بعد كل الذي جرى في الاقصى وعم فلسطين, بعد كل هذا الدم والقتل ينبغي القول لابد ان تكون القمة العربية الطارئة التي ستعقد في القاهرة خلال الايام المقبلة قمة تاريخية في مسار العقل والمصلحة والرؤية والارادة والعمل العربي, المشترك دفاعا عن الامة ووجودها ومقدساتها وانسانها ومصيرها وإلا فإن عدمها افضل تجنبا للمزيد من الاحباط والاسترخاء والجمود في هذا الزمن الذي لا يقبل مثل هذه المفردات, وقبل هذا وذاك ينبغي ان تكون القمة بلا اعتراض عليها من هذا الطرف او ذاك وان تتحول القمة الى واقع قائم والالتزام بما ستخرج به برنامجا وفعلا وممارسة وسلوكا, وقبل هذا وذاك ايضا يجب عدم اتاحة الفرصة للجهود الامريكية وغير الامريكية المتربصة بالقمة والهادفة الى الالتفاف عليها وتحولها الى مهرجان للخطابات والبيانات والادانات والمناشدات التي ملأت الارض والسماء والامكنة وخلقت نظريات الفراغ والدوران في المشهد السياسي العربي, وعليه ينبغي ان تستجيب القمة للحد الادنى من الطموحات من خلال تأسيس موقف عربي جماعي في مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة وسياساتهما الرامية الى فرض تسوية قسرية على القدس والجولان وصولا الى العواصم العربية واحدة واحدة عبر شعارات التطبيع والتعايش والتجارة المفتوحة والشرق أوسطية. في اعتقادي ان ما جرى ويجري حاليا في فلسطين وضع النظام الرسمي العربي والشعبي امام حدود حمراء في تعاملهم مع انفسهم وثوابتهم الوطنية والقومية ومقدساتهم من جهة ومع الآخر ومشروعه ومفاهيمه للسلام من جهة اخرى, ومع الاصطدام بهذه الحدود فرضت القمة العربية الطارئة نفسها كرد عملي للبحث في الخيارات الممكنة والخروج بموقف عربي حقيقي فاعل وداعم وساند للصمود العربي في فلسطين ولبنان وسوريا.. ان الخروج بهذا الموقف ضروري ولا يقبل التأجيل في ظل وصول العملية السلمية الى نقطة الحسم, فإما سلام يكرس قرارات الشرعية الدولية وهو السلام الذي يحقق استرجاع الارض والحق والتعهد المتبادل بطي مرحلة الحرب ونزع اسلحة الدمار الشامل والاسلحة النووية التي تهدد العرب ووجودهم والامتناع عن التهديد. واما الرضوخ للمفهوم الاسرائيلي للسلام القائم على تحقيق المشروع التوسعي الذي يحقق الهيمنة والمركزية وتحويل العرب الى اطراف فرعية وهامشية لهذا المشروع الذي تباركه وتدعمه الولايات المتحدة في كل خطوة وموقف وسلوك وحركة, من هنا ليس امام القمة العربية الا التقدم والاستجابة الصادقة لتحديات المرحلة لان القضايا المطروحة هي قضايا لا يصلح لها الا تحمل المسئولية وحشد الطاقات في معركة الحد من الانهيار العربي والنهوض بالعمل المشترك الجاد والكفيل بنيل الحقوق وحفظ الكرامة لان عدم ذلك لا يعني فشل القمة فقط بل تأكيد النظرية القائلة بأن العرب غير جادين بالعمل المشترك ولا يحسنون التفكير والفعل والتنسيق وهذا بحد ذاته اكبر خطر على الامن القومي والقطري ومن شأنه تكريس الخيبة وتضاعف الشعور بالمرارة. بين يدي القمة العربية المقبلة اوراق قوية ينبغي على القادة ان يستثمروها اقصى الاستثمار للخروج بقرارات وآليات تستجيب للطموحات في مواجهة التحديات بمسئولية قومية ووطنية, وفي مقدمة هذه الاوراق تحويل القمة نفسها من قمة ظرفية جاءت كنتيجة للتصعيد الاسرائيلي ضد الفلسطينيين الى قمة تتمأسس لعمل عربي ذات طابع تنفيذي, بمعنى ان تصبح الاهداف التي عقدت من اجلها القمة استراتيجية جماعية وثنائية مفتعلة, تحقق هذه الاهداف وتؤمن آليات المتابعة والتواصل والتنفيذ حتى لو استدعى ذلك قمة او قمم عربية اخرى, وحتى تكون هذه الاستراتيجية عملية وناجحة ينبغي على القمة: * اعداد ورقة عربية لمفهوم السلام تقوم على عدم السماح لاي طرف بتقديم التنازلات لاسرائيل بحجة ضرورة المرونة لتجاوز العقبات التي تعترض المفاوضات او الاستجابة للضغوط الامريكية والاسرائيلية حتى لو اقتضى ذلك اعادة النظر في الاتفاقيات التي وقعت او العودة الى الميثاق الوطني الفلسطيني, وفي الوقت نفسه تقديم الدعم الكامل للمفاوض العربي سواء أكان هذا المفاوض فلسطينيا ام لبنانيا ام سوريا. * ربط