أسوأ ما يمكن ان يحدث للعرب الآن, هو ان تكون الانتفاضة الفلسطينية سببا لتشرذمهم لا لتوحيدهم, ووسيلة لتأجيج ما بينهم من ثارات لا لاطفائها, وذريعة لالقاء الملح في جراحهم التي لم تندمل, وليس لمحاولة علاجها, ومبررا لكي يزايد البعض على البعض, او البعض على الكل, او الكل على الكل, بدلا من أن يبحث الجميع عما يداوي الجرح ويجبر الكسر ويلم الشمل, وينتهي بالتوصل الى موقف عربي موحد, يدفع بنا خطوة واحدة للأمام.. تخرج العرب من المستنقع الذي انتهى بالعصف بما تبقى من قدرة الامن على ان تحتفظ بهيبتها وتصون كرامتها, وتحقق لها الحد الادنى من مطالبها. ومشكلتنا هي ان بعضنا قد تعود الى حد الادمان, ان يخلط الممكن بالمستحيل, وما هو واقع بما هو خيال يصل الى حد الخبال, وما هو واقعي ينطق اصحابه من الحقائق الراهنة بهدف تطويرها على نحو يحقق مصالح افضل ومكاسب اكثر, بما هو وقوعي لا يسعى اصحابه الا للتعايش مع الهزيمة, وبذلك يختلط الحابل بالنابل, وتنمحي الفروق بين الشجاعة والحماقة, وبين الواقعية والوقوعية, وتتوشح اخبث وأرخص الاهداف بأنبل وأرفع الشعارات. ولأن الكلام ــ كما يقول المثل الشعبي ــ ليس عليه رسوم جمركية, فقد تعود بعضنا ان ينتهز فرصة اي مد وطني او قومي او ثوري, ليقول اي كلام, وليقترح اكثر الحلول تطرفا, لكي يحقق لنفسه اوسع جماهيرية, مستثمرا مناخ الحماس الشعبي, الفوار, المشحون بالغضب, معاتبا هذا الحماس, ومعتليا موجته, حريصا على ان تكون الحلول التي يقترحها, مما لا يحمله هو نفس مسئولية تنفيذها, فإذا اعترض الذين ستقع على عاتقهم مسئولية التنفيذ على ما يطرحه, لأنه غير ممكن سواء من حيث التوقيت او من حيث توازن القوى, او لأنه يمكن ان يقود الى كارثة, وهو ما يكون عادة واثقا منه, رفع عقيرته منددا بهم, وسجل عليهم انهم انهزاميون وجبناء, من دون ان يستطيع احد ان يطلب اليه تنفيذ ما اقترحه لأنه يصوغ مطالبه من الاصل على نحو يربط تنفيذها بمواقف الآخرين بها. خذ عندك مثلا, هؤلاء الذين طالبوا باعطائهم قطعة ارض على الحدود مع اسرائيل وهم على استعداد لتحرير فلسطين حالا بالا, وهو كلام لا معنى له, إلا ان اصحابه يضعون عبء التحرير على عاتق الدول العربية الاربع المحيطة باسرائيل, وهي مصر والاردن وسوريا ولبنان, ويدعونها مجتمعة او منفردة, بالدخول في حرب فورية مع اسرائيل, اذ لم نعرف في التاريخ ان دولة مستقلة قد اجرت او تنازلت عن قطعة من ارضها لقوات عسكرية من دولة اخرى لكي تشن انطلاقا منها الحرب على دولة ثالثة, من دون ان تترتب على ذلك؛ اية مسئولية على الدولة المؤجرة التي ستصبح من منظور القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة ومن الناحية العملية المحضة في حالة حرب مع اسرائيل منذ اللحظة التي يحشد فيها المستأجر قواته على قاعدة النضال التي استأجرها. ونظرة عابرة على تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي, تكفي لكي نتذكر ان اسرائيل كانت تتخذ من الهجمات التي يشنها الفدائيون الفلسطينيون ضدها, عبر حدود الدول العربية المحيطة بها, ذريعة للعدوان على هذه الدول, فعلت ذلك مع مصر ومع الاردن ومع سوريا ومع لبنان, وكانت هذه الهجمات هي المبرر الذي استندت اليه لتشن حربي 1956 و1967 بدعوى ان هذه الدول (تؤجر) حدودها, لمن يتخذها قواعد للعدوان عليها, وهي عضو في