الشارع العربي في حالة غليان, والاعلام العربي تخلى عن سذاجته ونقل بوضوح حجم التفاعل مع القضية, وتبنى صراحة مجموعة الخيارات التي نضعها كشعوب أمام اهتمام القمة, هذه الشعوب التي سئمت من تاريخ لا تكتبه بل يكتب لها, ومن انظمة تحشرها في خانة بائسة إزاء مصير يبدأ وينتهي بكلمة نعم! امام الشعوب وامام الانظمة اذا كانت جادة فرصتها التاريخية لتقول لا, ولن يعترض أحد: لا للتطبيع, لا سلام إلا وفق استحقاقات القرار 242, ولا لتدفق البترول العربي في شرايين الحياة الامريكية والغربية والاسرائيلية. لماذا يقدس الفرد في امريكا, ويعبد في اسرائىل, وتقوم قيامة الكرة الارضية لأجل خمسة جنود اثنين قتلا وثلاثة في الاسر, بينما أكثر من 150 شهيداً وما يزيد على 4350 جريحاً لا يستحقون سوى بيانات ادانة واستنكار مفتعلة! أليست هذه المعادلة فيما يتعلق بقيمة الانسان في المناخ العربي هي أول ابجدية الهزيمة؟! ماذا يقول كل نظام سياسي عربي اليوم وهو يتابع وترصد اجهزته ردة فعل الجماهير العربية؟ كيف تخطط الانظمة لاحتواء هذا الغضب وعدم الاصطدام به حفاظاً على بقائها؟ بالتأكيد ستحاول اعطاءه اكبر مساحة ممكنة لينفس عن مشاعره, وستقول له إنها متفقة معه فليس امامها غير ذلك, لكن ماذا ستفعل هذه الانظمة في امتحان اجتماعات القمة العربية المقبلة؟. ان قرارات القمة العربية في الحادي والعشرين من اكتوبر الجاري ستكون حسماً لمواقف ونقطة مفصلية في تاريخ أمة وشعوب, وقد تدفع بعض الانظمة ثمناً كبيراً اذا ما جاءت قرارات القمة خاذلة لمطالب الجماهير, خاصة وان المنطقة كلها على فوهة بركان واحتمالات الحرب ليست بعيدة عن اي عاصمة عربية, بعد أن صعدت اسرائىل الموقف في الاراضي الفلسطينية في ظل اصرار فلسطيني وبالاجماع على عدم التوقف عن اعمال المواجهة. السؤال الذي يدور في اذهان الجميع اليوم هو هل تستمر حاله التصعيد هذه إلى أكثر من ذلك؟ هل يدخل حزب الله في معادلة التصعيد؟ هل يلجأ الشارع الفلسطيني بمنظماته المختلفة إلى خيار السلاح وتتحول الجبهة الفلسطينية الداخلية إلى حرب اهلية قد تنتهي بكارثة حقيقية؟ هل تنجح الدبلوماسية المكثفة التي تهطل على عواصم القرار في المنطقة في منع البركان من الانفجار؟ هل ستنجح كل هذه الوساطات في مبادلة الاسرى الثلاثة الاسرائيليين واقناع السلطة الفلسطينية بقمع انتفاضة الاقصى مجددا؟ وبالتالي يتوازن الوضع ويعود هادئاً كما كان, حيث ينفتح الحوار مجدداً بحثاً عن حلول ومخارج. اسرائىل اتخذت قرار الحرب بشكل واضح عندما دعا رئيس وزرائها باراك الزعيم اليميني المتطرف شارون ليكون شريكاً رئىسياً في حكومة طوارىء وطنية, وصحيح انها ولأول مرة تحارب في الداخل وتخوض أو تواجه حرباً أهلية لكن ذلك لا يضع جانباً خيار توجيهها ضربة باتجاه الخارج.. إلى لبنان أو سوريا مثلاً. مع انها ستفكر كثيراً قبل أن تفعل ذلك. حزب الله يمتلك ورقته الخاصة حالياً ويخوض معركته من خلالها (الجنود الاسرى) ويمتلك دعماً خارجياً يستند عليه مرتاحاً (ايران وسوريا) ولن يورط نفسه في مستنقع مواجهة لان لبنان برمته لا يحتمل هذا الخيار ابداً, مع ان قرار الحرب ليس لبنانيا بالتأكيد. على الحدود المصرية نقلت بعض المصادر قيام عمليات رشق بالحجارة والزجاجات الفارغة لأحد المواقع الاسرائىلية على الحدود, ما يعني ان السلام المصري ـ الاسرائيلي على كف عفريت خاصة وان الشارع المصري والموقف الرسمي يستشيط غضباً. المساومات واردة, والخيانات مؤكدة, والمقايضة على حساب الشهداء وهبة الشارع العربي غير مستبعدة, لكن التوغل فيها سيزيد من دفع المنطقة إلى حافة الهاوية.