ستخسر إسرائيل الشيء الكثير كلما زادت في تعنتها واصرارها على فرض مبدأ القوة على طاولة المفاوضات وعلى الأرض في ظل ما تقابله من تلاحم عربي وانتفاضة استطاعت أن توحد الصف الفلسطيني وتجعله يدفع بكامل أوراقه إلى ساحة النضال, ومهما بدت إسرائيل وهي تطرح استعدادها لاعادة مسيرة السلام وتمسكها الزائف به انها لا ترغب إلا في وقف ما تسميه بالعنف الفلسطيني, وانها حسب ما تظهره للعالم تجبر بشكل يومي على استخدام السلاح لتحقيق الاستقرار لسلامها الذي تريد, فإنه ما من شك انها في الأصل منقادة لحكومة صار يقلقها ذلك الالتحام في صفوف الفلسطينيين, ويقلقها أكثر ما تراه أعين الاسرائيليين من غضب عربي مدعوم بالمواقف الرسمية وغير الرسمية.. وهذا ما دعا باراك إلى التسليم بضرورة مجاورة زعيم المعارضة الذي فجر الكارثة وورطه فيها أكثر. ورغم استناد باراك أيضا وارتياحه لتصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية التي يشتم منها علانية التأييد المطلق لما تفعله حكومته وأسفها الشديد على مقتل الجنديين الاسرائيليين اللذين تسللا إلى رام الله, والاطمئنان الكبير لاستعداد أمريكا استخدام الفيتو كرد على شكوى الفلسطينيين لدى مجلس الأمن الدولي وطلب قوات حماية دولية, فإن باراك وهو يضع كفة يده في حضن الليكود إنما يكشف عن ذلك الاهتزاز الذي خلقه التضامن العربي المدفوع بصمود الفلسطينيين. كلما تلاحمنا وكلما كنا صفا واحدا, وكلما تحركت الدبلوماسية العربية تجاه قضاياها المصيرية بصورة تترجم رغبة الملايين من شعوبها استطعنا أن نلغي الصورة الزائفة التي رسمها المحتل الغاشم لنفسه, ورسمها أعوانه وأصدقاؤه لنا.. هذا الزيف لا تدمره ولا تكشفه إلا الحقائق والأفعال الصادقة. بالأمس توحدت محطات التلفزيون والاذاعات وتوحد مثقفو ومفكرو وفنانو الوطن العربي, جلست أمهات الشهداء وجلس الملايين من البشر المقهورين لاحتضان الحلم الذي طال وشعرنا انه قريب وكأنه أمام أعيننا. الأمين العام لحزب الله قال بالأمس أيضا عبر لقاء تلفزيوني من منظور خبرة سنوات الكفاح المسلح ان جيش العدو الاسرائيلي مفتت في داخل جنوده, وان جنديا ما عاد يؤمن بقضية واضحة, وانهم مهزومون من الداخل. لا الخوف ولا الموت هما اللذان يجعلان الفلسطينيين يطلبون حماية مجلس الأمن الدولي, ان هذا المطلب استراتيجي مئة بالمئة وهو احتجاج ضد دولة نازية تمارس الحرب ضد شعب أعزل وهو بالتأكيد مطلب واضح وواضحة مقاصده.. لكن الخوف الحقيقي هو الذي ينهش الحكومة الاسرائيلية وهي التي تتمنى موافقة الأطراف العربية على القمة الرباعية التي تقترحها أمريكا. والحسبة بسيطة جدا ويعرفها قراء السياسة بوضوح, فتفويت الفرصة على القمة العربية المنتظرة هدف استراتيجي لا تسعى إليه اسرائيل فقط بل وأمريكا التي تدرك ان تحرك الشارع العربي له لغة حوار لا يمكن حسابها بالآلة الحاسبة. أمام هذا الصمود, وأمام هذا الالتفاف, وأمام هذه الصرخات العربية التي تتعالى في كل شبر لا يمكن الآن لعدة دول بعينها واسرائيل في مقدمتها الا ان تعيد شطب قدر كبير من المسلمات التي عرفتها. وآخر الكلام سيكون حتما في القمة التي يستعجل انعقادها الملايين من الحناجر.