الامم المتحدة! ما يدعو للدهشة, هو ان حدود دول الطوق مع اسرائيل كانت متاحة طوال سنوات لمن يرغب في اتخاذها قواعد لتحرير فلسطين, وخاصة خلال حربي 1967 و1973 والسنوات التي فصلت بينهما, بل وظلت الحدود اللبنانية متاحة لهذا الغرض خلال السنوات بين 1978 و2000 التي كانت المقاومة اللبنانية خلالها تواصل حربها التحريرية ضد الاحتلال الاسرائيلي لأراضيها, ولم يكن الامر طوال هذه الحقب الممتدة في حاجة الى استعارة قاعدة للنضال او استئجارها, لكي تشن منها الحرب على اسرائيل وتحرر فلسطين. فأين كان هؤلاء طوال تلك السنوات.. وما الذي حال بينهم وبين استخدامها لهذا الغرض النبيل؟ مع انهم كانوا ــ آنذاك ــ يملكون قوة عسكرية ضخمة. ولماذا يرفعون الآن هذه المطالب, بعد ان اصبحت حدود ثلاث من الدول العربية المحيطة بإسرائيل مغلقة باتفاقيات ثنائية تشمل ترتيبات امن نصتها الامم المتحدة, وبعد ان فقدوا هم انفسهم, كل ما كان لديهم من قوة عسكرية, واصبحوا يتعرضون لعدوان امريكي بشكل يومي؟ واذا كان لا يزال لديهم من القوة ما يمكنهم من تحرير فلسطين المدعومة عسكريا من هذه الامبريالية الامريكية, فلماذا لا يستخدمونها في مواجهة هذا العدوان؟ أليس جحا اولى بلحم ثوره.. وأليس تحرير اراضيهم اولى من تحرير فلسطين؟! ثم ما هي حاجتهم الى قواعد ارضية متاخمة لإسرائيل, لكي يقوموا بتحرير فلسطين, والحرب الحديثة, كما هو معروف, لم تعد تتطلب ــ بالضرورة ــ حدودا مشتركة, او قواعد ارضية, لأنها حرب فضائية تحسمها الصواريخ والطائرات التي تطير بدون طيار, والقنابل الذكية, وهي ممكنة ــ لمن يملك وسائلها ــ من دون حاجة الى استئجار او اعارة. ليس لطرح هذا النوع من الشعارات معنى, الا ان اصحابها لا يقصدون منها الا احراج الآخرين وابراز تقصيرهم وعجزهم والمزايدة عليهم, وابراء ذمتهم هم انفسهم من مسئوليتهم عما آل اليه حال الامة, ومن عجزهم عن فعل شيء جاد لدعم نضال الشعب الفلسطيني, بدعوى انهم جاهزون ومستعدون للتحرير, ولكن دول الطوق هي التي تحول بينهم وبين الانطلاق, وبناء عليه, فسوف يعودون الى بيوتهم, ليشدوا اللحاف عليهم, ويناموا, الى ان يجتمع (مجلس الامن) ويتخذ قرارا باجبار دول الطوق على ان تعيرهم او تؤجرهم قاعدة يحررون منها فلسطين.. تلك شعارات تتجاهل الواقع الراهن, الذي يقول ان نصف الدول العربية تعتمد على امريكا ــ الراعي الرئيسي لاسرائيل ــ في كفالة غذائها, وان نصفها الآخر يعتمد عليها في كفالة امنه, وانها لا تزال ــ حتى الآن ومنذ عشر سنوات ــ تعاني من آثار ام المعارك وعاصفة الصحراء التي قوضت نظرية الأمن القومي العربي المشترك, وحولت العرب الى اخوة اعداء, يحتمون بأعدائهم من بعضهم البعض, وان النهوض من المستنقع الذي اوقعت هذه العواصف الامة فيه, يتطلب استثمار الوضع الراهن ــ الحماقة الاسرائيلية والصمود الفلسطيني والعجز الامريكي والصحوة العربية الشعبية ــ لبناء موقف عربي جديد, يدعم الانتفاضة ــ والحقوق ــ الفلسطينية, كخطوة اولى, وهو موقف لا يمكن ان يبنى, او ان يتطور, ما لم ينطلق من الحالة العربية الراهنة, ومن تقدير صحيح, لما يستطيعه النظام العربي, وما لا يستطيعه, لأن تحدي عجزه, سوف يزيد من تردد المترددين, وخوف الخائفين, وربما يدفع بعضهم الى محاولة (لم الدور) قبل ان يقوده الى مواجهة يعلم الجميع, انه ليس