يحدث للمرء منا أن يفقد عزيزاً وتضيق به الدنيا, فيلجأ إلى ذاته بكثير من العزلة والبكاء محاولة منه في استيعاب هذا الألم الانساني, ولكن المسألة مختلفة تماما في الشأن الفلسطيني حينما أمسى الألم شعوراً جمعياً يتوزع بين الناس الذين تجمعهم وحدة الدرب والمصير, حينها فقط تصبح الدنيا رحبة بكل أشكال التضامن والمقاومة, عندها تتحول العزلة الفردية والهم الذاتي الشخصي إلى حالة من الانفراج والتوحد مع الآخر ومشاركته محنته. إن ما يحدث للشعب العربي في فلسطين لهو مثال ساطع وحيّ يؤكد وجهة النظر هذه, حيث استطاع اولئك المحاصرون المرابطون أن يتماهوا في وحدة وطنية جعلت من آلامهم مجاديف الحياة في مقاومة هذا الغباء العبثي في استخدام آلة البطش العسكرية الاسرائيلية. بدمائهم فقط تم تأصيل هذا الشعور الجمعي العربي الذي أعاد للهوية دربها الحقيقي في مقاومة الترهل والنعاس. وفي غمرة هذا الطوفان من التوحّد الجمعي غابت عني شخصياً اسس الالتزام الاجتماعي بالاستفسار عن سلامة بعض الاصدقاء, ولكن مع ما نقلته الفضائيات من قصف بربري جوي وبحري لمدينتي رام الله وغزة, تذكرت فجأة ان ثمة اصدقاء حميمين لي هناك. فسارعت بالاتصال للاطمئنان عليهم. ووسط هذا الجو النفسي المشحون بالشجون فوجئت باتصال هاتفي لصديق كنت افكر فيه ضمن مجموعة الاصدقاء. قال غسان أبو ليلة اعرف مدى قلقك علينا, ولكن اطمئن, وصف لي غسان حالته كأحد الفلسطينيين في رام الله وقت القصف الاسرائيلي الجبان للمدينة, قال هذا القصف لم يخيفنا. الشوارع كانت مزدحمة بالاشخاص الكل كان في وضع استعداد لمواجهة أي موقف. الجميع كانوا يتمتعون بروح معنوية عالية لدرجة أن بعض الفتية الصغار كانوا يحاولون ضرب الاباتشي بالحجارة. حاولت وسط هذا الجو الصاخب الذي كان فيه الرصاص الغاشم يشق اصداء المدينة حاولت النوم ولكن لم استطع, خرجت من الدار لمشاركة الجماهير تصديها للعدوان المستمر الغاشم. النساء كن يشاركن الشباب في نقل الجرحى الى المستشفيات وتضميد جراح من كانت اصابتهم بسيطة. خرجت من الموقف بنتيجة ان الفلسطيني الذي رقص تحت حصار بيروت هو ذاته الذي غطى غناءه على فحيح الاباتشي غير آبه بالجيش الذي (لا يقهر). ان هشاشة هذا الكيان من الداخل هي التي قتلت ثلاثة من جنوده بأيديهم في وحدة (الكرز) في قرية عصيرة محاولة القبض على محمود أبو هنود (33 عاما) الذي نجا من المحاولة. ان ما يحتاجه العربي هذه الايام أن ينكأ جرحه ثانية ليتوحد مع الجرح الفلسطيني فيذوب في هذا الشعور الجمعي الذي أسهم في تعرية الاسطورة الفولاذية المزيفة. وقدر هذه الأمة ان ينكأ جرحها طفل في الثانية عشرة من عمره يدعى محمد جمال الدرة لتستفيق الشعوب بالرغم من جرعات التخدير على مدى سنوات طوال. فهل ينام ثانية العرب؟!!