمظاهرات خارج الجامعات, والنتيجة الثانية: انني برغم أي شيء لست متحمسا لاعادة المحاكمة بالنسبة للقادة السابقين للسلاح الجوي) ثم راح يشرح أسباب اقتناعه بهاتين النتيجتين. لم يكن متحمسا لأسلوب التعبير بالمظاهرات خارج الجامعات لأكثر من سبب: (1) انه في حرم الجامعة يمكن للطلبة أن يناقشوا كل شيء وأن يبدوا أي رأي ولكن الخروج إلى الشاعر فلا يعطيهم (الحصانة المطلوبة) لاننا فيه لا نكون في رحاب الجامعة, ولاننا فيه لن نكون وحدنا, ولا نضمن أن تسير الأمور على النحو الذي نريده ونرضاه). (2) ان المظاهرات قد تعطي انطباعا خاطئا عن سلامة الجبهة الداخلية. (3) ان الشهور السابقة منذ معارك يونيو وإلى اليوم شهدت ايجابيات ضخمة تحققت بما لا يدع مجالا للشك, وكان تحقيقها بواسطة أكثر الجهود مشقة وضنى. ولم يكن متحمسا لاعادة المحاكمة بالنسبة للقادة السابقين للسلاح الجوي لأكثر من سبب: (1) إذا كنا جادين في تحرير أرضنا المحتلة فيجب أن ندرك ان ذلك مرهون بقدرة قواتنا المسلحة وأي نتيجة سياسية أو عسكرية نصل إليها لحل الأزمة هي محصلة صحيحة لقدرة قواتنا المسلحة. (2) ان القيادة العسكرية التي سوف تتحمل مسئولية المواجهة مع العدو يجب أن تعمل في ظل تقاليد محفوظة ومصانة.. ولم يحدث ان حوكم قائد عسكري لانه دخل معركة ثم خسرها.. قصارى ما يمكن أن يلحق بأي قائد عسكري مهزوم ـ الا إذا ثبتت عليه تهمة التواطؤ والخيانة مع العدو ـ هو ان يعزل من الخدمة وأن يفقد سمعته العسكرية, ليست هناك سابقة لمحاكمة قائد عسكري خسر معركة أمام العدو حتى وان كانت هزيمة رخيصة, وحتى إذا كان العدو قد فاجأه برغم تحذيرات واضحة لديه, إن أي قائد عسكري له في ممارسة عمله تقدير وموقف.. وقد يكون هذا التقدير سليما فيقود إلى النصر, وقد يكون خاطئا فيؤدي إلى الهزيمة, ولكن المسألة في الحالتين تقدير وحساب وعوامل وترجيح رأي على رأي وهي كلها أمور اعتبارية لا يمكن ان يكون لها مقياس, ولقد اخذ الجنرال موردخاي هود قائد الطيران الاسرائيلي مخاطرة كان يمكن أن تؤدي به إلى كارثة اذ انه أرسل كل طائراته في موجة الهجوم الأولى ضد مصر ولم يستبق في اسرائيل غير ثماني طائرات, ولو كان هناك تنسيق كاف وفعال على بقية الجبهات العربية الأخرى لاستغلت فترة الضربة الاولى ضد مصر ـ وقد استغرقت ساعة ونصفا على الاقل ذهابا وايابا ــ في مجرد ضرب ممرات الطائرات الاسرائيلية ولو أن ذلك حدث لتعذرت على طائرات العدو فرصة الهبوط مرة أخرى الى مطاراتها ولكانت النتيجة كارثة محققة بالنسبة لضربة اسرائيل الاولى. (أي أن قائد الطيران المصري تصرف على اساس تقديره بان قائد الطيران الاسرائيلي لا يمكن ان يقدم على مثل هذه المخاطرة, ومن ثم فإن التهمة التي كانت موجهة الى الفريق صدقي سليمان لم تكن مسئوليته عن ما حدث في صباح 5 يوينو فقط, ما حدث في5 يونيو فقط كان وفق التقاليد العسكرية يستوجب عزله مهما كان