مؤهلا لها. وأسوأ ما في هذا الموقف, هو انه يعيد الى الحياة, اسلوب المزايدات الثورية التي تفتقد لأية ثورية كما اثبتت ذلك وقائع التاريخ التي أراد أصحابها استغلال الشعارات القومية, كوسيلة للتمويه على أهداف قطرية او مطالب حزبية, او للانتصار في صراع على السلطة, او لمجرد الهروب من المآزق والازمات الداخلية, وهو الكابوس الذي قادنا الى ما نحن فيه, ففي مؤتمر بلودان عام 1947 قرر العرب ألا يخوضوا حربا رسمية ضد اسرائيل, وألا تدخل جيوشهم فلسطين, وأن يكتفوا بدعم الشعب الفلسطيني بالمتطوعين والسلاح لكي يواجه المستوطنين الصهاينة, ولكن الظروف الداخلية في بلادهم, والصراع على زعامة الامة بين قادتهم, وطمع بعضهم في ضم فلسطين الى ممالكهم, ما لبثت ان قادتهم الى دخول حرب 1948 التي كانوا يعلمون انهم غير مؤهلين في الانتصار فيها, فكانت النتيجة ان هزموا وانهزم معهم الفلسطينيون, ليفقد الشعب الفلسطيني منذ ذلك الحين, وباسم قومية المعركة, حقه وقدرته على ادارة الصراع مع العدو, وهو صراع خضع لقواعد لعبة الامم على الطريقة العربية, وكانت المزايدات الحزبية الثورية ــ منذ بداية الستينيات ــ التي اتهمت الرئيس عبدالناصر, بخيانة القضية القومية, وبالاحتماء وراء قوات الطوارىء الدولية هربا من تحرير فلسطين, وأحد أهم الاسباب التي دفعته في عام 1967, لتصعيد الموقف على النحو الذي انتهى بحرب فقد العرب فيها ما تبقى من فلسطين, فضلا عن سيناء والجولان. في الموقف الراهن حقائق ايجابية, ينبغي استثمارها والانطلاق منها كخطوة اولى في طريق طويل, يمكن ان ينتهي بتحقيق اهداف الثوريين ــ بافتراض انهم مخلصون في شعاراتهم ــ لو انهم تنزهوا عن الاهداف الانانية, وعملوا مع الجميع, من اجل تطوير مواقفهم, ولم يكتفوا بمجرد تسجيل هدف في مرمى الآخرين. * هناك الحماقة الاسرائيلية التي كشفت عن زيف ادعائهم الرغبة في السلام, واكدت تنكرهم لقرارات الشرعية الدولية, واصرارهم على عدم الجلاء عن كل الاراضي الفلسطينية التي احتلوها في عدوان 1967 ودفعتهم لاستخدام قواتهم المسلحة ضد شعب اعزل, لا يستطيع احد ان ينكر عليه حقه في الانتفاض مطالبا بجلاء قوات الاحتلال عن اراضيه.. وبرهنت لهم عمليا, على ان السلام ــ اذا كانوا راغبين فيه حقا ــ لن يقوم الا على اساس اقرارهم بحق الفلسطينيين في اقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس, خالية من المستوطنات, واعترفوا بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض. * وهناك صمود الشعب الفلسطيني داخل ارضه وخلف قيادته, التي لم يعد احد يستطيع ان يخرجها من بلادها, او ان يتنكر لحقها في دعوة شعبها للجهاد في سبيل مطالبه, التي اقرتها الشرعية الدولية, او ينسب اليها ــ استنادا الى قواعد الشرعية الدولية ــ انها عصابة من المخربين تسلحهم وتمولهم دول الجوار, وتدفعهم للتسلل عبر الحدود, للقيام بعمليات ارهابية بعد ان برهنت للعالم انها راغبة في السلام, وتنازلت لهم عن نصف فلسطين التاريخية, وعن نصف ما ضمنه قرار التقسيم الصادر في عام 1947 من اراض, فكسبت بذلك رأيا عاما عالميا, يمكن الآن استنهاضه لدعم مطالبها, خاصة وقد انضم عرب 1948 الى الانتفاضة, وتعرضوا لما تعرض له فلسطينيو 1967 من عدوان اسرائيلي ففضحوا الطبيعة العنصرية العدوانية لاسرائيل. * وهناك العجز الامريكي الذي