هل يجوز فصل التعنت الامريكي ضد الشعب الفلسطيني على صعيد مجلس الامن الدولي عن التعنت الامريكي ضد السودان في الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ تزامن المشهدان خلال الاسبوع الماضي بفارق بضعة ايام, وهو قاسم مشترك شكلي, سلط المزيد من الضوء المركز على مرامي السياسة الخارجية الامريكية تجاه الشرق الاوسط. في مجلس الأمن شمر المندوب الامريكي السفير رتشارد بروك عن ساعديه ليخوض معركة دبلوماسية ضارية لاحباط مشروع قرار يتضمن ادانة للوحشية الاسرائيلية العسكرية ضد جموع المدنيين الفلسطينيين ودعوة الى تحقيق دولي. وعند نهاية المطاف حققت واشنطن نصرا من نوع ما تمثل في تخفيف العبارات التي تحرج الدولة اليهودية. اما المعركة الامريكية على صعيد الجمعية العامة فقد كانت اشد شراسة. هنا استهدفت واشنطن السودان بغرض منع انتخابه عضوا جديدا الى مجلس الامن الدولي. وكما ربحت واشنطن المعركة جزئيا ضد فلسطين فإنها ربحت المعركة ضد السودان بصورة كاملة. والمغزى واحد في كلا الحالين. ان الانتفاضة الفلسطينية تترجم سياسيا بأنها نزعة نحو الاستقلال والسيادة. والمأخذ الامريكي غير المعلن صراحة على السودان هو ان هذه الدولة العربية تنهج منهجا استقلاليا في تحركها على ساحة العلاقات الدولية. والرسالة التي يبعث بها الشعب الفلسطيني الى العالم هي في مضمونها الرسالة نفسها التي يتضمنها التوجه السياسي الخارجي للسودان: لا وصاية ولا هيمنة. غير ان الولايات المتحدة تصنف اي تحرك ذي طبيعة استقلالية في العالم العربي نوعا من ممارسة الارهاب تتساوى في هذا المنظمات مع الدول. وعلى اساس هذا التصنيف الاحادي تعتبر الانتفاضة الفلسطينية ارهابا لا كفاحا مشروعا. ومن هذا المنظور ايضا تعتبر كل منظمة او دولة تبدي معارضة لعملية (سلام الشرق الاوسط) كيانا يمارس العمل الارهابي او يرعاه. وفي هذا تستوي المنظمتان العلمانيتان الفلسطينيتان, (الجبهة الديمقراطية) و(الجبهة الشعبية) مع رصيفتيهما الاسلاميتين (حماس) و(الجهاد) والآن تنضم اليها (فتح) ـ التنظيم الذي اشعل فتيل الانتفاضة الراهنة. وفي هذا يستوي السودان مع ليبيا والعراق وسوريا ولبنان. ومن يتفحص عن قرب (قضية) امريكا ضد السودان لا يملك الا ان يضرب كفا بكف. فالحجة التي تستند اليها واشنطن لتبرير معارضتها دخول السودان مجلس الأمن الدولي هي ان السودان (دولة ترعى الارهاب) . وفي هذا السياق تستشهد الولايات المتحدة بحادثة محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا قبل خمس سنوات متهمة الحكومة السودانية بالتورط في تدبير الحادثة وتنفيذها. ووجه العجب هنا هو ان الدولتين صاحبتي القضية ـ مصر باعتبارها الطرف الاصيل المتضرر واثيوبيا باعتبارها الدولة التي وقعت الجريمة على اراضيها ـ برأتا السودان نهائيا. بل انهما طالبتا ولا تزالان تطالبان حتى هذه اللحظة بإلغاء العقوبات التي فرضت على السودان في هذا الصدد. فهل واشنطن كاثوليكية اكثر من البابا؟! ان واشنطن تتشبث بهذه الحجة الباطلة لانها ببساطة لا تستطيع ان تقول للعالم انها تستهدف السودان بالعداء فقط لأنه ينهج نهجا استقلاليا يرفض التبعية.. وانه انطلاقا من هذا المنهج عمد سوريا ولبنان والعراق وليبيا الى رفض اسرائيل كموقف ثابت.