منذ أول ثورة فجرها أهلنا في فلسطين, وحتى زلزال هذه الايام سقط الاف الجرحى, وذهب في رحلة السماء الخالدة مئات الشهداء وفتح الحزن ابوابا وخنادق في قلوب الآباء والأمهات الذين ضمت صدورهم اشلاء اجساد فتية حارة, ورفعت أذرعهم جنازات لشباب واطفال كلهم يشبهون محمد الدرة, من عيونهم يتدفق مجد الاقصى, وعلى ثغورهم يلوح قسم الفداء والشهادة. منذ أول حجر قذفه شهيد طاهر في وجه صهيوني حاقد, وكل عربي يرفع كفيه بالدعاء لهم, ويسكب دموعاً ساخنة على عجزه وعلى .. قهرهم, ويتمنى لو أن هذا الواقع يتغير, ولو ان زمن الخيبات لا يطول اكثر, لكن الخيبات استمرت, بل وازدادت شراسة وضربا في القلب حتى الجنون, فأي خيبة اكبر من ان تحتضن قاتل شعبك, وان تنام في سريره, وان تلغي ميثاق نضالك لأجله, وان تشد على يده مبتسماً, ومبتسماً تضاحكه وتمازحه, وتذرف على ضريحه الدموع وتسميه الصديق والعزيز والفارس الشجاع! أهنالك خيبه قاتلة تقود إلى الجنون أكثر من ذلك, وما الذي سيحدث في الايام المقبلة. وفي كل مرة ينفجر غضب المقهورين, تفتح الشعوب العربية دفاتر نكساتها, وكتب هزائمها, وتصف فواتير خسائرها, وتستعرض قوافل شهدائها وجرحاها ومعاقيها, وتبدأ ــ كما في درس الاملاء ــ من اول السطر في محاسبة المتسببين في هزائمها, الحاكمين بأمرهم, والمحكومين بمصالحهم, وتبدأ في تقديم طلباتها وقد تجازف فتفرض خياراتها كما تفعل الشعوب اليوم وهي تضع خياراتها على جدول القمة العربية المرتقبة, مع انها تعلم بأن كل قممنا كلام في كلام, وان كل ما كتب عنها وما أعد لها من نفقات سيذهب ادراج الرياح مثل دماء الشهداء ودموع الامهات وقهر الآباء, القهر مجاني والموت مجاني.. والقمة بلا داع ابداً. ولان القدس ليست جزيرة جميلة في البحر المتوسط يمكن نسيانها, أو ساحلاً هادئا على البحر الاحمر يمكن المساومة عليه لقاء مشاريع سياحية نتقاسم ارباحها, لان القدس محور القضية, والاقصى هو الرمز المسافر بين العين والقلب, المستقر شامخاً بين الجسد والرصاصة, هو في وسط المسافة بين الحجر وفوهة البندقية.. بين الموت والحياة.. هو الرمز الفاصل بين الحق والبربرية. لكل ذلك نتمنى على كل عربي ومسلم ألاّ يشعر لحظة واحدة بأن قضية الأقصى هي مشروع خيري يتبرع له كي يبرىء ذمته امام الله ويمضي مرتاح الضمير! القدس والاقصى لم يتعرضا لحادث دهس او زلزال يحتاج إلى اغاثة طارئة, الاقصى والقدس وفلسطين تحتاج الى عمل عربي صادق ومستمر, عمل سياسي, دبلوماسي وعسكري, مادي ومعنوي, تحتاج امدادات مستمرة, فأبناء الشهداء امانة, وارامل الشهداء امانة, وامهاتهم امانة ودماؤهم امانة, والاقصى ليس ضريحاً أو اثراً سياحياً, انه أولى القبلتين وثالث الحرمين, ودرب من مروا الى السماء في رحلة الاسراء. هذا ما نعيه جيداً, وما يجب أن تكرسه الفضائيات العربية وهي تفتح الهواء مباشرة لتلقي التبرعات لاجل القدس, فالأمس كان فعلاً يوما حقيقيا للاعلام, عرف كيف حاول ان يقوم بدوره كما يجب , وكما يجب ان يكون دائما.. فتحية لكل الفضائيات التي شاركت في حملة لأجلك يا قدس.. مع سؤال يبقى معلقا: هل تغتسل الفضائيات من عبء المسئولية تجاه قضايانا بمبلغ 30 مليون دولار؟ وإلى متى؟