لابد ان بيل كلينتون اكتشف انه لم يعد من السهل المحافظة على المعادلة الثلاثية: وهي معادلة كانت تعمل كالآتي: كلينتون يقترح.. باراك يقبل الاقتراح.. عرفات ينفذ. واختلال المعادلة الثلاثية هو احد الافرازات الجانبية للفوران الشعبي الفجائي في الارض الفلسطينية. فقد وضعت الانتفاضة كلا من اولئك الزعماء الثلاثة وجها لوجه مع حدة الظرف الداخلي لكل منهم وحتمية التصرف خارجيا بوحي من املاءات الوضع الداخلي. بيل كلينتون رهين متطلبات معركة الانتخابات الرئاسية الامريكية وعلى رأسها الحرص على استرضاء يهود امريكا بعدم اغضاب اسرائيل. وايهود باراك مرتهن الى متطلبات صراعه السياسي المصيري مع الاحزاب الاسرائيلية الدينية واليمين الاسرائيلي المتمثل في تكتل (الليكود) عزيم حزبه.. (حزب العمل) . أما عرفات فإن الفوران الجماهيري وضعه على مفترق طرق: ركو ب الموجة الجماهيرية او المخاطرة بزعامته. بيل كلينتون بالطبع ليس مرشحا في معركة الانتخابات الرئاسية الامريكية.. لكنه حريص اولا على فوز آل جور مرشح حزبه .. (الحزب الديمقراطي) . وأهم من هذا بالنسبة اليه حرصه على مستقبله الشخصي بعد مغادرة البيت الابيض في يناير المقبل. وكلا الهدفين رهين بنفوذ اليهودية الامريكية. والمطلوب منه اذن هو تزلف اليهود بأي وسيلة وأي ثمن.. عن طريق الظهور بمظهر الحامي لأمن اسرائيل. لكن الانتفاضة الفلسطينية طرحت مشكلة. كلينتون لم يعد بإمكانه, وعينه على اصدقاء امريكا العرب في ظروف الفوران الشعبي العربي المتعاظم, ان يغلف تحركه المتحيز لاسرائيل بحيث تبدو واشنطن وكأنها محايدة بين الطرفين لأن الفوران السياسي المتعاظم داخل اسرائيل نفسها يجعل قبول باراك بأي (مرونة) امريكية وكأنه خيانة. لهذا رفض باراك اقتراح واشنطن بالاجتماع مع عرفات في شرم الشيخ بمشاركة أمريكية ومصرية مشترطا وقف الانتفاضة اولا من قبيل المزايدة على اليمين الاسرائيلي بشقيه الديني والعلماني.. هذه المزايدة التي تفرض عليه ان يبالغ في (العنترية). ان تعنت باراك على هذا النحو, انطلاقا من عوامل داخلية وليس من معطيات موضوعية يفسر لنا لماذا تغيرت طبيعة التحرك الامريكي في الايام القلائل الاخيرة من العلنية الى السرية حتى تتفادى واشنطن احراج القادة العرب. الانتفاضة وضعت الزعيم الفلسطيني ايضا امام واقع. وليس معنى هذا ان الانتفاضة فاجأت عرفات تماما. ما فاجأه وأخذه على حين غرة تسارع ايقاعها الرهيب واتساع نطاقها.. وبالتالي انفلاتها من سيطرة القيادة الرسمية. في هبات الشارع الفلسطيني السابقة كان عرفات في موقف يمكنه بأن يأمر بتحرك شعبي ويأمر بوقفه وفقا لرؤيته الذاتية للأوضاع اعتمادا على سيطرته الكاملة على منظمة (فتح) .. الفصيل الشعبي الفلسطيني الرئيسي ذى الولاء لعرفات. والجديد في الانتفاضة الراهنة هو ان قادة (فتح) استقلوا بأنفسهم عن قيادة عرفات في اندماج كامل مع الشارع الفائر. وما يبدو حتى الآن هو ان عرفات قرر ان يركب الموجة.. وبالتالي لم يعد في موقف يمكنه من التجاوب مع اقتراحات كلينتون وطلبات باراك دون ان يأخذ في الاعتبار احتمالات ردود الفعل في شارع فلسطيني نفد صبره الطويل أخيرا. وهكذا تفككت اضلاع المثلث.