من نتائج خيبته في التقدير, لكن الجانب الأهم وهو الذي استوجب المحاكمة وعليه جاءت عقوبة السجن لمدة 15 سنة كان إهماله في اعداد القوات الجوية اعدادا أكثر كفاءة مما كان لها عندما بدأت المعركة). على أطراف الاصابع في نوفمبر من العام نفسه تجددت المظاهرات في الجامعات, بدأت في المنصورة وتصاعدت في الاسكندرية, وكأن الاقاليم البعيدة عن القاهرة أرادت القول انها هي أيضا من حقها الغضب, أو ارادت القول ان الغضب ليس حكرا على القاهرة التي تستحوذ على كل شيء, إن بركان الغضب في صدر الجيل الجديد كان يبحث عن مبرر أو سبب مهما كان لكي ينفجر, ويلقي بما في صدره من حمم وشياط, وكالعادة في مثل هذه الظروف ــ التي يحول فيها الشباب الكبت إلى انفجار ــ بدأ الكلام السابق واللاحق عن (ازمة الشباب) و(مشكلة الشباب) وهكذا.. كتب هيكل في 29 نوفمبر 1968 عن (قضية الشباب). ويدخل هيكل على اطراف اصابعه الى (القضية) والسبب كما يقول: انه يعرف مقدما ان الحديث عن قضية الشباب ــ خصوصا في هذه الظروف ــ ديناميت (ذلك أن بعض الحق في الموضوع قد لا يعجب الذين يرون في شباب اليوم نفعا ولا أملا كما أن بعضه الآخر قد لا يعجب الشباب, بطل القضية, ومهما يكن فإن أوضاع الأمة العربية الآن تفرض على كل من فيها التعامل مع الديناميت يوميا أينما كانت مواقعهم وإذن فما تحرجي اليوم منه أو خشيتي إزاءه؟). ثم يقول: (وفي البداية أحدد خطين يجري عليهما هذا الحديث كما يجري القطار الحديدي على شريطه المتوازي ــ حتى تكون هناك نقطة قيام ونقطة وصول لا يحدث بينهما عطل أو خروج: الخط الأول: إن حركة الشباب حركة عالمية وهي حركة إلى الامام بطبيعة التطور ذاته ومن الخطأ أن نقع في الخلط بين حركة الشباب العالمية وبين ما قد نلحظه من مظاهر الانحراف التي تنسب تجاوزا إلى حركة الشباب كما هو الحال بالنسبة لجماعة الهيبز المشهورة في أمريكا مثلا وهي ظاهرة الشباب الشارد الطويل الشعر والذقون والاظافر يتعاطى المخدرات ويمارس الجنس بغير ضوابط تحت شعار دع الحرب وتفرغ للحب إلى غير ذلك مما يفعل ويقول: إن حركة الشباب العالمية شيء ومثل هذه المظاهرة أو الظواهر التي انفلت عيارها شيء آخر بل لعل تدقيق النظر في هذه الظواهر برغم ما فيها من شذوذ يكشف أنه حتى هذه الظواهر إنما هي انعكاس لقلق ضل طريقه الى المثل العليا وتخبط وسقط بينما هو يحاول ان يتحرر وينعتق من الأغلال القديمة. (والخط الثاني: إن حركة الشباب المصري هي جزء من الحركة العالمية للشباب وامتدادا لها مع اضافة الاوضاع المحلية ومناخها العام وخصائصها الى التأثير العالمي, وهنا أيضا فإنه من الخطأ أن نقع في الخلط ما بين حركة الشباب المصري وما بين الإنزلاقة غير المفهومة لبعض تلاميذ المنصورة أو التشنج العصبي الذي رأت الإسكندرية يوم الاثنين الماضي لمحة منه إن سوء التعبير مرة أو مرتين لا ينبغي له أن يؤثر على حق التعبير اساسا