هذا الموقف بإحياء المقاطعة الاقتصادية العربية لاسرائيل ووقف مسيرة التطبيع وطرد ممثليها من العواصم العربية واغلاق مكاتبها بما يحقق كل ذلك وحدة الشعور والعمل والخيار والتوجه والهدف. * تحويل المعارضة الجماهيرية الواسعة في الوطن العربي الى عمل مؤسساتي ثقافي واقتصادي واجتماعي وتنظيمي لمواجهة المشروع الاسرائيلي وايجاد الارضية العملية لتحويل هذه المعارضة الى فعل نضالي مقاوم ومهاجم في الوقت نفسه, ودعم المقاومة الباسلة في جنوب لبنان (حزب الله) وفلسطين وجعل هذه المقاومة بندا في العمل العربي الرسمي ليشق طريقه الى طاولة المفاوضات في معركة نيل الحقوق واسترجاع الارض والحفاظ على المقدسات. * تفعيل عناصر القوة التي يملكها العرب, فالعرب الذين لهم 21 دولة ونحو 260 مليون نسمة ومساحة جغرافية كبيرة في قارتين عريقتين وطاقات اقتصادية ومائية ونفطية هائلة, ينبغي على القمة ان تحول كل هذه العناصر الى قيمة استراتيجية في علاقات العرب مع امريكا واوروبا وروسيا واليابان والصين, في جعل هذه القيمة عوامل قوة تحقق لهم مكانة في المعادلات الدولية التي تتعامل مع قضايا الشعوب من باب المصالح وامتلاك الاوراق وعناصر القوة السياسية والبشرية والاقتصادية, فماذا يضر العرب لو عاودوا استخدام سلاح النفط بغية ايجاد ضغط دولي (انطلاقا من المصالح الدولية نفسها) على اسرائيل في معركة السلام والحفاظ على الحقوق والمقدسات والاوطان؟ * استثمار حاجة اسرائيل الى السلام والاعتراف بها ككيان في المنطقة, فبالرغم من امتلاك اسرائيل لقوة عسكرية نوعية الا انها ككيان تبقى (اسرائيل) تفتقر الى مقومات الشرعية والتمتع بالاستقرار الطبيعي في المنطقة, لذا حتى خارج المفهوم الاسرائيلي للسلام فإن السلام يشكل حاجة ماسة لاستمرار دولة اسرائيل بعد ان بلغت هذه الدولة درجة من الاستحقاقات الاقتصادية والامنية والمائية والسكانية, واستثمار هذه الحاجة لابد ان يكون بالصمود والصبر السياسي الطويل واستراتيجية التفاوض وعدم التسرع في عقد اتفاقيات غامضة او تقديم التنازلات, ان استثمار حاجة اسرائيل للسلام لا يعني نيل المكاسب فقط بل تطبيق القرارات الدولية وتنفيذها نصا وروحا لا كما تريدها اسرائيل قرارات مطاطية حسب مفاهيمها ورؤيتها لتحقيق مكاسب وامتيازات على حساب الطرف العربي. ان انتفاضة الاقصى والعمليات البطولية لحزب الله والتي اجبرت اسرائيل على الانسحاب من الجنوب اللبناني واخيرا اسر الحزب ثلاثة جنود اسرائيليين والمظاهرات والاحتجاجات الصاخبة التي اجتاحت العواصم والمدن العربية, كل ذلك اكد خطأ بعض القيادات العربية حين صورت الشعب دون خيارات.. فقد اكدت هذه الاحداث عمق الشعور القومي والاسلامي على امتداد الوطن العربي وخارجه واكدت على خيار هذا الشعب في الدفاع عن مقدساته القومية والوطنية والدينية مهما كانت التضحيات, وفي الوقت نفسه اكدت على ان هناك خطوطا حمراء لا يجوز تجاوزها مهما كانت الظروف والاسباب لذا على القمة العربية ان تجسد هذا الخيار العام بمسئولية عالية في ان تقول لاسرائيل وامريكا بأن الامة العربية تملك قدرة الارادة والتنفيذ, قدرة تجاوز الجروح والخلافات العربية في اللحظات المصيرية, في الاتفاق على وضع حدود حمراء, هي ثوابت لحل مسألة القدس واللاجئين والجولان.. ان ضرورة استجابة القمة للمسئوليات التاريخية والتحديات المصيرية تنبع من الصورة المأسوية للوضع العربي سواء في فلسطين والعراق او في اي بلد عربي آخر, ولعل حجم التحديات التي يواجهها كل بلد عربي لا يستطيع هذا البلد بمفرده مواجهتها, فمواجهتها ومعالجتها وحلها تتطلب جهود الدول العربية المجتمعة من خلال ايجاد استراتيجية امنية وسياسية واقتصادية متكاملة تقوم على العمل الجاد والتصميم والتنفيذ وتجاوز الخلافات وحشد الطاقات وايجاد الآليات والتقدم الى الامام خطوة خطوة بمسئولية واحساس وادراك, انتصارا للمصير والوجود ورؤية للمستقبل, وكل هذا امانة بين يدي القمة العربية الطارئة التي ننتظرها كما ينتظرها الآخر ويتربص بها كي لا تكون بمستوى الاستجابة للطموحات والآمال. كاتب سوري