وجه الام الفلسطينية عابس جامد, صوتها صراخ, خريطة جيناتها لا تعرف الابتسام, كأنها خلقت للبكاء, كأنها اقوى الرجال. لها من الامومة قلبها المعطوب, تبكي مثل كل ام, وحدها تعلم انه لا وقت للبكاء, ولا جدوى من البكاء, ولا معنى له. انها أم من نوع آخر, أم فلسطينية, والام الفلسطينية مختلفة عن كل امهات الدنيا. عندما رضيت ان تكون اما, رضيت ان يكون ابنها, وحبها, ومستقبلها, هو وطن حزين, يحتاج الى من يفك قيده, اليوم او في آخر الزمان, مفتاحه معلق, انه في دم فلسطيني, عند شهيد. هذه الام اقرت في يوم اختيار وسام الامومة ان تكون رسالتها الولادة, مزيدا من الابناء, يقدمون دمهم للوطن, يعودون لها تحملهم في كفن, شهداء قد لا يعودون, قد لا تعرف مكانهم. قدر عليها ان يكون عندها ذرية, وانها لا تملكهم, انهم منها, يحملون اسمها وروحها, لكنهم للوطن. في هذا العصر, وفي عصور غابرة, كان وسوف يكون, قلب الام, الاقرب نحو الخوف, يعطي الدنيا حنانا ويفيض, والدنيا عندها ذريتها, فوليدها هو الحياة, ومنتهى السعادة. حلمها ان يكبر, ان يكون دائما قرب عينيها, تخاف عليه من الخوف والمرض, من كل شر. لا ترضى له الا النجاح والتميز, وتقنع اذا لم يكن على قدر الحلم, المهم ان يبقى عندها ويكبر, وحتى عندما يكبر كثيرا, تتمنى ألا يبتعد, ان يكون ظلالها. كل الامهات هكذا, الا الام الفلسطينية, تشتهي ان تكون مثل بقية الامهات, لكنها لا تستطيع ان قدرها مختلف. انها كوطنها, جريح, اسير, مثقل بآثام المغتصبين. خارج الوطن هي غريبة, شريدة, تبكي الاهل والوطن, ترمي اولادها للشتات, للجوع, للاوجاع, تنتظر البيت, والسكن والامان, تنتظر ان يعودوا لها, يحملونها نحو فلسطين, قد لا يعودون, قد ترحل هي, في قلبها الصامت عن الحياة حسرة, فيه تسكن صورة اجمل لبلادها. وداخل الوطن فانها تفرح برؤيته, ان رائحته تسري فيها وهي قربه, تلامس ترابه, لكنها لا تجد امومتها, تفتقد اولادها. لا تعرف متى يخرجون, قبل الشمس او بعد الظلام, قد تعرف, قد تطلب منهم ذلك, قد تجهزهم لذلك, لكنها لا تعرف هل يعودون, هل تنتظرهم على باب البيت, او قرب بوابة المقبرة؟! عندما يبدأ العرس, والعرس الفلسطيني يناقض مفهوم اعراس الشعوب, انه يعني اليوم الاخير في حياة الفرد والجماعة, انه الانتفاضة نحو الموت, وانه عرس الشهيد. في هذا اليوم يرتفع الصراخ, الارواح لها اصوات تعلو بالدعاء, تنادي الحق, تهلل, وتلمح هي وحدها وعد النصر كأنها فيه, كأنه قريب منها. في يوم العرس, تتزاحم الوجوه, لا تملك الام الفلسطينية ان تحدد هل هي ام العريس ام جارتها, او انه عرس جماعي, وانهن شركاء. لا تعلم اين هو العريس, هل تراه في البث الحي, او انه في سيارة اسعاف, او لحمه ضائع يجمعونه من فضاء السماء وعلى الطرقات, او هو في قبضة يهودي, يهوي به في فرن احمر ملتهب, يشويه, او يعود لها ابتر من غير اطراف. يهمها ان تعلم هل سيعود, ويهمها اكثر ان تعلم هل قتلت حصاته يهوديا. هذا هو العرس عندها. قد ينفد صبر الانسانية منها عندما تحل فيها طامة, لكنها تتزود من صبر فلسطين, قد يموت اولادها معا صغارا وشبابا تحصدهم قذيفة شيطان صهيوني. الطامة الكبرى ان يستشهد لها اكثر من ابن في ليلة واحدة. تصبح الحياة من غير لون, والامومة بدون طعم, قد لا يأتيها صباح, لكنه خيط الرجاء في قدر موعود ان يعود الوطن يوما حرا شريفا. قد يموت زوجها, قد تموت امها واخوتها ووالدها, وجارتها وكل اسرتها, قد تموت هي من الحزن على فلسطين. ما اعظم الام الفلسطينية.