كما أن جموح قلة ليس له أن يغطي على موقف الكثرة الغالبة التي تتمثل فيها حركة الشباب. (وأنا أعلم أن بيننا من تغضبه ــ وأحيانا تفزعه ــ اللغة التي يتكلم بها شباب اليوم وأقول بغير تحفظ : إنني أختلف مع الذين يتركون انفسهم للغضب أو للفزع.. ذلك أننا يجب ان نسلم بأن الجيل المعاصر من الشباب يعبر عن نفسه بلغة تختلف كثيراً عما ألفناه وذلك لظروف موضوعية كثيرة.. وإذا أردنا ان نحتفظ بقدرتنا على الحوار مع هذا الجيل ــ وتلك ضرورة حيوية ــ فإنه يجب علينا أن نحذر التحدث اليه ــ أو عنه ـ بأسلوب التعالي الأبوي من منطق أننا نعرف أكثر مما يعرف فذلك ليس صحيحا تماما.. والتمسك به سوف يؤدي حتما الى انقطاع الحوار بين الاجيال وسوف يقود اكيدا الى التصادم بينها. (واعترف انني ــ برغم ضيق الكثيرين ممن أحب ــ أقضي ساعات بعد ساعات في محاورات متصلة مع كثيرين من الشباب يزورونني وفي عيونهم ومضات التحدي وعلى ألسنتهم ما قد يستفز.. بعضهم يناقش ما أكتب في مجلات الحائط التي تصدر في عدد من كليات الجامعات.. وبعضهم يقول في ريبة وشك: أنتم تحاولون احتواء غضب الشباب وإهداره.. وبعضهم يرى أن العصر شاخ بنا وأن الفكر شاخ أيضا لدرجة تعجزه عن التطور.. ومع ذلك فإنني بأمانة لا أضيق ذرعا بما اسمع حتى إذا اختلفت معه وإنما احاول قدر ما أستطيع أن افهم اكثر مؤمنا انني امام ظاهرة تختلف عما تعودت بقيم جيل سبق كما أنني لا اعتبر ذلك ضعفا أو استرضاء بقدر ما اعتبره ضرورة ملحة لي إذا كنت مصمما على أن أظل ممسكا بالقلم أتابع به مجرى الحوادث. وينتقل هيكل إلى الحديث تفصيلا عن الخط الاول من قضية الشباب وهو كونها حركة عالمية. وفي هذا الحديث فإنه يطرح: (1) ان هناك فجوة حقيقية ليست موضعاً للشك لجيل الشباب المعاصر وهي أن الفجوة بينه وبين الجيل الذي سبقه فجوة واسعة.. ان التغيير في الجيل السابق كان تجريداً تاريخيا وأما في هذا الجيل فهو حقيقة كل ساعة أو كل دقيقة.. في الجيل السابق كانت الطائرة هي أقصى مدى وفي الجيل الحالي فان الصاروخ هو بداية المدى. في الجيل السابق كانت منطقة الثلوج القطبية مطمح المستكشفين.. وفي الجيل الحالي فإن القمر الآن هو محطة امام الرواد في قفزة الاستكشافات المنتظرة.. في الجيل السابق كان الابطال والرموز مثل ونستون تشرشل زعيم بريطانيا في الحرب العالمية الثانية وبرناردو شو الكاتب الايرلندي الساخر.. وفي الجيل الحالي فإن الرموز والأبطال إلى جاجارين رائد الفضاء السوفييتي. والدكتور كريستيان برنارد رائد عمليات زراعة القلب. (2) إن مصادر التعبير والتفكير للجيل الجديد تختلف الآن عن مصادر التعبير والتفكير للجيل الذي سبقه.. كانت ثقافة الجيل السابق أداتها الكلمة المطبوعة والصورة (الفوتوغرافية) الثابتة والكلمة المطبوعة مستقرة على أوراق كتاب أو صحيفة, والصورة الثابتة محدودة داخل إطار مستقر.. والآن اختلفت المسألة بثورة