ليس صحيحا اننا نعيش الزمن العربي الرديء أو عصر الانحطاط كما يستسهل بعض اليائسين منا, لان الزمن لا ينسحب عليه الوصف, بل ينسحب على بعض المتقاعسين والمنهزمين من أمتنا, أولئك الذين استكانوا لحكم الأمر الواقع, واستصغروا شأنهم وشأن قوتنا, وتركوا قيادة أمرهم للآخر يتحكم في توجهاتهم بالريموت كونترول. والصحيح ان زماننا العربي الحاضر مليء بأسباب التفاؤل بالمستقبل وبغد أجمل, مهما تكاثرت المحن أو تعددت مظاهر الفرقة والتشتت والتناحر البغيض, ومهما تكالبت علينا القوى الباغية, أو علا صوت الباطل على الحق. والبداية, بداية ابتلاج فجر عربي جديد, جاءت مع أطفال الحجارة, الذين أعادوا لنا الثقة في أنفسنا, بعد أن أهدرها الكبار من عبدة زمرة الأمر الواقع, الذين استؤصلت من نفوسهم إرادة التحدي, وفقدوا القدرة على الانفعال والغضب لكرامتهم المجروحة. على ان المثل الأوضح الذي حرك في نفوسنا أمجاد الماضي, وفتح عيوننا على ان العيب فينا وليس في زماننا, وكشف من قدرات أمتنا المخبوءة والمكنونة, جاء هذه المرة من الطفل المصري أحمد محمد عبدالحميد شعراوي (12 سنة) تلميذ المدرسة الاعدادية, وحيد والديه. كان الطفل أحمد يعيش حياته مثل أبناء جيله يستمتع بالاستماع لألبومات مطربي الموجة الهبابية آسف (الشبابية) وان كان صوت هاني شاكر هو المحبب له, كما تقول شقيقته, إلى ان رأى مشهد استشهاد الطفل الفلسطيني البطل محمد الدرة, فانقلبت حياته رأسا على عقب, وتحول اهتمامه إلى ادمان مشاهدة ومتابعة أحداث انتفاضة الأقصى, وكيف يواجه الحجر الفلسطيني ببسالة رصاصات العدو الاسرائيلي, وكيف يكتب الشهداء بدمائهم حروفا في كتاب تحرير القدس والأقصى. وتعلم الطفل أحمد ان بالحياة ما هو أجمل وأثمن من سماع الأغاني ومتابعة أفلام الكارتون وألعاب الفيديو, فهناك المقدسات والوطن والجهاد, وتأكد من مشهد دماء الشهيد الدرة أن السلام مع اسرائيل مجرد وهم وخداع, ولم ينم ليلته, وهداه تفكيره إلى تلبية نداء الأقصى والانضمام لانتفاضة الحجارة. المدهش في حكاية الطفل المصري ان وعيه تشكل بسرعة فائقة ومن مشهد واحد, ودون تدخل لا من مدرسيه أو من أسرته, ولا حتى من زملائه, لدرجة ان الجميع فوجئوا بغيابه وأبلغوا عن اختفائه, بينما كان هو يخطط للتسلل عبر منفذ رفح إلى فلسطين, لكنه وقع في قبضة الشرطة ولم يتحقق حلمه في الثأر للشهيد الدرة. لكن ما تحقق أشمل من ثأر فردي, فلقد أعاد الطفل الصغير بعمله الكبير زمن الخليفة المعتصم عندما حشد الجيوش لنصرة امرأة عربية صاحت مستغيثة من عنت وعدوان الرومان: وا معتصماه.