انتهى بانفلات الامر من يد الراعي الرئيسي لعملية السلام, الذي فشلت وساطته لدى اسرائيل وضغوطه على الفلسطينبين في كامب ديفيد الثانية وما تلاها, في ان تحقق تسوية تنقذ المرحلة النهائية والحاسمة من مسيرة السلام, كما فشلت في ايقاف الانتفاضة, او ايقاف الوحشية الاسرائيلية فتركت الساحة لمبعوثين اخرين من بريطانيا ومن روسيا الى الامم المتحدة. * وهناك الغضب الذي عم الشارع العربي والاسلامي, والذي تجاوز رفض مسيرة السلام في ظل الرعاية الامريكية, الى رفض السلام جملة وتفصيلا, وتجاوز المطالبة بتحرير الارض التي احتلت عام 1967 الى المطالبة بفلسطين التاريخية, وتجاوز مجرد مطالبة الحكومات العربية والاسلامية بالانسحاب من عملية السلام, الى مطالبتها بإعلان الحرب.. وهو خطاب لا تستطيع كل الاطراف ان تتجاهله, اذ هو يكشف عن ان الرأي العام العربي والاسلامي, كان في حالة كمون, طوال السنوات التي استغرقتها عملية السلام, بانتظار ما تسفر عنه المرحلة النهائية للتسوية التي اجلت اليها اهم موضوعاتها, وعندما تبين له ان مطالبه بشأنها لم تتحقق. اشتعل غضبه, معلنا بذلك موقفه الثابت: فهذه الموضوعات ــ القدس والمستوطنات وحق العودة ــ خطوط حمراء, لن يقبل ــ تحت اي اعتبار ومن اي طرف ــ ان يتجاوزها. هذه هي حقائق الوضع التي ينبغي على القمة العربية ان تتعامل معها, وان تنطلق منها. فلا يجوز لأحد ان يطالبها باعادة الوضع الى ما كان عليه, لتستأنف عملية السلام مسيرتها بالشروط نفسها التي كانت تسير عليها, وكأن شيئا لم يكن, بدعوى ان على العرب ان يكونوا واقعيين, اذ لو حدث ذلك, فمعناه ان القمة تفرط في اوراق قوة جديدة اصبحت بين ايدي العرب والفلسطينيين, وتلك ليست واقعية بل وقوعية. كما لا يجوز لأحد ان يدعوها لاتخاذ مواقف تقفز فوق هذا الواقع الجديد وأن تصوغ برنامجا يفوق قدرة النظام العربي, او احد اطرافه, على التحمل او تتصادم مع مصلحة القطرين, اذ لا نتيجة لذلك, إلا ان ينفرط عقد القمة او تضطر ــ في مواجهة المزايدات الى اتخاذ قرارات تظل حبرا على ورق, فالقدرة لا تتعلق بالمستحيل, ومن الحكمة ان تأخذ القمة من كل نظام ما يستطيعه مهما كان ضئيلا, فأن تصل القمة الى موقف موحد, مهما كان محدودا, افضل للقضية الفلسطينية ولمجمل القضايا العربية, من ان يتشرذم العرب, فلا يفعل احد منهم شيئا. في ضوء ذلك, فإن اقصى ما يمكن ان نطالب به القمة العربية, وان ننتظره منها هو: * ان تتفق الدول العربية على حد ادنى لشروط التسوية, يلتزم به الجميع, وهو الجلاء عن كل الاراضي العربية المحتلة في عدوان 1967, على ان يشمل ذلك ــ بالنسبة للفلسطينيين ــ اقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس, وكفالة حق العودة, واخلاء المستوطنات. * ان تعود مفاوضات السلام, الى رعاية الامم المتحدة طبقا لنصوص القرارين 242 و338, بعد ان استنفدت الرعاية الامريكية اغراضها, واثبتت عدم جدواها. * ان تنفذ الدول العربية قرارات قمة 1996 بشأن المقاطعة, فتجمد الدول العربية التي تربطها بإسرائيل علاقات تعاهدية كل اشكال التطبيع, وتلتزم الدول العربية التي لا تربطها بإسرائيل مثل هذه العلاقات بقرارات المقاطعة. * ان يتواصل الدعم العربي للانتفاضة الفلسطينية, بكل السبل الممكنة. وسوف يكون ذلك لو تحقق بداية واقع جديد, كفيل بتغيير خريطة المنطقة!