المواصلات, وموجات الأثير كلها تعج بالكلمات والاخبار والاحداث.. والصورة على التلفزيون ليست ثابتة وليست محددة داخل اطار مستقر.. كل شيء يندفع مع بعضه في نفس الدقيقة والثانية. (3) إن ثورة العصر أحدثت نوعا من الاهتزاز فيما يمكن أن نسميه (الرواسي الرواسخ) التي كان النظام الاجتماعي يستقر عليها مستريحا ومطمئناً, سلطة الدين اصبحت في الغرب في حاجة الى اجتهادات جديدة, وسلطة الدولة في حاجة إلى أدلة من جانبها لتثبت انها قادرة على تحقيق العدل والرخاء والأمن والسلام.. وسلطة الاسرة فقدت هي الأخرى تفسيرا مقنعاً لفشلها في تعويض انهيار وسقوط باقي السلطات. (4) واخيرا تجيء مسألة العنف, لقد كانت هناك أجيال من الشباب سبقت يمكن وصفها بأوصاف متعددة مثل جيل الشباب العاطفي, وجيل الشباب الشاعري, وحتى جيل الشباب المعاصر, ولكن هذا الجيل لن يجد وصفا أدق من وصف جيل الشباب العنيف, ولهذا العنف اسباب من ظروف العصر ذاتها, العنف في الحروب, العنف على شاشات التلفزيون, العنف في العلاقات الخاصة, وصاحب هذا العنف فشل في الاجابة السهلة والجاهزة على كل ما يصادف الشباب من اسئلة ملحة وضاغطة, في الجيل السابق كان الدين يجيب, وكانت الديمقراطية تجيب لكن في الجيل الحالي ليس هناك ما يجيب سوى العنف والدم والغضب والتحطيم. التناقضات في الاسبوع التالي واصل هيكل مناقشته لقضية الشباب في تلك الايام, ايام ما بعد الهزيمة, ولكن ما بين المقالين كان هناك سبعة أيام من الاختلاف معه فيما قاله, وقد كنت واحدا من اولئك الذين اختلفوا معه, وكنت أنا والجيل الذي كان لايزال يدرس في الجامعة نعتقد انه ليست هناك صلة بين قضية الشباب العالمي وبين المظاهرات التي اشعلناها في الجامعة, وكنا نعتقد أن ما أورده هيكل عن ذلك (ليس إلا نوعا من التبرير أو على الأقل محاولة التبرير). وقد رد هيكل على هذا الاتهام في مقاله المنشور في 6 ديسمبر 1968 بعنوان (الشباب بين النيران والثلوج) وقال ان التبرير أو محاولته لم يكن قصده, ولا كان موضوعه (لكنني مقتنع بوجود تأثيرات مشتركة بين قضية الشباب في العالم وقضية الشباب في بلدنا (إن لدي سؤالاً بسيطاً اوجهه الى الذين يرون انقطاع الصلة بين القضيتين هو: هل شبابنا يعيش في عالمه وفي عصره أو هو في عزلة عنهما؟ اذا كان يعيش في عالمه وفي عصره فهو متأثر بما يتأثر به غيره, وهذا طبيعي وإذا كان لا يتأثر فهو إذن في عزلة عن عالمه وعصره, وهذا غير طبيعي.. ولو صح لكانت تلك المشكلة اخطر). وفي الحقيقة فإن جيلنا في ذلك الوقت لم يكن يعيش عالمه وعصره, أو بالدقة لم تكن القيود والحواجز الإعلامية والأمنية لتسمح له أن يعيش عصره وعالمه, أو يتصل عن بعد بهما, ولو ان ذلك كان قد حدث فإن صدمات ومفاجآت الهزيمة كانت اقوى وأخطر واشد من اي تأثير خارجي, لقد قيل ان جيلنا (كان على موعد مع القدر) فإذا به على موعد مع (الكارثة) قيل له إنه يبني فإذا به