يتساءل الشارع العربي عما اذا كان اجتماع القمة العربية المرتقب سوف يرقى بنفسه الى مستوى الموقف. لكن ما هو (مستوى) الموقف؟ في مدى اسبوعين فقط تحول الوضع في فلسطين من اضطراب امني محدود الى حرب شاملة بكل ما تحمل كلمة الحرب من معنى. وبذلك ارتفع سقف التطلعات الشعبية تجاه ما هو مطلوب من اجتماع القمة.. ولا يزال في حال ارتفاع. في الايام الاولى لاندلاع الغضب في الشارع الفلسطيني كانت النداءات الشعبية في انحاء الوطن العربي تطالب بوقف التطبيع العربي مع اسرائيل وقطع العلاقات كحد أقصى. لكن مع تطور الموقف الى مستوى حرب تستخدم فيها اسرائيل طائرات ف ــ 16 وقطع اسطول حربي تجاه ساحل غزة بالاضافة الى القصف الصاروخي والدبابات والمدرعات يبدو مطلب وقف التطبيع وقطع العلاقات الآن مطلبا متواضعا.. فالدعوة الشعبية العربية تتصاعد الى مستوى مقابلة الحرب بالحرب. ومع بداية العد التنازلي لموعد عقد القمة خلال ايام معدودات سوف يجد القادة العرب انفسهم وهم يواجهون ظرفا سياسيا جديدا تماما بالمقارنة مع الصورة البسيطة التي كانت سائدة في ايام الانتفاضة الاولى. ان تأخير موعد اجتماع القمة لينعقد بعد مرور ثلاثة اسابيع على الانتفاضة وما يرافقها من فوران شعبي في شوارع العواصم العربية كان فعلا عمدا. فقد تعلل القادة العرب بأمل ان التأخير قد يؤدي بطريقة او أخرى الى تباطؤ ايقاع الاحداث ثم خمودها بما يجعل اجتماع القمة غير معرض لضغوط شعبية بما يتطلب تبني قرارات في مستوى التوقعات الجماهيرية. وبما أن العكس هو الذي جرى ويجري فإن القمة سوف تنعقد على خلفية ظروف بالغة الحرج والخطورة. هذه ستكون قمة تاريخية سواء بالمعنى الايجابي او المعنى السلبي, فماذا نتوقع؟ ان مسار القمة سوف يحدده مدى استعداد القادة العرب, بالنظر الى حالة الحرب الشاملة التي اشعلتها اسرائيل بمستوى ابادة للشعب الفلسطيني الشقيق, للعودة الى ثوابت ما قبل أوسلو. ومرجعية هذه الثوابت تتمثل في سؤال: هل لا يزال الزعماء العرب, او بعضهم, يعتبرون, سواء صراحة او ضمنا, ان اسرائيل لا تزال دولة صديقة او شبه صديقة بموجب أدبيات مرحلة (السلام) أم ان انقلاب الوضع رأسا على عقب كما نرى يحتم اعتبار اسرائيل (العدو الصهيوني)؟ اجابة القمة عن هذا السؤال هي التي سوف تحدد طبيعة وحجم القرارات التي سوف تتخذ. فإذا اعتبرت اسرائيل دولة جديرة بالتعامل معها كصديق او شبه صديق فإن قرارات القادة العرب سوف تتجه بصورة مباشرة او غير مباشرة, صوب تخذيل الانتفاضة بأمل اجهاضها. اما اذا ردت اسرائيل الى وضعها الطبيعي كعدو ثابت فإن هذه سوف تكون نقطة الانطلاق لنصرة الانتفاضة لتؤتي ثمارا سياسية لصالح القضية المصيرية للشعب الفلسطيني وعلى هذا الاساس سوف تتخذ قرارات من قبيل اعادة آلية المقاطعة العربية الاقتصادية للدولة اليهودية كحد أدنى وخلق آلية اخرى لتوصيل امدادات الصمود الى المقاتلين الفلسطينيين. بكلمة واحدة: القمة سوف تكون على مفترق طرق تاريخي.