يقاتل, قيل له اننا نتمتع بأكبر قوة ضاربة فإذا بنا نفاجأ بأنها أكبر قوة مضروبة. ان انهيار الأحلام والرموز المفاجىء والمباغت كان السبب الأول والاخير فيما جرى في الجامعات المصرية من غضب في ربيع وخريف 1968. وقد كان تقديرنا ان هيكل يحاول ان يشغلنا فيما كتب عن اسباب الغضب الكامنة في النفوس ولم يعجبنا ان يستعمل هيكل تعبير (الشغب) وهو يتكلم عن المظاهرات.. وقبل ذلك كله كنا نؤمن بأنه كان شريكا فيما حدث.. وقد حاول هيكل في مقاله الثاني ان يعيد التوازن الى ما قال من قبل, فكان ان دخل مباشرة فيما يعانيه الشباب المصري من تناقضات حادة على وجه التخصيص, وراح يشير الى بعضها: (1) التناقض بين المثل الأعلى في خيال الشباب وبين بعض أسباب القصور مما تكشفت خباياه بعد النكسة, ولقد كانت اسباب القصور هذه محسوسة من قبل النكسة لكن تمزق الغطاء من فوقها بعد النكسة أحدث انفجاراً حاولت كل قوى الشعب كتمانه مراعاة للظروف لكن فرقعته سمعت بعد شهور في محيط الشباب لانه اقرب قوى الشعب الى المثل الاعلى وكانت الصدمة بالنسبة له اقوى من دوافع الكتمان (وأضيف للتذكير ــ وليس للتبرير ــ أن ما تكشف لدينا بعد النكسة يحدث وأكثر منه عشرات المرات ومئاتها في البلاد القريبة منا والبعيدة عنا.. لكنه هناك يظل مكتوما واذا تكشفت فإنه لا يتكشف بنفس القوة المتفجرة التي تكشف بها في بلادنا ذلك لأنه كان شديد التناقض مع الفكر الثوري لشعبنا.. كما ان الثورة بعد النكسة كانت في واقع الامر قد دخلت في مرحلة ثورة على نفسه. (2) التناقض بين الحماسة الزائدة وقت المعركة وبين النكسة الزائدة بعده, ولقد كان هناك فارق أيام قليلة بين السماء التي حلقنا فيها وبين الارض التي سقطنا فوقها وسرعة الهبوط تصيب بالدوران بل وبنوع من انعدام الوزن. (3) التناقض بين اسلوب التعبئة قبل المعركة واسلوب تفريغ هذه التعبئة بعد المعركة, قبل المعركة كانت الحماسة تلقى في المشاعر كتلا, كتلا, حتى ازدحمت هذه المشاعر بما فيها وكادت تتفجر به, ثم فجأة وقعت الواقعة, الكتل كلها في المشاعر لكنها في صدام مخيف مع الواقع المر, وكان مفروضا ان تكون هناك خطة علمية لتفريغ التعبئة ولتحويل طاقتها إلى مجرى مختلف يذيب الكتل ويسحبها ليوجهها نحو معركة جديدة, لكن الذين صنعوا التعبئة اختفوا وتركوا لكل إنسان ان يتصرف بما عبأوه فيه على مسئوليته وكما يشاء. (4) التناقض بين استمرار الحرب وعدم استمرار القتال, وهو تناقض اشار اليه جمال عبدالناصر في خطابه الافتتاحي لدورة المؤتمر القومي الطارئة وهو في الحقيقة اخطر تناقضات المرحلة .. ذلك لانه يتصل بعوامل لا يمكن ضبط توقيتها ويزيد من خطره في هذه المرحلة أن عملية ضبط ايقاع الحياة كلها لم تستطع بعد أن تنسجم مع الظروف.. ينظر البعض الى بعض النواحي فيقول انها الحرب, وينظر الى بعض النواحي الأخرى ويقول: هو السلام, ثم يقف حائرا بين الاثنين. (5) واخيرا تناقض آخر تثيره حوادث كل يوم على خط النار, ان الشباب ــ فيما أشعر ــ سئم وصفنا لهذه الحوادث على أنها (عدوان) من العدو, عدوان العدو يتكرر كل يوم, مرة على الجبهة الاردنية, مرة على الجبهة المصرية, مرة على الجسور التي تربط عمان بالعقبة, ومرة على محطة المحولات التي تصل كهرباء أسوان بالقاهرة لماذا يبدو العدو وكأنه يملك قدرة العدوان وحده, نحن لماذا لا نقوم بالعدوان؟ عدواننا على الاقل مشروع لانه دفاع عن النفس وعن الارض وعن الشرف, وممن نخشى؟ من الأمم المتحدة؟ من الرأي العام العالمي؟ من الولايات المتحدة؟ ليذهب هؤلاء جميعا الى حيث يحلو لهم حتى ولو الى جهنم اما نحن ـ ـ هكذا فيما اشعر يقول الشباب ـ فلنبدأ مرة, ولنبدأ كل مرة, ولنكن المعتدين, تكاد بعض تصرفات الشباب تبدو وكأنها تقلصات العجز, شباب يريد ولكنه لا يجد سبيلا الى ما يريد, ولم يعد يحتمل المرارة في حلقه لكنه يتجرعها برغم ارادته كل يوم, يبدو الشباب في هذه الحالة وكأنه يقول: اذا لم استطع ان انتقم من عدوي لعدوانه فأنا أنتقم من نفسي لعجزي, ويتحمس ــ فيما اشعر ـ وتتغير معنوياته كلها لأي ضربة تقوم بها قواتنا المسلحة. ويتحمس الشباب ايضا لاي عملية تقوم بها قوات المقاومة الفلسطينية.. لكن الشباب بطبيعته مندفع وساخن وهذا احلى ما فيه, وحتى الآن فإننا لم نستطع ان نجد المنطق الصحيح الذي نشرح به للشباب ضرورات الحقيقة أو حقيقة الضرورات بحيث يستطيع قياس التحركات ووزنها ثم يبقى في نفس الوقت محتفظا باحلى ما فيه مبرأ من (حكمة الشيوخ) وأغلالها وأثقالها, وبالاختصار في أمر هذه المتناقضات كلها فإن شبابنا يبدو في هذه المرحلة وكأنه يواجه نقلات سريعة خاطفة بين الساخن والبارد, بين النيران والثلوج, وليس من شك ان بعض هذا تفرضه الملابسات وتتحكم به.. ذلك انه ليس هناك طريق واحد للخلاص من الكابوس الذي يجثم على قلوبنا منذ حلت النكسة, هناك عمل سياسي ــ لابد من تجربته ــوهذا العمل له احكام .. وهناك عمل عسكري ــ قد لا نجد غيره في نهاية المطاف ـ وهذا العمل ايضا له أحكام, لكنه لابد لنا ان نسلم ـ مهما كانت الملابسات والاحكام أن الحياة بين الساخن والبارد, بين النيران والثلوج منهكة للقوى ومرهقة للأعصاب. ورغم ان هيكل انهى مقاله بأن مشكلة الشباب ليست من اختصاص السلطة وانما من صميم عمل السياسة فإن ما جرى بعد مظاهرات نوفمبر 1968 هو ان مشكلة الشباب اصبحت من صميم عمل اجهزة الامن, فقد خرجت منظمة الشباب ــ ميدان الممارسة السياسية الوحيد للشباب رغم كل ما قيل عنها ــ من الجامعات, وترك الشباب لأنشطة الاتحادات الطلابية, وهي انشطة تركز جهدها على الرياضة والرحلات واستضافة نجوم الفن والكتابة, ثم كان ان سيطرت التقارير السرية على انتخابات هذه الاتحادات, وهكذا لم يبق من دعوة هيكل سوى كلمات اضيفت للقاموس السياسي الرسمي في مصر, كلمات مثل (قلة) و(شغب) و(مثيري الفتنة).